شيخ عقل الطائفة الدرزية ضد حكومة دمشق: على ماذا يبني “الهجري” موقفه الجريء؟

شيخ عقل الطائفة الدرزية ضد حكومة دمشق: على ماذا يبني “الهجري” موقفه الجريء؟
أستمع للمادة

فتح بيان شيخ عقل الطائفة الدرزية “حكمت الهجري”، الصادر في الحادي والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر، الباب واسعاً أمام التكهنات عن انقلاب دراماتيكي في موقف أحد أهم الزعامات الدينية ضد السلطة في دمشق. وخاصةً أن هذا البيان جاء بعد عدد من المواقف، التي اتخذها “الهجري” قبل الانتخابات الرئاسية وبعدها.

“الهجري” كان حاسماً في بيانه، عندما خاطب أهالي محافظة السويداء بالقول: «لا تكونوا مجندين بيد أحد. بحجة حفظ الأمن والأمان». فهل يغامر شيخ عقل الطائفة الدرزية بخوض معركة مفتوحة مع الحكومة السورية، لا يعلم أحد كيف ستنتهي؟ أم أنه مطلع على معطيات غير معروفة، متعلّقة بمستقبل سوريا، تشجّعه على هذه الخطوة؟

سياق بيان “الهجري”

الناشط الإعلامي “حمزة المعروفي” يشرح لـ«الحل نت» خلفية بيان شيخ عقل الطائفة الدرزية، وأهم ما جاء فيه، بالقول: «على أثر ما يجري في محافظة السويداء من تعزيزات أمنية وعسكرية غير مسبوقة، بحجة فرض الأمن. ومع تولي “نمير حبيب مخلوف”، قريب بشار الأسد، منصب المحافظ، ومحاولته استخدام القوة ضد الأهالي لحل أية مشكلة مهما كانت. اشتعلت حرب غير معلنة بين الأفرع الأمنية وأذرعها من عصابات وفصائل مسلّحة في الشوارع والمؤسسات العامة. وسقط قتلى. واستُعملت أسلحة متوسطة. فما كان من الشيخ “الهجري” إلا القيام بدوره في تحذير الناس من الانجرار وراء أي طرف. وهذا ما أكده بالقول: “هناك جهات أعادت زرع الإرهاب من داخلكم، وحرمتكم لذة العيش بمقدرات وخيرات الوطن”».

وأضاف “المعروفي” أن «شيخ عقل الطائفة الدرزية شن هجومه أيضاً على الحكومة السورية، التي تعمل فقط على إذلال الناس، وفرض الضرائب والإتاوات عليهم. من خلال قوله: “القرارات الحكومية لم تكن في موقعها، ولا ناصرت تضحياتكم، ولا أدت واجبها بحمايتكم، وإعانتكم، بل عاملتكم بزيادة الجبايات، والتحصيل بكل الأسباب وأدق التفاصيل. ورفع الأسعار فجأة بلا ضرورة، إلا إذلال الناس وتحطيمهم وتركهم في العراء دون حماية. لا تدمروا بيئتكم بحجج تقصير أو فساد الدولة، ولا تقطعوا اشجاركم وتقتلوا رئة الحياة”».

وأوضح الناشط المحلي أن بيان “الهجري” انتهى بكلمات واضحة، يحذّر فيها أهالي المحافظة من الاعتماد على من يريدون الشر بالمنطقة. أو اللحاق بهم: «ربوا أبنائكم على طيب ومآثر أجدادكم. ولا تتركوهم للغرباء عن أجوائنا وعاداتنا وأصولنا. ولتكن مرجعيتكم أهلكم ومجتمعكم فقط. فلستم حلولاً لمشكلات احد، ولا حقول معارك لتحقيق مبتغى أحد. ولا مجندين بيد أحد، بحجة حفظ الأمن والأمان».

ويشدد “المعروفي” على أن «من أهم ما ورد في بيان شيخ عقل الطائفة الدرزية مخاطبة أهالي محافظة درعا. وإرسال تحية خاصة لهم. والتأكيد على الجيرة والتعاضد معهم. في محاولة لقطع طريق أي فتنة طائفية في الجنوب السوري».

نقطة التحوّل في موقف شيخ عقل الطائفة الدرزية

«ظلت العلاقة بين الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز والسلطة الحاكمة في دمشق مستقرة ووثيقة، طوال حكم الأسد الأب والابن. ولا يخفى على أحد الدعم المعنوي الذي تلقاه الأسد الابن طيلة سنوات الحرب السورية من “دارة قنوات”، مركز مشيخة العقل. حتى بعد موت الشيخ “أحمد الهجري”، أخ الشيخ “حكمت”، عام  2012 بظروف غامضة، في المشفى العام بالسويداء، نتيجة حادث سير. وانتشار الشائعات عن اغتياله». بحسب ما أدلى به الناشط الحقوقي “توفيق. س” لـ«الحل نت».

وأضاف أن «تولي “حكمت” مشيخة العقل، وتلقيه الدعم الكامل من رأس السلطة، وثّق تلك العلاقات ولم يهزها. ولكن ما جعل تلك الصورة تتغير كلياً  تلقى الشيخ “حكمت” نفسه إهانة من أحد ضباط المخابرات العسكرية. دون أي رد اعتبار، الأمر الذي كاد يقوّض الأمن في السويداء. لولا تحّمل شيخ عقل الطائفة الدرزية الإهانة، وسكوته عنها، حفاظاً على دماء المواطنين».

وأشار الناشط الحقوقي، الذي رفض نشر اسمه كاملاً، إلى أن «الشيخ “حكمت الهجري” شارك في الانتخابات الرئاسية، وأدلى بصوته. رغم أن الجميع ظن أنه آخر شخص يمكن أن يدعم تلك العملية. بعد أن أكد في أحاديثه لزواره أنه يريد التغيير، مثل جميع السوريين».

نقطة التحوّل، بحسب الناشط، كانت «تعيين المحافظ الجديد “نمير حبيب مخلوف”، الذي لم يلق مباركة شيخ عقل الطائفة الدرزية كما هو واضح. فلم يقم الشيخ “الهجري” بتهنئته على المنصب أو الاتصال به. على خلاف كثير من الزعامات الدينية والعشائرية في المحافظة. وقد أكد “الهجري” لزواره أن “المحافظ موظّف وخادم للناس. فإذا أصاب وخدم نبارك له. وإذا فشل نطالب بإراحته من منصبه. وليس دورنا الذهاب إليه، ودارنا مفتوحة”».

مقالات قد تهمك: تحركات القوات النظامية في الجنوب السوري: هل تستطيع حكومة دمشق إحكام قبضتها على السويداء؟

الشيخ “الهجري” يؤكد على موقفه وسط وفود المؤيدين

بيان شيخ عقل الطائفة الدرزية في سوريا أثار موجة من ردود الفعل. وجعل مضافته تمتلئ بالوفود، التي جاءت من مختلف أرجاء المحافظة لتسجيل موقفها المؤيد لزعيمها الروحي. والتأكيد على أن أهالي المحافظة لن يخذلوا شيخهم.
وتحدث أعضاء الوفود، بحسب معلومات حصل عليها «الحل نت»، عن «مقومات كرامة أهالي المحافظة». معتبرين أنه «في ظل الذل والجوع والتجويع لا توجد كرامة. والعصابات التي نزلت إلى الشارع في الأيام السابقة ربيبة السلطة».

وكان رد الشيخ “الهجري”، حسبما جاء في الفيديوهات المسجّلة له، أنه ثابت على موقفه. وقال، في إشارة إلى الرئيس الأسد: «اللي ما بدو يعيش الناس ببحبوحة لا بد من إصلاحه». كما تحدث عن اختراق السلطة للقانون: «إلنا ١١ سنة عم نرقّع، وحان الوقت نمشي ع ضو»، حسب تعبيره المنقول بشكل حرفي.

وجهاء درعا يناصرون بيان شيخ عقل الطائفة الدرزية

وخارج محافظة السويداء تلقف وجهاء عشائر محافظة درعا بيان شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في سوريا. وأصدروا بيانات مؤيدة ومؤازرة لـ”الهجري”.

 أحد المقربين من الشيخ “الهجري” أكد لـ«الحل نت» أن «وجهاء العشائر في درعا تواصلوا مع سماحة الشيخ “حكمت الهجري”. وأكدوا، عبر صفحاتهم على مواقع التواصل، على دور أهل السهل والجبل في تأسيس النسيج الاجتماعي السوري، الذي بقي عصياً على كل محاولات النيل من وحدته الجغرافية. ورافضاً لكل مؤامرات التقسيم، القائمة على الكراهية والإقصاء».

وفي هذا السياق كان من اللافت بيان الشيخ “ناصر الحريري”، أحد وجهاء درعا، وعضو مجلس الشعب السوري المنشق، الذي أكد أن «اختلاف الهوية العرقية والدينية والقومية كان مصدر قوة. ومضرب مثل لتماسك الهوية السورية. وترابطها المبني على الوطنية والولاء للوطن، لا لغيره».

أما في لبنان فقد غرّد وليد جنبلاط، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، على موقع “تويتر”: «مهما كانت المحنة كبيرة على الشعب السوري في الداخل وفي الشتات. إلا أن المواقف الوطنية الجامعة، كموقف الرئيس الروحي لطائفة المسلمين الموحدين، الشيخ “حكمت الهجري”، في نبذ التفرقة والفتنة بين أبناء الشعب الواحد، تبقى صمام الأمان. وتدل على أصالة أهل جبل العرب وأهل حوران».  

هل السبب هو التأييد الروسي؟

مقابل هذا انتشرت تسريبات إعلامية عن التأييد الذي تلقاه شيخ عقل الطائفة الدرزية من روسيا، عبر سفيرها في دمشق. وقائد القوات الروسية العاملة في سوريا. وهو أمر قد يكون متوقعاً، نظراً للصراع على النفوذ في الجنوب السوري بين روسيا وإيران. وموقف الشيخ “الهجري” المعارض بوضوح للنفوذ الإيراني.

إلا أن حصول شيخ عقل الموحدين الدروز في سوريا على تأييد روسي، في مواجهته شبه العلنية لحكومة دمشق، زاد من التكهنات عن تغيرات سياسية جديّة في المنطقة، بدعم من موسكو، قد تؤدي إلى الانتهاء من المحنة السورية الممتدة منذ عام 2011. وهو ما يتحدث عنه كثير من ناشطي السويداء بأمل كبير. ويبقى السؤال معلقاً حول مدى واقعية هذا التفاؤل.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات