ثروات “حيتان” الاقتصاد السوري من الشركات القابضة

ثروات “حيتان” الاقتصاد السوري من الشركات القابضة
أستمع للمادة

تظهر النظرة الأولية للمرسوم رقم 19 للعام 2015 نية حكومة دمشق نحو إحكام سيطرة شركات القابضة على ما تبقى من الاقتصاد السوري، مترافقا ًبمساعي دائمة من رجال أعمال سوريين من “فئة الحيتان وأمراء الحرب” بالتنسيق مع دمشق للاستفادة من مزايا المرسوم؛ من أجل بناء قواعد جديدة لاحتكار السوق.

وفي سبيل ذلك، اختارت الشركات القابضة التي عملت دمشق على إنشائها بالتعاون مع القطاعين العام والخاص بعد عام 2015، المشروعات الخدمية والعقارية السريعة، طمعا منها بالتهام الحصة الأكبر من كعكة إعادة الإعمار، فمعظم مشروعات “الشركات القابضة” بنيت على نهج احتكاري، ومعاملة تمييزية تسهل لها الحصول على مختلف الموافقات الحكومية اللازمة لإقامة مشروعاتها.

وفي ظل -الحالة السورية-، فضل اللاعبون الجدد في الاقتصاد اختيار الشركات القابضة دون غيرها من أنواع الشركات المساهمة والعائلية والمغفلة، بهدف الهروب من اشتراطات الشفافية والإفصاح، والتخفيف من الأعباء المالية والضريبية لاحقا.

في المرحلة التي سبقت عام 2011، كان الهدف من إنشاء الشركات القابضة السيطرة على القطاعين العام والخاص، ووضع رجال أعمال كثر تحت مظلة “كبار الحيتان، أو كبار الغيلان: إن صح التعبير، ففي 2007 تم تأسيس شركة “شام القابضة”، تلا ذلك إعلان مجموعة أخرى من رجال الإعمال عن إطلاق شركة “سوريا القابضة”، أما في 2008 فقد شهدت البلاد تأسيس أول شركة حكومية قابضة تحت اسم “الشركة السورية القطرية القابضة”، برأسمال مصرح يعادل 5 مليارات دولار أمريكية، وبهدف إقامة مشروعات سياحية وخدمية وزراعية.

لكن حكاية الشركات القابضة مع الاقتصاد السوري لم تختم فصولها، وإنما استمر مسلسلها بجزء جديد بعد عام 2011، مع إصدار المرسوم 19 لعام 2015 الذي نوهنا بدوره في إطباق قبضة الحيتان على عنق الاقتصاد.

وكان من آثار ذلك المرسوم أن الفترة الممتدة بين عامي 2016 و2018، شهدت تأسيس أكثر من 9 شركات قابضة، سيطرة على معظم شبكات الاستثمار السوري واستملت مفاتيح الاقتصاد من مشروعات وأراضي وعقارات، وخلافها.

عددها محدود جدا

لكن الباحث الاقتصادي كرم شعار، له رؤية مختلفة بعض الشيء إذ يعتقد أن الشركات القابضة لم تؤسس بواسطة حكومة دمشق، وإنما تعايش هذه الأخير معها، مشيرا إلى أن عدد الشركات القابضة في سوريا محدود جدا، ولكن مشكلة هذا النوع من الشركات تتمثل في تكوين تكتلات تسيطر على الاقتصاد، ومن ثم تقوم بابتزاز السوق.

شعار وفي حديثه لـ”الحل نت” ذكّر بأن رأس مال أي شركة قابضة هو فقط رأس المال المسجل أو المعلن لدى وزارة التجارة الداخلية، وقد لا يكون رأس مال الشركة حقيقيا.

وتابع مفسرا: “هناك شركات قابضة مرخصة رأس مالها لا يتجاوز 500 مليون ليرة، أي أقل من 150 ألف دولار، وهذا الرقم لا يكفي لتأسيس محل تجاري في مدينة حلب على سبيل المثال، إذن فالمبلغ المعلن عنه هنا في تأسيس الشركة القابضة ليس حقيقيا”.

وبحسب شعار فإن الشركات القابضة -من حيث المبدأ- تحقق مكاسب عديدة وحقيقية لأي اقتصاد، شرط أن تكون ممارسات هذه الشركات قانونية وليست احتكارية، والشركات القابضة بشكل عام لها مجموعة من المكاسب من ضمنها توزيع المخاطر بين الشركاء وتقاسم التكاليف الثابتة، فضلا عن أن هذا النوع من الشركات يفيد من ناحية الخبرات.

هذا من الناحية النظرية، أما عمليا فإن تأسيس الشركات القابضة يقوم على قاعدة احتكارية، فهذه الشركات – وفق شعار- عبارة عن مجموعة شركات أو رجال أعمال، تجمعهم الرغبة في السيطرة على قطاع معين، وكلما أحكموا هذه السيطرة زادت الأرباح التي يتقاسمونها تحت لواء شركتهم القابضة.

ولكن ما أسباب إحجام معظم رجال الأعمال عن إنشاء شركات مساهمة عامة؟، يجيب شعار: “السبب الرئيس لامتناع رجال الأعمال في سوريا عن إنشاء شركات مساهمة، يكمن في درجة الشفافية المطلوبة لإنشاء هذا النوع من الشركات الملزمة بإصدار تقارير مالية دورية توضح ملكية الشركاء وحركة رؤوس الأموال، وهذا كله يرتب أعباء مالية وضريبية، بالمقابل هذه المتطلبات غير موجودة في الشركات القابضة، وهو ما شجع رجال الأعمال على تفضيل نموذج الشركات القابضة وليس الشركات المساهمة، علما أن عدد الشركات المساهمة في سوريا ليس كبيرا، كما إن معظمها مدرج في سوق دمشق للأوراق المالية، بواقع 27 شركة تتركز في قطاعي التأمين والمصارف”.

“قابضة” وتخسر

أفرز المرسوم 19 لعام 2015، جملة من التحولات، كان من بينها إعلان محافظة دمشق أواخر 2016، عن تأسيس شركة “دمشق الشام القابضة”، وبعد أقل من 3 سنوات (في ربيع 2019) أقر مجلس مدينة حلب ولأول مرة إحداث شركة قابضة تدير أملاكه على غرار “دمشق الشام”.

وتكهن رئيس مجلس مدينة حلب بأن إحداث الشركة القابضة، سيشكل “قفزة نوعية” في إدارة أملاك المجلس الكثيرة والصالحة لاجتذاب رؤوس أموال ضخمة.

وكانت حمص قد سبقت حلب بسنتين في هذا المضمار، عندما أعلنت محافظة حمص في آذار 2017 عن إنشاء شركة قابضة، دون أن تعطي مزيدا من التفاصيل.

وعلى وجه الإجمال، فإن الشركات القابضة التي أحدثت بعد المرسوم 19 تسعى لإدارة وامتلاك الوحدات الإدارية والأراضي أو العقارات المستملكة أصلا من قبل الجهات الحكومية والبلدية، كما فعلت ذلك “دمشق الشام” عندما استثمرت المنطقة التنظيمية للمرسوم 66، إضافة إلى مشروع حي “الحمراوي”، ومشروع “ماروتا سيتي”.

وقد سبقت “شام القابضة” الجميع، عندما اتخذها رامي مخلوف بمثابة “بلدوزر” مهمته اكتساح كل ما يقف في طريقه، وهكذا حصل مخلوف عبر “شام القابضة” على تسهيلات ضخمة، جعلته يستحوذ على مشروعات كبيرة، من أهمهما فندق 5 نجوم “روتانا الياسمين” بالمزة، تطوير محطة الحجاز، فضلا عن “مشروع طارق بن زياد” في حلب.

وبخلاف ما كانت عليه “شام القابضة”، جاءت نتائج “شركة دمشق الشام القابضة” هزيلة في عامها الأول، فالشركة التي يفترض أن تدير أملاك مجلس العاصمة –على ضخامتها- لم تحقق أي أرباح في 2017، وكل ما حققته كان خسائر بمقدار 410 ملايين ليرة سورية، قبل أن تقلب الشركة الميزان بشكل لافت في عام 2018، مع أرباح تتجاوز ملياري ليرة، وهي في النهاية أرباح أقل من عادية، إذا ما قورنت بحجم أملاك الشركة وسيطرتها، وأرباح هزيلة إذا تم تحويلها إلى الدولار (نحو 4 ملايين دولار بأسعار السوق في تلك الفترة، حيث كان الدولار يعادل نحو 500 ليرة يومها).

وربما يثير هذا الأداء الضعيف لشركة “دمشق الشام” التساؤل عن حقيقة الدور الذي أنشئت من أجله، هي وما شاكلها من شركات قابضة “حكومية”، وهل هي بالفعل أداة استثمار، أم مجرد وسيلة للاستيلاء على الأراضي والممتلكات العامة، بل وحتى الخاصة؟.

امتصاص أموال إعادة الإعمار

تساؤل قد تكمن الإجابة عنه في كلام الخبير الاقتصادي عبد الرحمن أنيس، الذي يؤكد أن حكومة دمشق توجه لإنشاء الشركات القابضة بغية الاستفادة من أموال إعادة الإعمار الموعودة، ومن هنا وافقت حكومة دمشق على قانون يسمح للمجالس البلدية وغيرها من الوحدات الإدارية المحلية بتأسيس الشركات القابضة من أجل إدارة الأصول والخدمات العامة، وفي عام 2016 أُنشئت “شركة دمشق الشام القابضة” وكانت محافظة دمشق تمتلكها بالكامل.

ويشير الخبير الاقتصادي في حديثه لـ“الحل نت” إلى أن “دمشق الشام” هي المسؤولة عن تنفيذ مشروع “ماروتا سيتي” لتطوير العقارات الفاخرة، فضلا عن أنها تُسند العقود وفقا لاستثمارات الجهات الفاعلة من القطاع الخاص.

وفي نفس السياق، سنّت دمشق ما يقرب من 50 قانونا تتعلق بمسائل “الإسكان والأراضي والممتلكات”، الأمر الذي سمح لـ”الدولة” في نهاية المطاف بهدم المناطق التي كانت خارج سيطرة حكومة دمشق في السابق.

ويلفت أنيس كذلك إلى أن دمشق وضعت أيضا قوانين ومراسيم لمصادرة الممتلكات، ومنها “المرسوم 66″، الذي سمح لمحافظة دمشق بطرد السكان من منطقتين كبيرتين في العاصمة، هما منطقة بساتين الرازي في المزة ومنطقة كفرسوسة، من أجل تطوير مشروع عقاري باذخ يسمى “ماروتا سيتي”.

وقد فتح المرسوم 66 الباب أمام نهج تمويل يعتمد على قيام السلطات المحلية بتأسيس شركات استثمار بين القطاعين العام والخاص، أما المرسوم رقم 10 الذي وضع على غرار المرسوم رقم 66، فقد جاء بهدف توسيع نطاق هذه السياسات على مستوى البلاد.

ويذكّر أنيس، أن الشركتين القابضتين لمحافظة حمص ومحافظة حلب، فشلتا في بدء تنفيذ أي عملية إعادة إعمار منذ تأسيسهما (عامي 2017 و2019 على التوالي)، معتبرا أن السبب الرئيس وراء هذا الفشل إنما يعود لنقص التمويل.

ومع كل الفشل أو الأداء المتواضع، فإن هناك إصرارا على تأسيس الشركات القابضة، لأن القوانين تمنح هذا النوع من الشركات امتيازات كثيرة، منها –وفق أنيس- ولوج باب الاستثمار في مجالات متشعبة، والاستفادة من القروض المحلية والخارجية، ومزايا أخرى يمكّن بعضها تلك الشركات من الالتفاف على العقوبات الدولية، فلهذه الكيانات القابضة –مثلا- الحق في تأسيس الشركات المساهمة والمغفلة والبنوك والفنادق وغيرها.

“مخاليف” جدد؟

وأخيرا، قد تبدو دوافع ومسوغات إنشاء الشركات القابضة في سوريا؛ متعددة بين جلية وخفية، ولكن ما لا تخطئه عين أن هذه الشركات كانت وما زالت أداة مهمة من أدوات الإمساك بخناق الاقتصاد السوري، وتلزيمه لعصبة محسوبة من رجال الأعمال (انضم لهم لاحقا أثرياء حرب)، ليتضامنوا جميعا في خدمة حكومة دمشق -والدائرة الضيقة- وجباية الأموال لصالحه، بعد أن أسقطت دمشق رامي مخلوف واستعاض عنه بـ”مخاليف جدد” منهم سامر الفوز وأبناء القاطرجي وأبو علي خضر وغيرهم.

شارك المقالة ..,
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
Email this to someone
email
Print this page
Print
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول أخبار اقتصادية