شبهات فساد ورشاوى في كندا بسبب لجوء السوريين

شبهات فساد ورشاوى في كندا بسبب لجوء السوريين
أستمع للمادة

قال تحقيق صحفي نشره موقع “راديو كندا” وترجمه موقع “الحل نت” إن منظمات واستشاريي مقاطعة كيبيك الكندية، قد سهلوا هجرة الأثرياء السوريين من خلال برنامج اللاجئين الذي أعيد إطلاقه بعد أن كان مُعلقا إلى كندا.

في أوائل خريف 2016 في كنيسة “سانت أديل”، وهي على بعد ساعة بالسيارة شمال مونتريال، تم تشكيل لجنة من قبل القساوسة أندريه داوست ورونالد لابونتي مع منظمة “رعاية اللاجئين في مونتريال الكبرى”، وهي منظمة غير ربحية، لعبت في ذلك الوقت دور الوسيط بين السوريين الراغبين في القدوم إلى كندا والمنظمات التي كانت مخولة برعاية اللاجئين، وقد حاولت المنظمة المذكورة إقناع كل من داوست ولابونتي برعاية العائلات السورية الغنية.

في ذلك الوقت، وعدت كندا، من خلال جوستان ترودو، باستقبال آلاف اللاجئين السوريين الفارين من الحرب. حيث لحقت مقاطعة “كيبيك” بالركب، وسرعان ما حظي برنامج الرعاية هذا، والذي لم يكن معروفا حتى ذلك الحين، بشعبية غير مسبوقة.

لقد حقق “راديو كندا” لعدة أشهر وراء الكواليس في عملية الهجرة هذه، والتي توقفت في عام 2020 بسبب مزاعم متعددة، حيث شجب حوالي خمسة عشر مصدرا ومنظمة برنامج الرعاية هذا، بسبب وسطاء بممارساتهم المستنكرة والذين يعملون مع منظمات دينية مختلفة.

“قيل لنا أنه يمكننا كفالة مائة سوري، لكن هؤلاء الناس كان لديهم المال أصلا، ولا يحتاجون لرعايتنا. كان علينا فقط التوقيع على الأوراق”، يتذكر أندريه داوست الذي تحدث لـ “راديو كندا”.

التبرعات المقدمة مقابل الرعاية

وفي تقرير كتبه سكرتير داوست، وجد “راديو كندا” بأن هذه العائلات السورية كان لديها أصولها المالية الكافية، والتي ستودعها كأمانة، حيث يُشار إلى أن العديد من السوريين أثرياء للغاية ويمكنهم الاستثمار هنا. وإذا تم الاتفاق، يمكن لقساوسة سان لوران أيضا الحصول على تبرع بقيمة 1000 دولار للمنظمة الراعية من كل عائلة لاجئة تم قبولها في كندا، كما يشير هذا التقرير.

كما يقترح ممثلو “رعاية اللاجئين في مونتريال الكبرى” على لجنة الرعاية هذه عدم الحفاظ بالضرورة على الروابط مع اللاجئين الذين يمكنهم رعايتهم. وستجد المنظمة أشخاصا لاستقبالهم والإشراف عليهم في مونتريال. في نهاية ذلك الاجتماع مع المنظمة، رفض أندريه داوست وأعضاء لجنة الرعاية هذه المقترحات، والتي صاغها بشكل خاص بلال حميدة، مستشار الهجرة ورئيس المنظمة حينها، وكان برفقته محاميان.

“إنه لأمر جدير بالثناء رعاية الناس بوجود إمكانات مالية. لكن نحن نفضل مساعدة ضحايا الحرب”، يقول الكاهن داوست. ويضيف سكرتيره قائلا: “ما أزعجنا هو أن هؤلاء الناس لم يكونوا بحاجة إلى المال. فقد وصل هؤلاء الأشخاص ومعهم الكثير من المال، لكنهم كانوا بحاجة إلى كفيل هنا. ولم يكن هذا هو نوع الرعاية الذي أردنا القيام به! لقد أردنا حقا مساعدة العائلات الأكثر فقرا”.

منذ العام 2015، تمت رعاية 15847 سوريا وقبولهم في مقاطعة كيبيك، وفقا لأحدث البيانات التي قدمتها وزارة الهجرة والاندماج.

هؤلاء السوريون، بسبب الوضع في بلادهم، لم يكونوا بحاجة إلى الحصول على وضع اللاجئ من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. فبالنسبة لمواطني دول معينة، مثل سوريا، منحت الحكومة الفيدرالية أحيانا صفة اللاجئ بناء على مقاربة أولية، أي أنها تمنح صفة اللاجئ على أساس ظروف واضحة وموضوعية في البلد الأصلي لطالب اللجوء، بحسب وزارة الهجرة في “كيبيك”.

حظر التربح من الكفالة

هل يستطيع اللاجئ تمويل رعايته أو كفالته الخاصة؟ وهل يستطيع هو أو الوسيط تقديم تبرع لمنظمة مقابل رعاية؟ جواب حكومة “كيبيك” واضح لا لبس فيه: لا!

وفقا لأنظمة الهجرة، لا يجوز لأي شخص الاستفادة، بأي شكل من الأشكال، من التعهد المبرم لصالح مواطن أجنبي وأفراد عائلته المرافقين له، ولاسيما من خلال تحصيل الفوائد من الاستثمار، وتحصيل الرسوم أو قبول الهدية.
وتؤكد وزارة الهجرة والاندماج بأن الكفلاء فقط هم من يمكنهم توفير النفقات اللازمة، لتلبية الاحتياجات الأساسية للأشخاص المكفولين خلال السنة الأولى من توطينهم في كيبيك. ويمكن أن تصل هذه التكاليف إلى عدة عشرات الآلاف من الدولارات، وهي تختلف وفقا لعدد الأشخاص المكفولين.

ومع ذلك، فإن ثروة الأشخاص المكفولين ليست معيارا تدرسه كيبيك، حيث لا يعتبر الوضع المالي للشخص أحد العوامل التي يتم أخذها في الاعتبار، كما تقول وزارة الهجرة. فاللاجئ هو شخص موجود خارج أي بلد يحمل جنسيته أو يقيم فيه بشكل معتاد ويهرب من حرب أهلية أو نزاع مسلح، أو انتهاك جسيم لحقوق الإنسان أو أي ظرف آخر قد يكون خطيرا وله عواقب شخصية عليه.

اقتراحات جديدة مرفوضة

لقد أخبرت عدة منظمات “راديو كندا” أنه قُدم لها مقترحات مماثلة من قبل بلال حميد ومنظمة “رعاية اللاجئين في مونتريال الكبرى” في السنوات الأخيرة. فعلى سبيل المثال، في شباط/فبراير 2018، ورد أن بلال حميدة اقترح على أبرشية مونتريال تلقي تبرع بقيمة 2000 دولار على الأقل من كل عائلة مكفولة لكل كنيسة تساعد من خلال كفالة لاجئ. “لقد فعلنا ذلك بالفعل مع بعض الكنائس البروتستانتية”، كما كتب حميدة في رسالة بريد إلكتروني حصل عليها “راديو كندا”.

وبعد دعوته للرد، نفى بلال حميدة أنه أرسل مثل هذه الرسالة، مدعيا بأنه قد يكون هناك خطأ، أو تم اختراق بريده الإلكتروني أو استخدامه بدون إذن منه. وتتذكر أليساندرا سانتوبادر، المسؤولة عن رعاية اللاجئين في أبرشية مونتريال، هذا الحديث المتبادل مع حميدة، حيث تقول: “التقينا قبل أيام قليلة من هذا البريد الإلكتروني. وقد أخبرني أن جميع المستندات جاهزة للرعاية، مع المال، وقال لي: نعطيك المال، فلدينا الودائع، ولدينا عدة عائلات. فأجبته: لا، شكرا لك. لدي بالفعل جهات الاتصال الخاصة بي، وقائمة الانتظار الخاصة بي، وعائلاتي. لا نريد لاجئين أثرياء”.

واليوم، فإن مدير “رعاية اللاجئين في مونتريال الكبرى” منذ إنشائها، المحامي باتريس بليس هو رئيس هذه المنظمة. ووفقا له، كان من الضروري إجراء العديد من التصحيحات داخل منظمته. فيما لم يرغب في إعطاء المزيد من التفاصيل، لكنه قال عبر الهاتف: “إنه من الصحيح تماما أن اللاجئ لا يستطيع تحمل نفقات كفالته، أو حتى تقديم تبرع”.

ومع ذلك، تم العثور على اسم السيد بليس في رسالتين بريد إلكتروني حصل عليهما “راديو كندا” كان قد تم إرسالهما في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 إلى المنظمات الراعية في مانيتوبا وساسكاتشوان. وفي هذه الرسائل، يُقترح تبرع إضافي، قادم من “رعاية اللاجئين في مونتريال الكبرى”، بالإضافة إلى الأموال اللازمة للقيام بالكفالة.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن هذه المنظمة تمكنت بالفعل من رعاية وكفالة 420 بالغا و600 طفل قاصر بين عامي 2015 و2018. كما يشار إلى أنها ربما جمعت حوالي 10 ملايين دولار من التبرعات بين عامي 2015 و2020.

ويقول بليس، الذي ينكر علاقته بالرسائل الالكترونية المذكورة، إن هذه التبرعات تأتي من أشخاص متأثرين بوضع هؤلاء السوريين. ومع ذلك، يوضح بأنه لا يعرف على وجه اليقين أصل هذه المبالغ، والتي يمكن أن تأتي من الخارج.

السيد بليس، يدافع عن وصول هؤلاء اللاجئين إلى كيبيك، يؤكد بأن بعض اللاجئين المكفولين كانوا أغنياء للغاية، وأن هؤلاء السوريين الذين يمكنهم الآن العيش في قطر أو في الدول العربية. ويتابع قائلا: “بفضل أموالهم، يمكن لهؤلاء اللاجئين فتح أعمال تجارية في “كيبيك”. ويمكنهم تحفيز الاقتصاد والتوظيف. ويبدو لي أنهم مرشحون جيدون”.

منظمات رافضة للسياسة الاحتيالية

أفاد تقرير صادر عن قسم التحقيقات التابع لإدارة الهجرة بوجود أعمال ترهيب وتهديدات ورشوة أثناء تقديم آخر طلبات الرعاية في مونتريال في 20 كانون الثاني/يناير 2020. وفي هذا اليوم، تم اقتناص أماكن الرعاية المحدودة على أساس أسبقية الحضور.
يتخصص بعض خبراء الهجرة في جلب الأثرياء السوريين الذين يعيشون في الشرق الأوسط، حيث يعرضون الكفالة مقابل المال. وقد وافقت بعض الكنائس على ذلك، كما يؤكد ستيفان رايشولد، الذي ترأس جلسة للمنظمات التي تخدم اللاجئين والمهاجرين.

هناك العديد من الكنائس والمساجد التي نشأت منذ عام 2015 فقط للقيام بالكفالة. وقد جلب البعض مئات الأشخاص دون خبرة في هذا المجال. في ذلك الوقت، لم تكن هناك محاصصة، بحسب رايشولد.

ومستشارة الهجرة سعاد العلي، تعرف مجال الكفالة جيداً، حيث أكدت عبر الهاتف لـ”راديو كندا” أن أثرياء من دبي والكويت والمملكة العربية السعودية استفادوا من برنامج رعاية اللاجئين في السنوات الأخيرة للوصول إلى كيبيك. فقد تمكنوا من دفع تكاليف رعايتهم، كما أوضحت العلي، متحدثة عن أطباء أو مهندسين أو صائغي مجوهرات. “المحزن أن هناك أشخاصا محتاجون يعيشون في لبنان، لكن لا يمكن رعايتهم لأنهم لا يستطيعون الدفع. إنه أمر محزن حقا بالنسبة لهم”، تقول العلي.

بدوره، يقول دوري جيد، مدير الجمعية الكندية لمستشاري الهجرة المحترفين، إن الأمر كان “سرا مكشوفا”، متابعا: “إنه أمر غير أخلاقي. لا يمكنك إحضار لاجئ ثري وتقديمه على لاجئ فقير لا يستطيع الدفع. إنها مسألة أخلاق. طلبنا من الحكومة تغيير القوانين. ومن المؤكد أن الناس تخصصوا في هذا المجال، يجب أن نمنح الجميع فرصة، لكن بالتساوي”.

مخططات سيئة

لقد تم تعليق برنامج الرعاية هذا بالفعل في عام 2017 بسبب حجم كبير من الطلبات التي يتعين معالجتها، وتم إيقاف هذا البرنامج مرة أخرى في عام 2020، قبل إعادة إطلاقه في 18 الشهر الجاري. ووفقا لمعلومات “راديو كندا”، فإنه بالإضافة إلى وزارة الهجرة، فتحت وكالة خدمات الحدود الكندية أيضا تحقيقا حول هذا البرنامج.

وردا على سؤال لـ”راديو كندا”، أكد وزير الهجرة، جان بوليه، أن “برنامج الرعاية الجماعية هذا به أوجه قصور خطيرة. وقد ساهمت هذه الثغرات للأسف في استخدام مخططات احتيالية من قبل بعض المنظمات الراعية. وفي كيبيك، لا يمكننا أن نتسامح في أن يثري الناس أنفسهم على ظهور اللاجئين. بما أن النزاهة والشفافية قيمتان أساسيتان لحكومتنا، فقد قمنا بإجراء التصحيحات اللازمة”.

وقد قررت مقاطعة كيبيك بالفعل تعليق عمل 18 منظمة، بما في ذلك العديد من المنظمات التي حاولت رعاية مواطنين سوريين، لتقديمها وثائق أو معلومات كاذبة أو مضللة، وأخبرت وزارة الهجرة “راديو كندا” أن “رعاية اللاجئين في مونتريال الكبرى” هي إحدى هذه المنظمات.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول صحافة غربية