قانون الأطفال مجهولي النسب في سوريا: حل لمشكلة إنسانية أم محاولة للتغيير الديمغرافي؟

قانون الأطفال مجهولي النسب في سوريا: حل لمشكلة إنسانية أم محاولة للتغيير الديمغرافي؟
أستمع للمادة

عاد ملف قانون الأطفال مجهولي النسب ليفرض نفسه على حكومة دمشق. بعد تأجيل دام أكثر من ثلاث سنوات، على خلفية السجال الذي أحدثه في مجلس الشعب السوري. مدفوعاً كما يبدو باستفحال الظاهرة، وتزايد أعداد ضحاياها.
وبحسب “محمد سيف الدين”، وزير الشؤون الاجتماعية والعمل في حكومة دمشق، «تم تشكيل لجنة خاصة لإعداد مشروع قانون الأطفال مجهولي النسب، تضمّ وزارات عدة، منها العدل والداخلية».
وقال إن «المشروع عُرض على “مجلس الشعب” عام 2018. لكن الأخير رفضه حينها». وفيما اعتبره البعض إنكاراً للواقع أضاف الوزير أن «أعداد هؤلاء الأطفال قليلة».
ويعرّف القانون السوري مجهول النسب بأنه «كل مولود لم يثبت نسبه أو لم يُعرف والده. إضافة إلى الأطفال الذين لا يوجد معيل لهم، ولم يثبت نسبهم. ولا يملكون القدرة على السؤال عن ذويهم لصغر سنهم. والمولود من علاقة غير شرعية، وإن كانت والدته معروفة».
وفي العام 2018 فشلت حكومة دمشق في الحصول على موافقة “مجلس الشعب” على مشروع قانون الأطفال مجهولي النسب، للعمل به بدلاً من القانون الذي أُقرّ في العام 1970، وذلك بعد الجدل الذي أثارته بعض فقراته. وخصوصاً المادة 20، التي تنصّ على أنه «يُعد مجهول النسب عربياً سورياً، ما لم يثبت خلاف ذلك». ولكن تم تمرير بعض مواد المشروع.

أسباب استدعت قانون الأطفال مجهولي النسب الجديد

وعن الأسباب التي دفعت حكومة دمشق إلى الشروع بإعداد قانون الأطفال مجهولي النسب الجديد يشير المحامي “غزوان قرنفل”، رئيس “تجمع المحاميين السوريين الأحرار”، إلى «تزايد الظاهرة في كل المناطق السورية، على اختلاف الجهة المسيطرة».
ويذكر، في حديثه لـ«الحل نت»، أرقاماً أولية، تقدّر أعداد الأطفال مجهولي النسب بعشرات آلاف الأطفال، في المناطق الخارجة عن سيطرة حكومة دمشق. مشيراً إلى «غياب الأرقام التي تقدّر عدد الأطفال في مناطق سيطرة الحكومة».

ويؤكد “قرنفل” أن «القانون السوري يمنح الأطفال “الضحايا” الجنسية العربية السورية. ويسجّلون مسلمين، ما لم يتم إثبات العكس». لافتاً إلى أن «القانون يمنح الجنسية أيضاً للأطفال، الذين تعذّر عليهم اكتساب جنسية والدهم الأجنبي. حتى لو كان الوالد معلوماً. ويتم نسبهم لأبيهم. علماً بأن القانون السوري لا يمنح الجنسية السورية لأبناء السوريات المتزوجات من جنسيات أجنبية».
وبالتالي: ماذا سيضيف قانون الأطفال مجهولي النسب الجديد؟ يرد “قرنفل”: «الجواب على ذلك يعتمد على مواد القانون. ومن المبكر الحكم عليه».

معالجة ملفات “ما بعد الحرب”

مصادر لـ«الحل نت» من دمشق لمّحت إلى أن مشروع القانون الجديد سيعطي الحق للعائلة التي تتكفل الطفل بمنحه لقبها. وهو ما كان يعارضه القانون السوري، بسبب تحريم التبني دينياً. إذ كان القانون يشترط موافقة الطفل، بعد بلوغه سن الخامسة عشر على ذلك. ودون حذف خانة (مجهول الوالد) من هويته مطلقاً.
وتربط المصادر بين «توجه حكومة دمشق إلى وضع قانون الأطفال مجهولي النسب الجديد، وشروعها بمعالجة ما يسمى بملفات “ما بعد الحرب”». مبينة أن «حكومة دمشق تدرك أن هذا الملف سيكون له تداعيات كبيرة. ولذلك تحاول تشريعه وتأطيره، للانتهاء من تلك المشكلة المجتمعية».
وتشير المصادر ذاتها إلى «حسابات اقتصادية. متعلّقة برغبة حكومة دمشق بالتخلّص من الأعباء المادية الناجمة عن رعاية الأطفال مجهولي النسب».

أهداف غير معلنة من قانون الأطفال مجهولي النسب

في المقابل، يتحدث المحامي “عبد الناصر حوشان”، عضو “هيئة القانونيين السوريين” المعارضة، عن «أهداف غير معلنة لحكومة دمشق من وراء تحركها لإعداد قانون الأطفال مجهولي النسب».
ويقول لـ«الحل نت» إنه «بعد زيادة أعداد أطفال أبناء عناصر الميلشيات الأجنبية. وكذلك نتيجة انتشار ظاهرة “زواج المتعة”، ترغب حكومة دمشق بتقنين هذه الظواهر، بدفع إيراني. ويساعد هذا في تغيير تركيبة المجتمع السوري. ولو كان بنسب ضئيلة».
ويوضح “حوشان” أن «مشروع  القانون الجديد يتيح إلحاق نسب الطفل مجهول النسب بالأسرة البديلة. وبالنهاية تعالج الحكومة السورية ظاهرة انتشار اللقطاء بمنحهم الجنسية السورية. وتسهيل إمكانية تبنيهم، ما يجعلهم شركاء في الميراث. علماً بأن قانون الأحوال الشخصية الحالي لا يعطيهم الحق في ميراث أملاك الأسرة البديلة».

مخطط للتغيير الديمغرافي أم حق من حقوق الإنسان؟

حديث “حوشان” يتقاطع مع ما ذهب إليه “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، الذي اعتبر أن «حكومة دمشق تروّج في الوقت الراهن لإمكانية إعادة تفعيل قانون الأطفال مجهولي النسب، وإقراره بشكل رسمي. لمنح الجنسية السورية للأطفال مجهولي النسب، وحصولهم على أوراق ثبوتية. وهذا ما سيفتح الباب أمام حصول الأطفال، المولودين لآباء من جنسيات مختلفة، على الجنسية السورية».
ويضيف المرصد أن «مناطق سيطرة حكومة دمشق شهدت كثيراً من حالات الزواج لسوريات من مقاتلي الميلشيات المساندة للقوات النظامية. مثل الميلشيات الإيرانية. وغالبية حالات الزواج هذه لم تستمر لأسباب عديدة. مثل مقتل الزوج أو فقدانه، أو غيرها من الأسباب».

مؤكداً أن «حكومة دمشق تساهم بشكل فعلي في تغيير الطبيعة السكانية للمنطقة، بتوطينها وتجنيسها كثيراً من الأطفال من جنسيات إيرانية ولبنانية وعراقية وأفغانية وروسية. وسيتم معاملتهم باعتبارهم مواطنين سوريين، لهم جميع الصلاحيات والحقوق المدنية. في الوقت الذي تتبنى فيه حكومة دمشق مقولة إن الميلشيات، التي دخلت لسوريا لمساندتها، عبارة عن قوات صديقة. وجاءت بطلب رسمي من قبل الحكومة السورية. وستنتهي مهمتها مع انتهاء الأحداث في سوريا. لكن الحقيقة تشير إلى وجود خطة لتغيير ديمغرافية المنطقة. بعد تهجير سكانها الأصليين. وإتاحة المجال للمقاتلين للاستيطان والزواج من سوريات، وتجنيس أطفالهم. فضلاً عن الاستيلاء على الممتلكات العائدة للمُهجّرين والنازحين إلى الشمال السوري».

مقالات قد تهمك: تسجيل المواليد في إدلب: عدم الاعتراف الدولي بالمعارضة يهدد بجيل من “مكتومي القيد”

رغم كل هذه الحسابات السياسية والديمغرافية فإن المحامي “غزوان قرنفل” يشدد على ضرورة «حماية الأطفال مجهولي النسب. خاصة أن الحرب وتداعياتها زادت من أعدادهم».
ويختتم حديثه بالقول: «من حيث المبدأ لا مشكلة في قانون الأطفال مجهولي النسب. لأن يسوّي أوضاع الأطفال قانونياً، وهذا حق من حقوق الإنسان. فالطفل لا يتحمّل وزر أهله».

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات