المحاصصة الحزبية والطائفية بالعراق: “دولة عميقة” على شفير الانهيار

المحاصصة الحزبية والطائفية بالعراق: “دولة عميقة” على شفير الانهيار
أستمع للمادة

تشكّل المحاصصة الحزبية والطائفية في العراق أحد أسس النظام السياسي في البلاد، منذ سقوط النظام السابق عام 2003. ما يعتبره كثير من المحللين تحدياً حقيقياً أمام البرامج السياسية، التي قد تسعى أية حكومة عراقية لتنفيذها. بسبب إصرار قادة الكتل والأحزاب والفصائل المسلّحة على حصتهم من المناصب والامتيازات داخل المؤسسات الحكومية.

وكثيراً ما تعتبر المحاصصة الحزبية والسياسية في العراق سبباً لإقصاء وتهجير كثير من العقول والكفاءات. وللصراعات الداخلية بين المسؤولين وموظفي المؤسسات الحكومة المختلفة. ما دفع كثيراً من الناشطين في الشأن العام، خاصة الذين شاركوا في انتفاضة تشرين، إلى النظر إلى الأحزاب المسيطرة، المنتفعة من المحاصصة، بوصفها تهديداً للهوية الوطنية في جميع مجالات الحياة. لأنها تقدّم هوياتها الفئوية، وتحالفاتها العصبية أو الطائفية أو القومية، على المصلحة العامة في مؤسسات الدولة.

المحاصصة الحزبية والطائفية ثقافة راسخة في العراق

«ثقافة وأسلوب المحاصصة الحزبية والطائفية في العراق. ومنطق “تقاسم الكعكة” مهما كانت صغيرة، هو النهج السائد في معظم مؤسسات البلاد». بحسب إفادة “محمد الكناني” لموقع «الحل نت». وهو موظف على الملاك الدائم لإحدى الوزارات العراقية.

ويتابع “الكناني”: «إن تسلّم أي وزير جديد لمنصب حكومي يعني انشغاله، في الشهر الأول من العمل، بإرضاء الأطراف المتنفّذة في الحكومة والبرلمان. من أحزاب وكتل سياسية، فجميع تلك الجهات لديها من يمثّلها في الوزارات والهيئات والدوائر. وتمتلك القدرة على الوصول إلى جميع الوزارات لتثبيت حصصها».

مبيناً أن «هناك دوائر داخل الوزارة الواحدة أكثر تأثيراً من غيرها. ويدور حولها صراع كبير بين الأحزاب المتنفّذة. فالدائرة التي تهتم بالاستثمار والعقود والأمور المالية، ليست كتلك التي تهتم بالشأن التدريبي والمجتمعي».  

ويخلص “الكناني” للقول: «المحاصصة الحزبية والطائفية في العراق تصل حتى إلى مسائل الإيفاد إلى الخارج. ومن يحق لهم السفر والاستئثار بالبعثات المدرّة للأرباح. وهذا المنهج قد خرج عن نطاق السيطرة، بعد ان استطاع ممثلو الاحزاب والكتل السياسية التغلغل إلى أبعد نقاط صنع القرار في المؤسسات العراقية. وبالتالي فان العلاج لن يكون إلا بالبتر. أي القضاء على مبدأ المحاصصة من أساسه».

كيف تنشأ “الدولة العميقة” في العراق عبر المحاصصة الحزبية والطائفية

“أوس كامل”، اسم مستعار لمدير احدى الشعب في وزارة الشباب والرياضة العراقية، رفض الكشف عن اسمه الحقيقي خوفاً من خسارة وظيفته، ويقول لـ«الحل نت»: «الأحزاب السياسية في العراق وضعت معيار عمل. تتحكم من خلاله بالمؤسسات المختلفة. وهذا المعيار لايعتمد على كفاءة أعضاء الحزب أو المقرّبين منهم. وإنما تفضيلهم لأسباب أيديولوجية وطائفية. أو ما يمكن أن نسميه “حق الامتياز”. وهو أيضاً متفاوت بين شخص وآخر، حتى في صفوف الحزب الواحد. وذلك بحسب مكانته الحزبية، وولائه وطاعته في تنفيذ الأوامر، والالتزام بسياسة هذه المؤسسة الحزبية أو تلك. وبكل الأحوال لن يفكر مرشحو المحاصصة الحزبية والطائفية بمصلحة العراق، بل فقط بإظهار الولاء لمحيطهم الحزبي».  

مبيناً أن «المشكلة الحقيقية لدينا أن الاحزاب والفصائل المسلّحة تصرّ على الهويات المناطقية والطبقية والعشائرية والعقائدية، على حساب الهوية الوطنية. وهذا يعدّ تقطيعاً للأواصر المجتمعية. وبالتالي إضعافاً الدولة وقانونها. فكثير من الوزارات والمؤسسات تقع حالياً تحت سلطة الأحزاب السياسية. التي تشكل فعلياً ما يعرف بـ”الدولة العميقة” في العراق».

هيمنة الفصائل المسلّحة على الدولة عبر المحاصصة

من جهته يرى “أيمن العنبر”، المحلل والمختص بالشأن السياسي أن «المحاصصة الحزبية والطائفية في العراق انعكست سلباً على المجتمع والاقتصاد. فأي منصب يمكن أن يشغله موظف في دوائر الوزارات العراقية يُبنى على الانتماء السياسي. وهذا ما أضعف القانون والنظام داخل المؤسسات. وخلّف الفساد الامالي والإداري. لأن كثيراً من المؤسسات الحكومية تقع تحت سلطة الفصائل المسلّحة غير النظامية، الخارجة عن سلطة الدولة. أو تحت سيطرة مكاتبها الاقتصادية. وتفرض تلك الفصائل سلطتها عند تقاسم المشاريع والمقاولات والموازنات. وبالأخص في المؤسسات الاستثمارية، ذات العقود المالية العملاقة».

مختتماً حديثه بالقول: «الجميع يعلم، بما في ذلك الحكومة العراقية نفسها، بفساد المحاصصة الحزبية والطائفية في العراق. ولكن لا توجد جهة حتى الآن قادرة على تصحيح المسار. أمام هيمنة الأحزاب السياسية والفصائل المسلحة. وهذا ما شجّع تلك الجهات على فعل ما تشاء في كافة الدوائر. دون خوف أو تردد».

النواب المستقلون ضد المحاصصة

وأمام هذا الوضع المتردي نتيجة المحاصصة الحزبية والطائفية في العراق، ما دور القوى السياسية الجديدة، التي انبثقت عن انتفاضة تشرين، والتي حصلت على عدد من المقاعد في البرلمان العراقي الجديد؟

“حركة امتداد”، التي تمثّل الانتفاضة في مجلس النواب العراقي، أبدت موقفاً حازماً بشأن المحاصصة. اذ بيّنت رغبتها بمراقبة العمل الوزاري في جميع المؤسسات الحكومية في المرحلة المقبلة.

مقالات قد تهمك: الصابئة المندائية في العراق: أقلية اضطهدها التطرّف الإسلامي ولم تنصفها المحاصصة الطائفية

“داود العيدان”، مرشح الحركة الفائز بالانتخابات النيابية، أكد لـ«الحل نت» أن “امتداد” «تقف ضد توزيع المناصب حسب المحاصصة والمحسوبية. وستراقب عمل الوزارات والمدراء العامين. وتحاسب من سيخفق في أداء مهامه. بغض النظر عن الجهة التي ينتمي لها».

مبيناً أن «عمل النائب الحقيقي يكمن في الأداء الرقابي، وكشف ملفات الفساد. ولذلك فإن الوقوف ضد نظام المحاصصة الطائفية والحزبية في العراق. بما يؤدي إليه من تبادل المنافع على حساب المصلحة العامة، هو من أهم ما سيسعى إليه النواب المستقلون في المرحلة المقبلة».

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات