اللاجئون السوريون في مصر: من العمل السياسي إلى الهجرة المعاكسة وطلب “إعادة التوطين”

اللاجئون السوريون في مصر: من العمل السياسي إلى الهجرة المعاكسة وطلب “إعادة التوطين”
أستمع للمادة

تواجد اللاجئون السوريون في مصر منذ بداية العام 2012، الذي كان بداية لسلسلة من موجات النزوح والهجرات الجماعية السورية. وكانت ظروف اللجوء في مصر مواتية، بل ومثالية، بالنسبة للسوريين. نظراً للروابط التاريخية العابرة للحدود بين السوريين والمصريين. إضافة إلى التأييد الشعبي والرسمي آنذاك للاحتجاجات السورية.  

إلا أن تبعات السياسية الداخلية المصرية أثرّت بشدة على السوريين. فقد كان اللاجئون السوريون في مصر في قلب الأحداث إبان نهاية عهد الرئيس المصري السابق محمد مرسي. بعد أن وضعوا تحت مجهر الإعلام المضاد لجماعة الإخوان المسلمين. وتم ربطهم بها بشكل أو بآخر. وذلك بسبب بعض الميزات، التي تمتع بها السوريون في حقبة حكم الإخوان القصيرة. مثل إعفاء الطلاب السوريين من دفع الرسوم في الجامعات. وتسهيل أمور الإقامات. وبعد انقلاب الثلاثين من حزيران/يونيو في مصر دفع السوريون بشكل جزئي ثمن المتغيرات على صعيد الحياة السياسية والاجتماعية في مصر. فانتهى شهر العسل الطويل الذي عاشوه هناك، وبدأت هجرة معاكسة نحو تركيا والخليج العربي وأوروبا.  

ومع ابتعاد القاهرة عن مجريات الأزمة السورية، بعد أن كانت حاضنة سياسية للمعارضة السورية بالتقاسم مع إسطنبول، تحوّل الشأن السوري في مصر إلى شأن اجتماعي، لم يسلم أيضاً من بعض التغيّرات، التي تحكمها طول فترة الإقامة والتداخل بين المجتمعين المصري والسوري. وأيضاً تغيّرات السياسة الإقليمية، وانعكاساتها على حياة السوريين هناك. وما بين الأمس واليوم اختلفت أمور عدة. لكن تبقى مصر مكاناً ذي معنى خاص، يجد فيه السوريون ميزات قد لا تتوفر في أي مكان آخر في العالم.  

اللاجئون السوريون في مصر وإغلاق باب العمل السياسي

تقلّص العمل السياسي السوري المعارض، الذي كان يقوم به اللاجئون السوريون في مصر، لدرجة أنه كاد أن يختفي تماماً. باستثناء بعض المبادرات، التي تصدر عن “منصة القاهرة”. وتلاشت منذ العام 2014 أي مظاهر داعمة للثورة أو المعارضة السورية. مثل الفعاليات الشعبية والوقفات والندوات.

 السيدة “سعاد خبية”، الصحفية السورية المعارضة المقيمة في مصر، تفسّر هذا بالقول: «لا يعاني اللاجئون السوريون في مصر من تضييقات مباشرة على حرية الكتابة أو إبداء الرأي. لكن الموقف العام تغيّر منذ سنين. فلم تعد هناك كما السابق ملامح لأجسام أو أنشطة سياسية في مصر. وهذا يعطي انطباعاً أن التعبيرات السياسية للمعارضة السورية لم يعد مرغوباً بها من قبل الحكومة المصرية»

من ناحية أخرى لا ترى السيدة “خبية”، في حديثها لـ«الحل نت»، أن «”منصة القاهرة” تحتكر بتوجيهات فوقية العمل السياسي السوري المعارض في مصر. ولا يوجد طرف مصري فرض حصر العمل السياسي بتلك المنصة وحدها. وأعضاؤها موجودون، ولهم اتصالاتهم منذ فترة التأسيس مع الحكومة المصرية، إلا أنهم مغلقون على أنفسهم. فليس هنالك مجال أو دعوات لشخصيات سورية أخرى للانضمام».

مضيفةً: «لا توجد أنشطة سياسية، أو أي أنشطة عامة عموماً، يقوم بها اللاجئون السوريون في مصر. باستثناء بعض الجمعيات أو المؤسسات العاملة في المجال الإغاثي».

و ترى “خبية” أن «العمل السياسي له ضرورة. ونتائج إيجابية على الجميع. ومن المفيد أن يُفتح باب ممارسة النشاط السياسي للمعارضة السورية في مصر. وذلك فيه فائدة ومكاسب للطرفين، المعارضة السورية والدولة المصرية، على المستوى السياسي العام. كانت القاهرة نقطة التقاء عديد السوريين المعارضين. وضمت النقاشات اليومية والمنتديات، التي شكّلت منبراً وطنياً موازياً للسوريين في الخارج. وكان عديد من  تلك الأنشطة جسر تواصل بين السوريين أنفسهم. وبينهم وبين المجتمع المصري».  

الجانب الاجتماعي طغى على السياسي في حياة اللاجئين السوريين في مصر

وتعقّب “سعاد خبية” على العلاقة التي يبنيها اللاجئون السوريون في مصر مع محيطهم بالقول: «ما تزال هناك حالة واسعة من الأريحية بين المصريين والسوريين. وأيضاً حالة إعجاب بالعمل السوري. فسوق العمل السوري بات واسعاً في مصر. ويقدّم إضافات اقتصادية مهمة. وتكاد الحياة الاجتماعية للسوريين تخلو من أي ممارسات عنصرية ضمن هذا السياق».

ولدى سؤالها عن بعض الأصوات المصرية، التي تحمّل السوريين مسؤولية بعض الأزمات المعيشية، أجابت: «خرجت بعض الأصوات منذ فترة، وهي حملات قد تكون مدفوعة من جهات ما. تتحدث عن وجود السوريين وتنتقده، وتنادي بالعمل على إعادتهم. لكن الرد جاء أولاً وبشكل أكبر من قبل المصريين أنفسهم. بالتالي لم تجد هذه الأصوات أو الممارسات صدى لدى الشارع المصري».

وفي هذا السياق يقول الناشط السوري المعارض “معاذ الشامي” لموقع «الحل نت»: «حاولت شرائح معينة اللعب على وتر التفرقة بين السوريين والمصريين. لكن هناك حالة وعي ومحبة موجودة بين الشعبين. اللاجئون السوريون في مصر، من جهة أخرى، صاروا مثالاً للعمل الجاد. وهم ليسوا عبئاً على أحد. ولذلك لا تنجح مثل تلك المحاولات في خلق حالة صدامية».

ويبدو أن التضييقات على العمل السياسي السوري. وترك عديد من السوريين المعارضين لمصر، أدى إلى إعادة خلق أُطر العلاقات بين السوريين والمصريين. لتقوم على أساس الحياة اليومية والاقتصادية بشكل رئيسي. وقد تشكّلت مجتمعات سورية جديدة موازية في مناطق مختلفة من المدن المصرية، باتت تحمل طابعاً سورياً خالصاً، مثل “مدينة 6 أكتوبر”، أو بعض الأحياء في “مدينة نصر” بالقاهرة.

“سعاد خبية” تبيّن أن «السوريين باتوا الآن يبنون أواصرهم في مصر بوصفهم جالية مستقرة. بعيداً عن العوامل السياسية. على خلاف ما كان سائداً في السابق. وأيضاً لديهم هواجس معيشية في المقام الأول، ولا يتعاطون في الشأن السياسي مطلقاً. وبهذا ينسج اللاجئون السوريون في مصر علاقات اجتماعية بحتة لا تُعنى بالسياسة».  

السعي للهجرة خارج مصر

دفعت هذه المتغيرات “الحادة” بعض السوريين إلى التفكير بالهجرة. خاصة أولئك الذين كانوا قد قدموا إلى مصر في السنين الأولى من الاحتجاجات السورية. وفي هذا السياق يقول “باسل ميداني”، وهو شاب سوري يعيش في مصر منذ العام 2012، ويعمل بالتجارة: «لم يعد الحال كما كان عليه منذ سنوات. فكل شيء تغّير. في البداية كانت مصر بمثابة بلد ثانٍ لنا. أما الآن فالظروف المعيشية والأجواء الاجتماعية باتت أصعب. وكذلك تغيّر اللاجئون السوريون في مصر أنفسهم».

ويتابع “الميداني” في حديثه لـ«الحل نت»: «أدت حالة الاستقرار، الذي يعيشه اللاجئون السوريون في مصر، إلى غياب التكافل الذي ساد بينهم في البدايات. وبتنا نرى الآن حالات من الاستغلال  بين السوريين أنفسهم. لم تكن موجودة فيما مضى. مع ارتفاع حالة البرود الاجتماعي بين أفراد الجالية السورية.  ما دفع  عديداً من العوائل للسعي الهجرة، عن طريق مفوضية اللاجئين في مصر».

ويبلغ عدد السوريين المسجلين بوصفهم لاجئين في مصر مئةً وتسعة وعشرين ألف لاجئ، بحسب أرقام مفوضية اللاجئين. وبحسب أرقام حكومية تواجد في عام 2020 حوالي نصف مليون سوري على الأراضي المصرية.

اللاجئون السوريون في مصر وسط معركة “إعادة التوطين”

لا تخلو عمليات الفرز والتقييم، المتعلّقة بطلبات الهجرة، التي يقدمها اللاجئون السورين في مصر لمفوضية اللاجئين، من بعض الشوائب المهنية. من حيث إعداد الملفات، وأيضاً من قبل طالبي اللجوء أنفسهم، الذين يتلاعب بعضهم بمصداقية المعلومات المقدّمة. أملاً في الحصول على الأولوية في سلم الملفات.

وفي هذا الشأن يقول السيد “أحمد خطاب”، الذي كان منسقاً في إحدى المنظمات العاملة مع المفوضية السامية للاجئين: «بالعموم لا أستطبع القول إنني رأيت تجاوزاً صارخاً خلال عملي في هذا المجال، والذي امتد لست سنوات كاملة. لكن يبقى هناك دائماً مجال للتلاعب. من خلال تزكية ملفات على حساب أخرى. في المقابل بعض طالبي اللجوء يزوّر أوراقاً، من شأنها دعم ملف هجرته من مصر لدى المفوضية».

ويضيف “خطاب”، في حديثه لـ«الحل نت»، أن «الشروط المتعلقة بإعادة التوطين خارج مصر صعبة. ومخصصة للحالات الحرجة للغاية. مثل الحالات المرضية الخطيرة. أو حالة العوائل المعدمة مالياً، والتي لا تملك أي مورد اقتصادي. ومع انتشار جائحة كورونا ازدادت الأمور صعوبة. خاصة مع ازدياد الأعداد المُسجّلة لدى المفوضية، المرافق لتوافد موجات القادمين الجدد».

مقالات قد تهمك: المقداد يزور الصناعيين السوريين في مصر أملاً بإعادتهم لسوريا!

مختتماً حديثه بالقول: «فتحت عملية طلب إعادة التوطين باباً لتكوين علاقة مصلحية جديدة في صفوف الجالية السورية في مصر. ما أثّر على  علاقة أفرادها فيما بينهم. وهذه العلاقات المصلحية كانت غائبة في البدايات. حين لم يكن لمسمى اللجوء حضور وسط السوريين. ما يشير إلى التغيير الكبير الذي طرأ، وتبدّل أساليب الحياة، التي يعيشها اللاجئون السوريون في مصر عموماً».

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات