القطاع الزراعي في العراق: هل يؤدي التغيير المناخي إلى موجة نزوح جديدة في البلاد؟

القطاع الزراعي في العراق: هل يؤدي التغيير المناخي إلى موجة نزوح جديدة في البلاد؟
أستمع للمادة

يبدو أن القطاع الزراعي في العراق يواجه أزمات خطيرة. دفعت محمد الخفاجي، وزير الزراعة العراقي، إلى الظهور أمام شاشات التلفاز، والتحدث علانية وأمام الرأي العام، بأن “العراق يواجه خطرا حقيقيا، ينذر بهجرة جماعية من الريف إلى المدن، بسبب القحط الذي يضربه”

الجدير بالذكر أن القطاع الزراعي في العراق توقف عن التطور منذ ثمانينات القرن الماضي. فلم يشهد أي مواكبة للتكنولوجيا الحديثة، فيما يخص تبني واستخدام أنواع البذور التي تدر محصولاً كبيراً، ومبيدات الحشرات والأعشاب الحديثة، والتشكيلة الكاملة من الممارسات الزراعية المحسنة (الحرث والغرس والري واستخدام الأسمدة). والأسباب عديدة، منها دخول العراق في حروب مهلكة. والأزمات الاقتصادية المتتالية التي ضربته.

معلومات صادمة من وزير الزراعة

“مساحات زراعية كبيرة خرجت من الخطة الحكومية خلال العام الماضي، والريف العراقي يشهد هجرة عكسية”. هذا ما صارح به الوزير الخفاجي الشعب العراقي، قائلاً إن “نحو 90% من مناطق ديالى (الشهيرة بانتاجها الوفير للحمضيات سابقا)، خرجت من الخطة الزراعية. وتوجد محاولات لإنقاذ بساتين المحافظة، التي تقدر مساحتها بمئة ألف دونم، عبر حفر الآبار”.

إما نينوى، ثاني أكبر محافظات العراق، فقد شهدت هي الأخرى هجرة فلاحية بسبب الجفاف. بعد أن تمكنت من زراعة ستة ملايين دونم في العام 2020. لكن هذا الأمر لم يدم طويلاً، فقد تراجع هذا الرقم إلى ثلاثمئة ألف دونم فقط في العام 2021. بحسب ما أفصح عنه وزير الزراعة العراقي.

وتساءل الخفاجي: “بعد هذا، أين سيتجه المزارعون. سيهجرون القرى والأرياف ويتجهون إلى المدينة للبحث عن العمل، ويتسببون بالعشوائية”، معربا عن “خجله من الظهور إعلاميا بسبب المخصصات المالية المستحقة لوزارته، والتي يتم عرقلتها دون معرفة الأسباب”. حسب تعبيره

وكشفت دراسة أجرتها المنظمة الدولية للهجرة، بدعم من وزارة الخارجية الأميركية- مكتب السكان واللاجئين والهجرة، حقائق عن القطاع الزراعي في العراق. والهجرة في مدن جنوب البلاد.

 وذكرت الدراسة أن “التدهور البيئي، على مدى السنوات العشر الماضية، أدى إلى إلحاق أضرار بالغة بالقطاع الزراعي في العراق. وتفاقم ندرة المياه. ما يجعل الزراعة عاجزة عن توفير سبل العيش الكافية والمستدامة، لا سيما في المناطق الريفية”.

وبحسب المنظمة الدولية فإن “عواقب التحديات المناخية التي تواجهها البلاد، لا سيما تلك المتعلقة بندرة المياه، لها آثار بعيدة المدى وعاجلة. وتتطلب اتخاذ إجراءات منسقة، لتخفيف الاحتياجات، وتجنب مزيد من النزوح، ومنع تفاقم المشاكل الاجتماعية القائمة”.

ضرورة تغيير القوانين لإنقاذ القطاع الزراعي في العراق

“القطاع الزراعي في العراق محطم، ويحتاج إلى سن قوانين جديدة لإنقاذه والنهوض به مجددا”. هذا ما يعتقده حسين التميمي، رئيس اتحاد الجمعيات الفلاحية في العراق. الذي اقترح، في حديثه لـ”الحل نت”، “دمج وزارتي الموارد المائية والزراعة بوزارة واحدة. للتخلص من الروتين القاتل. والتمكن من رسم خطة معدة من وزارة واحدة، تستطيع إنهاء احتضار الزراعة في البلاد”.

المؤشرات الحالية مقلقة جداً بالنسبة للتميمي. لا سيما وأنها تنذر بتحجيم الزراعة في العراق، وهجرة الفلاحيين من الأراضي الزراعية، والتوجه صوب المدن. إلا أنه يرى إمكانية “مواجهة هذه التهديدات بوضع خطط إستراتيجية. تتمثل بتوفير الاحتياجات الحقيقية للمزارعين. مع إنشاء مصرف زراعي. على غرار ما كان معمولا به في العقود السابقة”.

مقالات قد تهمك: “لُؤلُؤة الصحراء”.. بُحيرَة “ساوَة” العراقية قد تزول!

التصحر القاتل للقطاع الزراعي

وبحسب توقعات المختصين فإن العراق اقترب من المرحلة الثالثة من التصحر، والتي تعتبر “المرحلة الأشد، التي قد يؤدي الوصول إليها لكوارث كبيرة. منها ارتفاع درجات الحرارة. وعندها يصبح من الصعب إيقاف تدهور القطاع الزراعي في العراق. وستحتاج المعالجات إلى مبالغ خيالية”. بحسب تحسين الخفاجي، الخبير الزراعي والمائي.

ويضيف خفاجي في حديثه لـ”الحل نت”: “الجميع لا يُدرك حجم الخطورة التي ستواجه العراق في السنين المقبلة. وبلاد الرافدين قد تخلّف موروثا صعبا للأجيال التي ستأتي لاحقاً”.

وإلى جانب شح الأمطار، يواجه العراق مشكلة الهيمنة التركية والإيرانية على مياه دجلة والفرات.  واصرارهما على التلاعب بكميات الإطلاقات المائية الواردة للعراق. فالسدود والخزانات في العراق تستوعب نحو مئة وستين مليار متر مكعب من المياه. والإيرادات الحالية من تركيا وإيران تصل في ذروتها إلى خمسة وثلاثين مليار متر مكعب على نهري دجلة والفرات.

“هذه الانتهاكات لن تشفع للعراق لدى المجتمع الدولي، ولن ينصفه الحكام في المنظمات الأممية. لعدم امتلاكه سياسة مائية صحيحة، ولا منظومة ري حديثة، متمثلة بمنظومات التنقيط”. بحسب رأي الخبير المائي.

كما أكد الخفاجي أن “الأراضي الصالحة للزراعة في العراق تقدّر بنحو أربعين مليون دونم. وما يزرع الآن من هذه المساحة مليونان فقط. ناهيك عن أن 70% من الشعب يعتاش على القطاع الزراعي في العراق”. متحديا، في الوقت نفسه، أن “تقوم وزارة الموارد المائية بالكشف عن الرقم الحقيقي للخزين المائي لديها”، والذي وصفه بـ”المخيف”.

وبحسب تقرير للأمم المتحدة، استعرض الخفاجي جزءا منه، فإن “علامات التصحر أصبحت واضحة على العراق. فقد ارتفعت منذ العام 2020 العواصف الترابية، من خمس عشرة عاصفة الى ثلاثمئة عاصفة سنويا. وهذا سيؤثر كذلك على دول الجوار”.

وعن الحلول لمشاكل القطاع الزراعي في العراق يؤكد الخبير المائي والزراعي “أهمية تطوير وسائل الري. ووضع دراسة للتعامل مع الإيرادات المائية الداخلية، التي تشكل نسبة 30% من مجموع المياه الواصلة إلى العراق. إضافة للقيام بتحلية مياه البحر. واستخدام المياه الجوفية بشكل أَمثل. وتطوير بذور تتحمل درجات حرارة عالية”.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير