بينما وجه البعض أصابع الاتهام إلى التجار، ووجه آخرون أصابع الاتهام إلى المؤسسات الحكومية، وقد يكون هذا صحيحا لعدة أسباب وأبرزها عدم قدرتها على محاربة المحتكرين، إلا أن الأمر ومن وجهة نظر المحللين الاقتصاديين يوضح مدى تعرض الاقتصاد في سوريا لـ”الانكشاف الخارجي”، والذي تسببت به التأثيرات الناجمة عن الحرب وأضرارها الكارثية.
فبعد ساعات قليلة فقط من إعلان موسكو بدء قواتها عملية عسكرية خاصة في أوكرانيا، ارتفعت أسعار السلع والمواد تدريجيا في الأسواق السورية. فيما بعد تطور الأمر إلى نقص الكميات في بعض السلع الأساسية وخاصة الزيوت النباتية.
أوكرانيا برئية من رفع الأسعار
للأزمة الأوكرانية تأثيران رئيسيان على الاقتصاد السوري: أولا، قد يتأثر حجم التجارة بين البلدين بالعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، أو برد فعل أوكرانيا على دعم سوريا لموسكو.
في عام 2019، ارتفعت قيمة الواردات السورية من أوكرانيا من نحو 162 مليون دولار إلى نحو 186.8 مليون دولار، بحسب إحصائيات رسمية من العاصمة السورية دمشق. ومع ذلك، في عام 2018، بلغت قيمة الواردات السورية 2.3 بالمئة فقط من إجمالي واردات البلاد.
وشكلت واردات السلع المصنعة 49 بالمائة من إجمالي الواردات من أوكرانيا في عام 2018. تليها المواد الخام (باستثناء الوقود) بنسبة 26.7 بالمائة والمواد الغذائية بنسبة 19.8 بالمائة. مما يكشف عن سبب هذا الارتفاع في بلد يعاني من عواقب تدمير قاعدته الإنتاجية والعقوبات الاقتصادية الغربية.
كما إن صادرات سوريا إلى أوكرانيا لا تمثل سوى 0.14 بالمائة من إجمالي صادرات سوريا لعام 2019 إلى بقية الدول الأخرى.
ولهذا السبب، يرى المحلل الاقتصادي، أدهم محاميد، من غير المرجح أن تتعطل أو تتأثر التجارة بين سوريا وأوكرانيا نتيجة للأزمة الأوكرانية. وستكون محصورة بالسلع والبضائع المستوردة من قبل دمشق. حيث أن الحل باستبدال السلع والبضائع التي تستوردها دمشق بسرعة وبشكل مناسب من دول أخرى. مما يحد من التأثير على الأسواق المحلية.
قد يهمك: ارتفاع جنوني بأسعار الزيت والسمن في أسواق دير الزور.. ما السبب؟
مأزق معقد للسوريين
وبالنسبة للعنصر الثاني، يقول المحاميد في حديثه لـ”الحل نت”، إن للصراع الأوكراني تأثير مباشر على النشاط الاقتصادي العالمي، بما في ذلك أنشطة الشحن والتأمين، وأسعار السلع الأساسية، بما في ذلك النفط والغاز، وكذلك المحاصيل الغذائية.
ويشير المحاميد، والذي يعمل عضوا لدى غرفة تجارة درعا، أن الغزو العسكري الروسي أدى إلى ارتفاع أسعار معظم السلع والخدمات في جميع أنحاء العالم. وهذا يعني أن التجارة السورية مع البلدان الأخرى سوف تتأثر من حيث زيادة تكاليف الاستيراد والتصدير في المستقبل.
وسترتفع تكلفة الواردات من سوريا نتيجة العقوبات على دمشق. ولكن حتى الآن، يبدو التأثير الاقتصادي للأزمة الأوكرانية على سوريا حتميا وبشكل غير المنظور له من قبل التجار المحللين. نظرا لتأثير تداعيات هذه الأزمة على جميع الاقتصادات في جميع أنحاء العالم.
إن مأزق السوريين معقد بسبب درجة تعرض اقتصادهم لمجموعة واسعة من المخاطر على مدى فترة طويلة من الزمن. كما يتضح من النقاط التالية: حيث يتم الآن استيراد النفط والقمح، اللذين اعتادت الأمة على إنتاجهما وتصديرهما بكميات كبيرة بما يكفي. لأن البلاد لم تعد قادرة على إنتاجهما.
وتتكون غالبية فاتورة الواردات في البلاد من النفط والقمح، اللذين يمثلان معا أكثر من 250 مليون دولار من الواردات الشهرية. وتشير أرقام رسمية إلى أن 11 بالمئة من واردات القطاع الخاص السوري عام 2020 ستكون زراعية، و60 بالمئة صناعية. ويأتي ذلك في وقت تشهد الحكومة انخفاضا حادا في أرباحها بسبب عوامل داخلية وخارجية.
وليس فقط قيمة الواردات هي التي تشكل تهديدا لأمن البلاد. إذ أصبح الاقتصاد السوري وخزينة الدولة رهينة الآن لتغيرات داخلية على مستوى سعر الصرف والتضخم والسياسات الاقتصادية والخارجية الضعيفة. ومن حيث الأزمات التي تؤثر على الأسواق العالمية، من أزمة الطاقة إلى أزمة الغذاء المقبلة التي كانت سابقا. وكل ذلك سببه الانكشاف الخارجي أو الاعتماد على الخارج في سوريا.
للقراءة أو الاستماع: “الزيوت تغلي” مع استمرار ارتفاع أسعارها في سوريا
الأزمة مستمرة بسبب الانكشاف الخارجي
وفي مثل هذه الحالة، يعتقد المحاميد، أنه سوف تتفاقم محنة سوريا بسبب الأزمات الداخلية والخارجية، بغض النظر عن مدى ارتباط سوريا بكل منهما. على سبيل المثال، قد لا يكون ارتفاع تكاليف الشحن في جميع أنحاء العالم واضحا مقارنة بالدول الأخرى، لكن عواقبه على حياة السكان السوريين واضحة.
وما يؤكد نظرية الانكشاف الخارجي في سوريا، هو إفادة لجنة محققي الأمم المتحدة، أن سوريا تواجه كارثة اقتصادية وإنسانية من المرجح أن تتفاقم مع تأثير الحرب في أوكرانيا والعقوبات المفروضة على روسيا.
وتراقب لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سوريا أوضاع حقوق الإنسان في سوريا منذ اندلاع النزاع هناك قبل أكثر من 10 سنوات. وفي تقريرها الأخير، وصفت اللجنة المكونة من ثلاثة أعضاء الظروف بأنها وصلت إلى مستويات جديدة من المشقة.
فاليوم ووفقا للجنة، فإن معدل الفقر في سوريا غير مسبوق ووصل إلى 90 بالمئة. ويعتمد 14.6 مليون شخص في سوريا على المساعدات الإنسانية، وفقدت الليرة السورية 80 بالمئة من قيمتها. وارتفعت أسعار المواد الغذائية بأكثر من 200 بالمئة.
وفي ظل عجزها عن ضبط أسعار المواد الأساسية في الأسواق السورية، وتوفير احتياجات الأهالي من المواد، تواصل الحكومة السورية إطلاق الوعود بتحسين الأوضاع الاقتصادية، في تصريحات يصفها سوريون بأنها “بعيدة كل البعد عن الواقع”.
للقراءة أو الاستماع: ارتفاع أسعار الأرز وانقطاع الزيت النباتي والمتة في مناطق الساحل السوري

