الجالية السورية في أوكرانيا: هل تخلى الجميع عن السوريين وسط الأزمات للمرة الثانية؟

الجالية السورية في أوكرانيا: هل تخلى الجميع عن السوريين وسط الأزمات للمرة الثانية؟
أستمع للمادة

تعاني الجالية السورية في أوكرانيا من ظروف شديد الصعوبة منذ بداية الغزو الروسي. ومع حلول شهر رمضان يشعر كثير من السوريين المقيمين على الأراضي الأوكرانية أنهم عالقون في بلد بعيد، يواجهون حربا لم يختاروها. بعد كل ما لاقوه من معاناة في سوريا.

وربما كان الطلاب أكثر فئات الجالية السورية في أوكرانيا معاناةً. وتتجسد معضلتهم بانتهاء صلاحية  وثائق السفر التي يحملونها. فأغلبهم لم يكن يظن أن البلد الذي حسبوه ملاذا آمنا لإكمال التعليم، بعد تدمير النظام التعليمي في سوريا، سيصبح ساحة لواحدة من أعنف الحروب المعاصرة.

نشأة الجالية السورية في  أوكرانيا

بدأت الجالية السورية في أوكرانيا تتشكل خلال الحقبة السوفيتية. ففي البداية جاء الطلاب السوريون للدراسة. واختاروا دراسة  الطب في الجامعات الأوكرانية بشكل أساسي. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي واستقلال أوكرانيا أقيمت علاقات تجارية نشطة بين سوريا وأوكرانيا. وكانت الأخشاب والفاكهة هي السلعة الأساسية المتبادلة بين البلدين.

وتزايد عدد المهاجرين السوريين في أوكرانيا تدريجيا منذ عام 2012، مع اندلاع الحرب  في سوريا. إذ اضطر العديد من السوريين إلى الفرار من ديارهم، والسفر إلى أجزاء أخرى من العالم، للحصول على إقامة مؤقتة أو دائمة. وفي أوكرانيا بدأ معظمهم حياة جديدة، سواء عبر افتتاح مشاريع خاصة، أو الدراسة في الجامعات.


ووفقا لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين طلب ما يقرب من ستمئة سوري اللجوء في أوكرانيا، اعتبارا من عام 2018. واليوم، يعيش حوالي مئتي سوري في كييف وحدها. ولكل من أفراد الجالية السورية في أوكرانيا قصته الخاصة: جاء البعض للدراسة، وآخرون للعمل وتكوين أسرة، فيما فر عدد منهم إلى البلد الشرق أوربي، ووجدوا فيه المأوى وفرصة لحياة جديدة.

علاء الأكراد، هو طالب سوري يدرس طب الأسنان في جامعة فينيتسا الطبية الوطنية، قال لـ “الحل نت”: “مع أول طلقة في الحرب التي شنتها روسيا على أوكرانيا، تذكرت بشكل خاص اللحظة التي علقت فيها داخل درعا، ولم أستطع الخروج من هناك إلى جامعتي”.

الأكراد، الذي يعيش حاليا في السكن الجامعي، بيّن خلال حديثه أن “القذائف تساقطت عدة مرات قرب سكن الطلبة. لكن ما يؤرقه هو عدم قدرته على السفر، سواء العودة إلى سوريا أو الذهاب إلى بلد آخر، لأن جواز سفره منتهي الصلاحية، وأزمة الجوازات داخل البلاد عمّقت أزمته. فأهله أيضا تقدموا بطلب للحصول على جوازات سفر لدائرة الهجرة في دمشق، منذ خمسة وعشرين يوما، لكن المديرية قالت لهم إنها لن تستطيع إصدار الوثائق قبل ثلاثة أشهر من الآن”.

استثناء السوريين من الإجلاء

في العاشر  من آذار/مارس الفائت تم إجلاء 768 طالب، من ستة وعشرين دولة، بالقطار من أوكرانيا إلى بولندا. إلا أن هذا لم يشمل كثيرا من الطلاب المنتمين للجالية السورية في أوكرانيا.

تقول بثينة السكري، وهي طالبة في جامعة كييف الطبية، إن “الذين تم إجلاؤهم مواطنون من مختلف الجنسيات. ولكن الجامعة رفضت تسجيل أسماء كثير من الطلاب السوريين تمهيدا لإجلائهم، بذريعة عدم امتلاكهم أوراق ثبوتية سارية المفعول. وهذا يعطل استقبالهم في الدول الأوروبية”.

وتشير السكري، في حديثها لـ”الحل نت”، إلى أن “المشكلة الكبرى للسوريين في أوكرانيا بدأت في أيلول/سبتمبر 2018، بعد أن أغلقت السلطات الأوكرانية السفارة السورية على أراضيها، واعتذرت من المراجعين عن عدم استقبال المعاملات القنصلية. بعد أن اعترفت دمشق بجمهورية شبه جزيرة القرم، وعقدت معها اتفاقيات تجارية. وعلى إثر ذلك أدانت وزارة الخارجية الأوكرانية الزيارات والاتفاقيات الموقعة بين الحكومة السورية ومسؤولي جزيرة القرم الخاضعة للسيطرة الروسية”.


الجدير ذكره  أن سوريا اعترفت باستقلال أوكرانيا عام 1991. وفي آذار/مارس 1992 أقيمت أولى العلاقات الدبلوماسية بين كييف ودمشق. وقرر البرلمان الأوكراني افتتاح سفارة لأوكرانيا في سوريا في عام 1993. وفي الخامس والعشرين من نيسان/أبريل 2005 افتتحت السفارة السورية رسميا في كييف.

الجميع تخلى عن الجالية السورية في أوكرانيا

خلال حديث “الحل نت” مع عدد من أبناء الجالية السورية في أوكرانيا كان الهلع هو السمة الظاهرة على وجوههم، فمع انقطاع الكهرباء والقصف المستمر، صارت الحلول أمامهم شبه معدومة، ولم يجدوا أي جهة تقدم لهم العون، سواء الحكومة السورية، التي أعلنت اصطفافها مع روسيا في غزوها؛ أو مؤسسات المعارضة، التي لوحت بعدم قدرتها على مساعدتهم.

يوضح علاء الأكراد أن “الجميع تخلى عن السوريين في أوكرانيا، فخلال الأربعين يوما الماضية حاولت التواصل عبر المنصات الرسمية مع الحكومة السورية، أو حتى مع مؤسسات المعارضة، مثل الائتلاف الوطني السوري، لكنني لم ألق أية استجابة، إذ اكتفى الجميع برؤية رسائلي دون رد”. حسب تعبيره.

أحد أعضاء الائتلاف تحدث لـ”الحل نت”، شريطة عدم الكشف عن اسمه، نظرا لأن المؤسسة المعارضة لا تسمح بإفشاء المعلومات الداخلية حسب زعمه، قائلا إن “الائتلاف لا يمكنه تقديم المساعدة للجالية السورية في أوكرانيا، أو في أي من الدول الأخرى التي تتواجد فيها، سواء بالمطالبة بنقلهم أو تقديم أوراق سفر لهم”.

وكشف عضو الائتلاف أن “هنالك قرارا دوليا بتحجيم مسؤوليات الائتلاف، وحصر أعماله في الأمور السياسية فقط”. وهذا التحجيم لا تجاهر به المؤسسة السياسية للمعارضة خوفا من زيادة نقمة السوريين عليها.

مقالات قد تهمك: روسيا تكرر نموذج قصف وحصار حلب في أوكرانيا

روسيا هي القاسم المشترك في معاناة الجالية السورية

خيارات أفراد الجالية السورية في أوكرانيا بعد الغزو تراوحت بين النزوح من البلد مع ملايين الأوكرانيين، الذين لجأوا إلى الدول المجاورة؛ أو البقاء في المدن التي يقيمون بها، تحت تهديد القصف والاجتياح الروسي.

وعلى الرغم من أن الصراعات الجارية في سوريا وأوكرانيا مختلفة تماما، فإن القاسم المشترك هو الدور البارز والمدمر لروسيا في كلي الحربين. إذ تدخلت روسيا لإنقاذ الرئيس السوري بشار الأسد منذ ما يزيد عن خمس سنوات، وهي اليوم تتدخل في أوكرانيا لضمان ما تعتبره مصالحها هناك.

يقول الصحفي السوري عمر الحريري لـ”الحل نت” إن “تدخل روسيا في سوريا أدى إلى تعزيز قوة الحكومة السورية، وتسبب في معاناة إنسانية هائلة، وهي المعاناة ذاتها التي نشهدها اليوم في أوكرانيا”.

ويشير الحريري إلى أنه “بسبب القصف وإطلاق النار العشوائي على المناطق المدنية في أوكرانيا من قبل الجيش الروسي، فر أكثر من أربعة ملايين ونصف المليون شخص، من بينهم أفراد من الجالية السورية في أوكرانيا. ووفقا لمعدل الهجرة الحالي حذر مسؤولو مفوضية اللاجئين من أن الهجرة الجماعية من أوكرانيا يمكن أن تتجاوز الأزمة السورية لعام 2015”.

ويبيّن الحريري أن “النساء والطلاب هم الفئة الأكثر تأثرا من النزاعات. لأنهم غالبا ما يفتقرون إلى القدرة على الدفاع عن أنفسهم. وكثيرا ما يتعرضون للاعتداء من قبل المقاتلين. كما أنهم يعانون من التهجير القسري والعنف الجنسي، وعادة ما يحرمون من الوصول إلى العدالة بعد الصراع”.

وبما أن الجالية السورية في أوكرانيا تحوي كثيرا من الطلاب والنساء فيمكن توقع مدى المعاناة، التي يضطر كثير من السوريين لخوضها مرة ثانية، في مكان يبعد آلاف الكيلومترات عن موطن معاناتهم الأساسي.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات