هل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟

هل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟
أستمع للمادة

لا يتفق معظم المراقبين على وصف ما قام به الائتلاف السوري المعارض مؤخرا من إجراءات فصل واستبعاد لبعض الأعضاء والكتل، بأنه يندرج تحت بند الإصلاح كما أعلن القائمون على هذا الائتلاف.

 واعتبر الكثير منهم ما حدث بأنه أقرب إلى الانقلاب أو تصفية الحسابات في إطار الصراع القائم بين الكتل المكونة لهذه المؤسسة، والتي تستقوي بعضها بقوى خارجية، لتعزيز نفوذها على حساب الكتل الأخرى.

والواقع أن ما يؤيد هذه النظرية أن القرارات المتخذة لم تتم في إطار مؤسساتي برغم زعم أنها جرت لأجل تعزيز العمل المؤسساتي والديمقراطي، حيث صدرت فجأة دون مقدمات وكأن الإصلاح عملية سرية تتم في أجواء تشبه الانقلاب وحياكة المؤامرات، حتى أن المفصولين لم يعلموا بفصلهم إلا عبر وسائل الإعلام، برغم أنهم كانوا قبل يومين ضمن اجتماع للهيئة العامة للائتلاف، ولم تطرح على الهيئة هذه القرارات.

ويقول العارفون ببواطن الأمور أن ما جرى باختصار هو أن الكتلة صاحبة القرار والتي تستحوذ على أموال الائتلاف أرادت إعادة هندسة المعادلات لتكون لها الكلمة الفصل في المرحلة المقبلة، عبر إضعاف الكتل الأخرى التي قد تعيق توسيع نفوذها، مع فصل بعض الأسماء الهامشية أيضا و التي لا وزن لها ولا فاعلية مثل علا عباس المقيمة في باريس والتي لم تحضر سوى بضع اجتماعات للائتلاف عبر الانترنيت.

 وهذا حال كثير من المفصولين الذين كانوا هامشيين وليسوا عثرة في وجه الإصلاحات المفترضة، بينما جرى فصل آخرين كفعل انتقامي مثل حاتم الظاهر أحد ممثلي المنشقين عن النظام التابعين لرياض حجاب، والذي تم فصله ردا على الانتقادات الواسعة الموجهة للائتلاف خلال ندوة الدوحة الأخيرة التي دعا إليها حجاب.

واستكمالا لهذه العملية التي دبرت في ليل، ولقطع الطريق على أية اعتراضات مربكة، جرى أيضا (في إطار عملية الإصلاح) حل اللجنة القانونية في الائتلاف التي يمكن أن يطعن لديها المفصولين بقرار فصلهم، حيث أغلب القرارات غير قانونية بموجب النظام الداخلي في الائتلاف نفسه، والذي ينص على أن فصل أي عضو يتطلب موافقة ثلثي أعضاء الهيئة العامة، وهذا لم يحصل، ولم يعرض الأمر على الهيئة أصلا. ويبقى “الإجراء القانوني” الوحيد هو المتعلق باستبدال ممثلي بعض المجالس المحلية، لأن ذلك تم بناء على طلب تلك المجالس.

واللافت تزامن هذه التطورات مع تصريح مثير أدلى به وزير داخلية الحكومة المؤقتة العميد محي الدين هرموش والذي أكد وجود عملاء للنظام السوري بين صفوف الائتلاف، وهو ما لم تتوقف عنده كثيرا قيادة الائتلاف المشغولة بإحكام قبضتها على الكتلة المالية في الائتلاف، وتاليا الاستحواذ عليه سياسيا، عبر الاستقواء بالداعم الخارجي.

ويرى المراقبون أن رئيس الائتلاف ترك الأمر بيد هذه الفئة المعروفة بكتلة (4 زائد واحد) مقابل تغيير النظام الداخلي الذي ينص على تحديد ولاية رئيس الائتلاف لمدة سنتين بدل سنة واحدة قابلة للتمديد مرة واحدة، مع منح الرئيس مزيد من الصلاحيات، وهو ما كان في النظام الداخلي الجديد. وتضم المجموعة النافذة كل من بدر جاموس وعبد الأحد اسطيفو وهادي البحرة وأنس العبدة، إضافة إلى سالم المسلط.

من الواضح أن الأساس الذي قامت عليه هذه المؤسسة على أنقاض المجلس الوطني السوري، والذي جاء برعاية إقليمية ودولية، قد ساهم فيما آلت إليه أوضاعها، حيث البنية التي يتكون منها الائتلاف غير منسجمة، وتتحرك ضمن سياقات ابتعدت بها كثيرا عن طموحات الشعب السوري الثائر وتضحياته، وهي لا تختلف كثيرا عن بنية النظام في دمشق البعيدة عن الديمقراطية وقبول الآخر وفكرة الحرية التي قامت عليها ثورة السوريين.

 ومن هنا، تسقط دعاوى أن من فصلوا من الائتلاف هم العائق في تطويره، وكأن من بقي هم خير من يمثل الشعب السوري وثورته.

والسؤال الذي يطرح نفسه، ألا يفترض ان أية عملية إصلاح يجب أن يسبقها مراجعة حقيقية وعلنية للفترة الماضية يشار فيها بوضوح للأخطاء المرتكبة ومن المسؤول عنها مع تحديد أهداف هذه العملية وسبل تحقيقها، وهو ما لم يتم أبدا، وجرى بدلا من ذلك تصفية حسابات في غرف مغلقة.

وهذا ينطبق أيضا على المبعدين من الائتلاف الذين سكتوا طوال سنين، ولحظة إبعادهم، فتحوا النار على مؤسسة الائتلاف إذا صح التعبير واكتشفوا فجأة أنها كانت مؤسسة عاطلة وفاسدة.

والحقيقة أن الائتلاف ومجمل مؤسسات المعارضة، لم تنجح في دفع القضايا الأساسية التي تهم جمهور الثورة إلى طاولة اهتمام المجتمع الدولي، وأبسط مثال على ذلك قضية مئات آلاف المعتقلين الذي يعانون في سجون النظام، ومات منهم من مات تحت التعذيب، برغم أن هذه القضية تحظى بتعاطف دولي واسع، بينما المعارضة ما زالت متمسكة بمفاوضات اللجنة الدستورية وأستانا وغيرها دون أن تفكر حتى بوضع شرط أنها لن تدخل في أي مسار تفاوضي من دون إطلاق سراح المعتقلين، المدنيين منهم، على الأقل.

وأمام حالة الاستعصاء التي وصلت إليها القضية السورية بعد 11 سنة من الصراع غير الحاسم والذي خلف فقط شعبا يعيش نصفه في المهاجر والنصف الآخر تحت خط الفقر، تبدو غالبية الدول المعنية قد سئمت من هذا “الملف” وباتت تبحث عن أي حل على شاكلة خطة المبعوث الدولي بيدرسون “خطوة مقابل خطوة”، بينما المعارضة تائهة سياسيا، تحركها توجيهات الدول الداعمة لها والتي قد تشجع على “إصلاح الائتلاف”، بهدف الحفاظ على الاعتراف الدولي بهذا الكيان كممثل للشعب السوري، مع إدراكها صعوبة تأمين دعم دولي لأي كيان سياسي جديد في لحظة استعادة النظام بعض قوته وعمليات التطبيع التي تتم معه ونظرة عدم الاحترام من جانب معظم المجتمع الدولي للمعارضة السورية.

وتسعى ما تبقى من دول داعمة للمعارضة إلى محاولة الإفادة من التوازنات الدولية الجديدة المرتبطة بنتائج الحرب في أوكرانيا، فيما لو تم لاحقا إعادة طرح مدى تمثيل نظام الأسد لسوريا، وذلك في ضوء تورط النظام في التأييد العلني لحرب أوكرانيا والغزو الروسي لها والتي تبدو روسيا تسير بخطى ثابتة نحو خسارتها، الأمر الذي لا بد أن يطول شرره حلفاء روسيا وفي مقدمتهم نظام الأسد. ومن هنا، لم تشجع تركيا ومعها قطر كما يبدو رياض حجاب على إطلاق تشكيل جسم سياسي جديد، وهو ما كان متوقعا بعد ندوة الدوحة الأخيرة. 

ورغم نفي رئيس الائتلاف وجود دور للعامل الخارجي فيما يحصل، لكن من غير المستبعد أن تكون تركيا تعمل على إضعاف جماعة الإخوان المسلمين تدريجيا داخل الائتلاف، ومجمل المشهد السياسي في سوريا، كجزء من الاستدارة التركية الحالية تجاه دول الخليج ومصر، وسيكون مريحاً أكثرَ لها في الفترة المقبلة تقليصُ نشاط الإخوان.

والخلاصة، ان إطلاق عملية إصلاح حقيقية في الائتلاف ربما يصعب أن تبدأ من داخل الائتلاف نفسه، وعبر الوجوه ذاتها المنخرطة في مشكلات الائتلاف والمتهمة بنظر بعضها بعضاً، وبنظر جمهور الثورة، بالمسؤولية عن حالة الترهل والانكماش التي تعاني منها هذه المؤسسة، ومجمل مؤسسات الثورة السياسية والمدنية والعسكرية، وهذا ما يتطلب ضخ دماء جديدة في الائتلاف عبر انتخابات شفافة، تتولى هذه العملية وفق رؤية واضحة تنظيميا وإداريا، وقبل ذلك سياسيا، بعد حالة الشلل والسلبية التي عانت منها مجمل مؤسسات الثورة خلال الفترة الماضية، سواء لجهة العجز عن تفعيل مؤسسات وحوامل الثورة والمعارضة داخل سوريا وخارجها، أم مواصلة الانخراط في المفاوضات العبثية مع النظام برعاية روسية في جنيف وسواها، دون وضع بدائل لمواجهة خطط النظام المدروسة للتهرب من استحقاقات هذه المفاوضات المديدة والتي يدرك الجميع أنها باتت عبثية ولا طائل منها.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول مساحة حرة