القوى السياسية الآشورية السورية: هل نجى أحد أعرق المكونات السورية فعلا من الإبادة؟

القوى السياسية الآشورية السورية: هل نجى أحد أعرق المكونات السورية فعلا من الإبادة؟
أستمع للمادة

لعبت القوى السياسية الآشورية السورية دورا مهما في التاريخ السياسي للدولة السورية، فقد شارك عديد من أبناء المكون الآشوري في النضال من أجل الاستقلال، وتفويت الفرصة على المستعمر الفرنسي في فصل منطقة الجزيرة عن البلاد عام 1937. وانخرط كثير منهم في الحياة العامة بعد الاستقلال، سواء عبر الأحزاب السياسية التي وجدت في البلاد آنذاك، أو عبر أحزاب خاصة بأبناء المكون الآشوري.

وبعد انطلاق الاحتجاجات السورية عام 2011 شارك كثير من الآشوريين في التظاهرات السلمية، وانخرطت القوى السياسية الآشورية السورية في الأطر السياسية المختلفة، مثل المجلس الوطني المعارض؛ هيئة التنسيق الوطني؛ والإدارة الذاتية.

وعانى أبناء المكون الآشوري كثيرا من ممارسات تنظيم داعش، خاصة بعد اجتياحه منطقة الخابور وقراها عام 2015، التي تضم نسبة كبيرة من السكان الآشوريين. وأصدرت “المنظمة الآثورية الديمقراطية”، بمناسبة الذكرى السابعة للاجتياح بيانا جاء فيه أن “المسؤولية تتطلب من أحزاب ومؤسسات شعبنا السرياني الآشوري توحيد جهودها، من أجل معالجة آثار وتداعيات هذه الكارثة على أبناء شعبنا في الخابور، وقطع الطريق على حدوث عمليات تغيير ديمغرافي في هذه المنطقة، والسعي المشترك لإحيائها في كافة المجالات الإنمائية والعمرانية، بالتعاون مع شركائنا في الوطن ومع المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية. وتحقيق الانتقال السياسي الديمقراطي وفق قرار مجلس الأمن 2254، وبما يضمن بناء سوريا الجديدة، التي تضمن حقوق كافة مكوناتها، على قاعدة العدالة والمساواة والشراكة بين جميع السوريين”.

فما أهم التحديات التي يواجهها أبناء المكون الآشوري اليوم؟ وما الدور الذي تلعبه القوى السياسية الآشورية السورية؟

الواقع العام للأشوريين والقوى السياسية الآشورية قبل عام 2011

يتفق كل من كبرييل موشي كورية، مسؤول مكتب العلاقات في المنظمة الآثورية الديمقراطية، والناشط الآشوري غاندي سعد، في حديثهما لموقع “الحل نت”، بأن “الآشوريين عانوا، سواء بوصفهم أفرادا، أو أعضاء في القوى السياسية الآشورية السورية، من التهميش والتضييق والحرمان من حقوقهم القومية. ومن غياب الحريات والمساواة أمام القانون، في ظل حكم نظام البعث. ومنعوا من تشكيل الأحزاب السياسية العلنية، والجمعيات الخاصة، والمنظمات الأهلية، والأندية الرياضية، وكذلك المدارس الخاصة”.

ويتابع كورية: “تعمدت الحكومات السورية منذ الاستقلال افقار مناطق الآشوريين، وحرمانها من عوامل ومقومات التنمية، من خلال التجفيف الممنهج والمتعمد لنهر الخابور، وما نجم عنه من أضرار جسيمة لحقت بالمحاصيل الزراعية، إضافة إلى الاستيلاء على ممتلكات شركات أصفر ونجار الرائدة في منطقة رأس العين، وهي السياسة التي استكملها حزب البعث بقرارات التأميم، التي قوّضت النهضة الزراعية في الجزيرة السورية، الأمر الذي دفع أصحاب الأراضي من الآشوريين للهجرة. وهذا هو هدف الحكومة السورية”.


الناشط سعدو يضيف أن “الآشوريين منعوا من تسمية أبناءهم بأسماء آشورية، وطالت الاعتقالات عديدا من الشخصيات والنشطاء في القوى السياسية الآشورية السورية، وخاصة في ثمانينيات القرن الماضي، مثل بشير اسحق سعد وعزيز آحي و يونان طليه. ولم يصعد سوى ممثل واحد عن الآشوريين إلى البرلمان السوري في العام 1990. وهو بشير اسحق سعدو. وسبب ذلك هو أن الانتخابات آنذاك جرت برعاية دولية، الأمر الذي سهل الطريق لأحد ممثلي الآشوريين بالوصول إلى البرلمان السوري. إلا أنه في الدورات اللاحقة منعت الحكومة السورية أي ممثل حقيقي عن الآشوريين من الوصول إلى البرلمان. ولا تعترف الحكومة السورية بالآشوريين باعتبارهم قومية لها خصوصياتها. وتعتبرهم، وفق نهج البعث، عبارة عن قبائل عربية هاجرت من شبه الجزيرة العربية”.

موقف القوى السياسية الآشورية السورية من الاحتجاجات

ومع انطلاق الاحتجاجات السورية انقسم الآشوريون، مثل بقية المكونات، بين مؤيد للنظام ومعارض له، ومنهم من وقف على الحياد. فيما اختلفت اصطفافات القوى السياسية الآشورية السورية بين مختلف التجمعات السورية المتنازعة.

كبرييل موشي كورية يؤكد أنه “من الإيجابيات، التي يمكن ذكرها بعد العام 2011، امتلاك الآشوريين السوريين لبعض الحريات النسبية والحقوق الثقافية في ممارسة عاداتهم وطقوسهم، قياسا بالمرحلة السابقة. وتوفرت مساحة أوسع أمام القوى السياسية الآشورية السورية للقيام بدورها وأنشطتها. وكذلك تأسس عدد من مؤسسات المجتمع المدني وجمعيات الإغاثة، لمواكبة المصاعب التي نتجت عن ظروف الحرب السورية”.

وبحسب كورية فإن “المنظمة الآثورية الديمقراطية، المشاركة في الائتلاف الوطني المعارض. وحزب الاتحاد السرياني والحزب الآشوري الديمقراطي، المشاركين في الإدارة الذاتية، من أهم القوى السياسية الآشورية السورية، وتعكس تطلعات الآشوريين على اختلاف توجهاتهم. وما يجمع كل هذه القوى مطالبتها بالاعتراف الدستوري بالوجود والهوية القومية للسريان الآشوريين، وضمان كافة حقوقهم القومية، أسوة بحقوق جميع القوميات، وذلك في إطار وحدة سوريا أرضا وشعبا. كما تدعو إلى بناء دولة ديمقراطية علمانية، تقوم على أساس فصل السلطات وحكم القانون واستقلال القضاء والتداول السلمي للسلطة. إضافة لقضايا أخرى تشترك فيها مع عديد من القوى الوطنية السورية”.

المخاوف الديمغرافية والسياسية للآشوريين

يتخوف كورية من تناقص عدد الآشوريين في سوريا بشكل كبير بفعل الهجرة والتهجير، وخلو بعض المناطق بشكل كامل من الوجود السرياني الآشوري. فقد انخفض، بحسبه، عدد الآشوريين “إلى نسبة غير مسبوقة في قرى الخابور الآشورية، بفعل إرهاب تنظيم داعش التكفيري، الذي اجتاح هذه القرى عام 2015. وبعد أن كان عدد الآشوريين يقدر، وفق الإحصاءات الرسمية، بمئتين وخمسين ألفا، منهم مئة وخمسون ألفا يقيمون في الجزيرة، تناقص عددهم اليوم في الجزيرة إلى ما بين أربعين وخمسة وأربعين ألفا، والبقية هاجروا إلى أوروبا وكندا وأمريكا واستراليا. ويعود ذلك إلى تضافر عوامل أنتجتها منظومة الاستبداد، وتفشّي الإرهاب، وتدهور الأوضاع المعيشية، وغيرها من العوامل، التي أصابت السريان الآشوريين، مثلما أصابت عموم السوريين على مختلف انتماءاتهم”.

من جهته اعتبر غاندي سعدو أن “اجتياح تنظيم داعش لقرى الخابور الآشورية، والتي تبلغ ثلاثا وثلاثين قرية، كان بمثابة المسمار الأخير الذي دُق في نعش وجود الآشوريين في سورية بشكل عام، فقد خلت هذه القرى من ساكنيها بنسبة تزيد عن تسعين بالمئة. وتحولت إلى خراب”، حسب تعبيره.

مقالات قد تهمك: مع ازدياد اضطهاد المسيحيين حول العالم: ماذا يقول مسيحيو الشرق الأوسط عن أوضاعهم الاجتماعية والسياسية؟

وفضلا عن المخاوف الديمغرافية توجد مخاوف سياسية بين الآشوريين من عدم تمثيلهم بشكل حقيقي، ومنحهم حقوقهم. فما تزال القوى السياسية الآشورية السورية تطالب بإشراك الآشوريين في السلطات التشريعية والتنفيذية القائمة لدى مختلف أطراف النزاع السوري في السلطة والمعارضة.

ويؤكد سعدو أن “قدرة الآشوريين، والقوى السياسية الآشورية السورية، على التعبير عن أنفسهم تترواح بين منطقة سورية وأخرى، ففي مناطق سيطرة الإدارة الذاتية انتزعوا عددا من الحقوق والمكتسبات، نظرا لوجود هامش من الحريات السياسية، فيما ما يزالون يعانون كثيرا في مناطق سيطرة الحكومة السورية”.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير