تجارة المخدرات وسط بغداد: كيف تحوّلت الكرادة من رمز للاحتجاجات إلى وكر للجريمة؟

تجارة المخدرات وسط بغداد: كيف تحوّلت الكرادة من رمز للاحتجاجات إلى وكر للجريمة؟
أستمع للمادة

تتصاعد تجارة المخدرات وسط بغداد، وخاصة في منطقة الكرادة، التي كان أغلب سكانها سابقا من المسيحيين واليهود، قبل أن تستولي المليشيات الموالية لإيران على شوارعها الحيوية.

وظلت الكرادة، لعراقتها وأهمية موقعها، موطنا أساسيا للأنشطة الثقافية، وكذلك عُرفت باحتوائها للحركات الاحتجاجية ضد النظام السياسي العراقي، فقد انطلقت منها أول تظاهرة نظمها الناشطون العراقيون في عام 2011، واستمرت على هذا المنوال حتى انتفاضة تشرين في عام 2019، نظرا لقربها من مركز الحكومة العراقية في المنطقة الخضراء، وكذلك ساحة التحرير، التي تمثل مركز الاحتجاج العراقي.

ورغم كل هذا فقد نجحت الميليشيات الموالية لإيران بإحكام سيطرتها على مواقع مهمة في منطقة الكرادة، فضلا عن استيلائها على مواردها الاقتصادية، بما في ذلك فرض الإتاوات على النوادي الليلية، ومحال بيع المشروبات الكحولية. وعلى ما يبدو فإن طابع المنطقة المرتبط بالاحتجاجات السياسية والنشاطات الثقافية لم يرق لتلك الميليشيات، فعملت على تحويل الكرادة إلى منطقة غير آمنة، ومركز لتجارة المخدرات وسط بغداد.

تجارة المخدرات وسط بغداد قضت على الثقافة والسياسة

أبو علي، أحد سكان الكرادة، الذي رفض ذكر اسمه الكامل خوفا على حياته، أكد لموقع “الحل نت” أن “منطقة الكرادة كان يسكنها المثقفون والمتعلمون، وكانت تُنظّم فيها مناسبات موسيقية وشعرية أسبوعية، تحضرها أسر من كل الطوائف العراقية. أما اليوم فلم يعد هناك وجود لهذه المناسبات، وكل ما أراه هو مقاهٍ شعبية، وبائعون متجولون، وعمليات سرقة واحتيال، فضلا عن تجارة المخدرات في قلب بغداد”.

من جهته نبّه الشاعر العراقي إيهاب شغيدل مما سماه “خطورة تحويل الكرادة إلى منطقة مشابهة للبتاوين. والبتاوين منطقة تتوسط العاصمة بغداد، يلجأ إليها المجرمون وعصابات المخدرات والمتاجرون بالأعضاء البشرية، وهي إلى حد ما خارج سلطة الدولة”.

ويتابع شغيدل، في حديثه لـ”الحل نت”، أن “عملية طرد العوائل من الكرادة تسير بكل الاتجاهات، والاكثر خطورة تحويلها لمركز تجارة المخدرات وسط بغداد، وهذا ليس أمرا خفيا، بل واضح لأي شخص يتواجد في الكرادة”.

مؤكدا أن “مئات التجار والشباب المخدّرين يمشون في الكرادة طول الوقت تحت أنظار الحكومة العراقية، دون أن تحرك ساكنا”.  

وتساءل الشاعر العراقي “هل سنتعرّف على هذه المنطقة التي نحب، والتي كانت رمزا للاحتجاجات والحياة الثقافية، بعد سنوات قليلة من الآن، بعد ان باتت مركز تجارة المخدرات وسط بغداد، وصارت شوارعها خطيرة؟”.   

الجميع في خطر من تجّار المخدرات

لا يكاد يمر يوم دون أن تلقي القوات الأمنية المختصة القبض على عصابات تتاجر بالمخدرات والأعضاء البشرية وغيرها في بغداد.

وخلال عام 2022 نفذت القوات الأمنية عمليات كثيرة ضد المسؤولين عن تجارة المخدرات وسط بغداد، وألقت القبض على عصابات متخصصة ببيع الأعضاء البشرية. فضلا عن قيامها بإغلاق بعض الشوارع المهمة، وفرض حظر تجوال فيها بأوقات معينة.

ويرى الخبير الأمني سجاد العلي أن “الجميع في خطر بسبب انتشار تجارة المخدرات وسط بغداد، بما فيها الكرادة، التي تتصدر المشهد”.

العلي، في حديثه لموقع “الحل نت”، قال إن “تجارة المخدرات في منطقة الكرادة بالتحديد يسيطر عليها فصيل مسلح موالي لإيران، ومعلوم لدى الحكومة العراقية. ومواجهته تتطلب موقفا حكوميا شجاعا وجديا. لإنهاء هذا الخطر الذي يحاصر الجميع”.

وتابع أن “استمرار الوضع على ما هو عليه سيحول الكرادة ووسط بغداد إلى منطقة منزوعة من أهاليها”.

بدوره صرح ضابط كبير في وزارة الداخلية العراقية لموقع “الحل نت”، شريطة عدم نشر اسمه، أن “القوات الأمنية تلقي القبض بشكل يومي على مروجي ومتعاطي المخدرات في الكرادة، وبعضهم من أوساط ثقافية وفنية معروفة”.

وكشف المصدر عن هوية المتاجرين بالمخدرات وسط بغداد، مؤكدا أن “أغلبهم لديه ارتباط بفصيل مسلح، ويتكفل هذا الفصيل بدفع الرشى لإخراج المقبوض عليهم من السجن”.

ويتابع أنه “يتلقى تهديدات بشكل مباشر ويومي، من أجل غض النظر عن تجارة المخدرات وسط بغداد والمشرفين عليها. الأمر الذي دفعه لطلب نقله إلى منطقة أخرى، لحماية أمنه الشخصي، كون الدولة غير قادرة على حمايته”، حسب تعبيره.

مقالات قد تهمك: المخدرات في العراق: هل هنالك تهاون أمني وقانوني مع “الكريستال” الإيراني؟

مطالبات بتطهير الكرادة من تجارة المخدرات

السياسي العراقي غالب الشابندر يقول إن “منطقة الكرادة، وتحديدا الكرادة الشرقية، أصبحت اليوم مكانا مشبوها، تنتشر فيه تجارة المخدرات والدعارة وغيرها، بعدما كانت منطقة تتميز بنظافتها وثقافة سكانها”.

مضيفا لموقع “الحل نت” أن “كل ما يحصل فيها الآن هو تدمير متعمد لهوية الكرادة ورمزيتها في بغداد”.

ويؤكد أن “الكرادة الشرقية باتت معدومة الخدمات، في ظل غياب التخيط العمراني، ولا أستبعد أن تتحول إلى ما يشبه الحي العشوائي مع مرور الزمن، إذا لم تقم السلطات بعمليات أمنية، لتطهيرها من تلك العصابات، وإنهاء تجارة المخدرات وسط بغداد، وإعادة قلب المدينة إلى ما كان عليه في السابق”.  

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات