تجميع السيارات في سوريا: لماذا عادت القطع المصنّعة إيرانياً إلى غزو السوق السوري؟

تجميع السيارات في سوريا: لماذا عادت القطع المصنّعة إيرانياً إلى غزو السوق السوري؟
أستمع للمادة

يثير ملف تجميع السيارات في سوريا كثيرا من الأسئلة، إذ تصاعدت الانتقادات لحكومة دمشق، على خلفية قرارها الذي يحصر منح إجازات استيراد مكونات تجميع السيارات بأنواعها، وفق نظام (CKD)، بشركات تجميع السيارات المرخصة، وفق نظام الصالات الثلاث.

ومرد هذه الانتقادات يعود إلى عدم قدرة الشركات القائمة، الحاصلة على ترخيص مسبق لتجميع السيارات، على تحقيق الشروط التي حددتها حكومة دمشق، وتحديدا الشرط المتعلق بالصالات الثلاث.

وكان قرار رئيس الحكومة السورية حسين عرنوس، قد نص على السماح باستيراد مكونات تجميع السيارات، لكن شريطة عدم قيام وزارة الصناعة بدمشق بمنح أي ترخيص جديد لأي شركة إضافية، ترغب بصناعة وتجميع مكونات السيارات في الفترة الحالية. إضافة إلى منح الشركات القائمة مهلة عام واحد حدا أقصى، للانتقال إلى تجميع مكونات السيارات الكهربائية.

ويبدو أن الشروط التي حددتها الحكومة السورية لمباشرة تجميع السيارات في سوريا لا تنطبق إلا على شركة واحدة، وهي الشركة السورية الإيرانية لتجميع السيارات (إيران خودرو)، الواقعة في مدينة عدرا الصناعية بريف دمشق.

وكانت حكومة دمشق قد منعت، في أواخر العام 2019، استيراد السيارات، دون أن تستثني السيارات الإيرانية أيضا، مرجعة السبب إلى “المخاوف من نقص العملة الأجنبية لديها، مما يؤثر على الاقتصاد السوري سلبا”، وهو ما خلّف موجة من الاستياء الإيراني آنذاك.

وقال وزير الصناعة محمد معن جذبة حينها إن “صناعة تجميع السيارات، التي سمحت بها الحكومة، كانت تستنزف حوالي ثمانين مليون دولار شهريا، ما دفع الحكومة لإيقاف منح إجازات الاستيراد الخاصة بهذه الصناعة، كونها لم تقدم أي قيمة مضافة للصناعة والاقتصاد والمواطنين”.

فما الذي دفع حكومة دمشق إلى إصدار قرارها الأخير؟ وما انعكاساته على تجميع السيارات في سوريا؟

ضغوط إيرانية لتفعيل صناعة تجميع السيارات

منذر محمد، المفتش المالي السابق والخبير الاقتصادي، يشير، في تعليقه حول قرارات الحكومة السورية بخصوص تجميع السيارات في سوريا، إلى “عدم تغير الظروف والمعطيات المالية، التي أدت إلى منع دمشق لاستيراد السيارات، بل على العكس، تعاني خزينة الدولة السورية الآن من شح مخزون العملات الأجنبية، بدرجة أكبر من العام 2019”.

ويضيف، في حديثه لـ”الحل نت”، أن “أداء الاقتصاد السوري لم يتحسن، بل تراجع نتيجة زيادة الضغوط الاقتصادية في العامين الأخيرين، بسبب آثار جائحة كورونا، والغزو الروسي لأوكرانيا أيضا”.

وبذلك، يرجع الخبير الاقتصادي إعادة السماح باستيراد السيارات، والقرارات المتعلقة بتجميع السيارات في سوريا، إلى الضغوط الإيرانية على دمشق، ويقول: “لم تجدد إيران الخط الائتماني للنظام، إلا وفق شروط، ومنها السماح للبضائع الإيرانية بالتدفق إلى سوريا دون معوقات، مستفيدة من حاجة دمشق إليها”.

وحسب محمد، فإن “انشغال روسيا بأوكرانيا، وعجزها عن دعم دمشق، دفع بالأخيرة إلى الاستنجاد بطهران، وجاءت زيارة بشار الأسد الأخيرة إلى إيران، لهذا الغرض”. مضيفا: “أعطت طهران للأسد بعض ما يريد، لكن بشروط، والآن بدأنا نشاهد مفاعيل الزيارة، من خلال زيادة الشركات الإيرانية في سوريا، والقرار المتعلق بالسماح باستيراد قطع السيارات”.

وبالفعل، صادقت حكومة دمشق على تأسيس عدد من الشركات، التي يساهم في إنشائها مستثمرون إيرانيون، وأعلنت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك مصادقتها رسميا، منذ بداية العام وحتى نهاية أيار/مايو، على تأسيس ثلاث عشرة شركة جديدة، بمساهمة مستثمرين من الجنسية الإيرانية.

وحسب موقع “أثر برس”، الموالي لحكومة دمشق، فإن الشركات هذه “أُسست بنسبة مئة في المئة من قبل مستثمرين إيرانيين، ومنها شركة ليفل أب، وديميرايس، واينفو تيك، وسنانورينا، وشاهد العصر للتجارة، والبرز للتجارة، وسامان للتجارة والمقاولات”.

منذر محمد يرى أن “إيران تخطط لاستثمار كل ما يمكن استثماره في سوريا، مستفيدة من عجز حكومة دمشق المالي، وعدم وجود حلفاء لها، في الوقت الذي يرزح فيه الاقتصاد الدولي تحت وطأة أزمات متواصلة. وفي هذا السياق يمكن فهم قرار الحكومة السورية حول تجميع السيارات في سوريا”.

“الخردة” الإيرانية تغزو صناعة تجميع السيارات في سوريا

د.أحمد ناصيف، الباحث والخبير الاقتصادي، يقول لـ”الحل نت” إن “القرار الأخير حول تجميع السيارات في سوريا يمهّد لإغراق سوريا بالسيارات الإيرانية قليلة الجودة، أو الخردة”.

ويوضح أن “عدم توفر البدائل عن السيارات الإيرانية، وخصوصا لصعوبة استيراد قطع غيار للسيارات غير الإيرانية، بسبب العقوبات على دمشق، يجعل من اقتناء السيارات الإيرانية الخيار الوحيد، علما أن الفائدة الاقتصادية ستعود على الاقتصاد الإيراني فقط، إي إنعاش الاقتصاد الإيراني على حساب ما تبقى من اقتصاد سوري”.

وبحسب ناصيف فإن “قرار السماح الجزئي باستيراد قطع تجميع السيارات في سوريا، وحصر ذلك بالسوق الإيراني، من شأنه حرمان السوق السورية من السيارات الأخرى، ذات الجودة المرتفعة”.

مقالات قد تهمك: أهداف إيرانية جديدة في الاقتصاد السوري

القرار يربك أسواق السيارات

وحسب مصادر “الحل نت” في حلب، أسهم قرار السماح باستيراد مكونات تجميع السيارات في سوريا بإرباك أسواق السيارات، التي يحكمها الغلاء المستفحل.

وبيّنت المصادر أن “حالة من الجمود تسود السوق، بسبب انتظار التجار لتأثيرات القرار الجديد على أسعار السيارات”.

من جانبه، وصف يوسف جزائرلي، رئيس “الجمعية الحرفية لصيانة السيارات”، عودة السماح باستيراد مكونات صناعة السيارات بـ”الجيد”، معتبرا أن “القرار سينعكس إيجابا على تنشيط وتحديث سوق السيارات وتصنيعها”.

وأضاف أن “القرار يرفد السوق بقطع مستعملة أو جديدة، من أبواب ومقدمات ومحركات وقطع غيار وإطارات، خاصة بعد شح كبير في هذه القطع خلال السنوات السابقة”. مؤكدا أن “عودة إقلاع معامل السيارات من جديد سيعيد التألق لهذه الصناعة، وستنخفض أسعار القطع وأسعار السيارات إلى نصف القيمة، وستؤدي إلى الحد من احتكار التجّار لهذا المجال”.

 إلا أن هذه التصريحات المتفائلة تصطدم مع واقع صناعة وتجميع السيارات في سوريا، الذي لم يحقق أي تقدم فيما مضى، بحسب تصريحات المسؤولين السوريين أنفسهم، ويبدو من الصعب أن يقدم مساهمة للاقتصاد السوري مستقبلا، خاصة بعد تفصيل القوانين الناظمة للصناعة على مقاس الشركات الإيرانية.

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات