الكاتب المصري بلال فضل.. عن العدمية الإيجابية في زمن صعوبة الكتابة

الكاتب المصري بلال فضل.. عن العدمية الإيجابية في زمن صعوبة الكتابة
أستمع للمادة

قلّة هم “الكُتّاب النجوم” في العالم العربي، ممن ينتظر القرّاء أعمالهم أو لقاءاتهم الإعلامية أو تصريحاتهم، والقادرين على التفرّغ للكتابة بشكل كامل من عوائد بيع مؤلفاتهم، ربما يعود هذا الأمر إلى تراجع دور الكتابة عموماً في العالم العربي لأسباب لا ترتبط بالثقافة بحد ذاتها، بقدر ما ترتبط بالظروف السياسية والاقتصادية الحالية.

وتفرض هذه الظروف، بشكل أو بآخر، دوراً آخراً يمكن للكاتب أن يلعبه في الحياة العامة، خاصة مع سهولة اللقاء بالجمهور ونقاشه والاستماع إليه مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي الواسع، وتحديداً مع الجدل الذي فرضته ثورات الربيع العربي حول دور المثقفين في الحياة العامة و”قيادة الشارع” وغيرها من النقاط الجدلية المُثارة طوال السنوات الماضية.

ولعلّ الكتابة للصحافة، من أبرز ما تدفع الكاتب للانغماس في الشأن العام، وتحديداً إن تحوّل من الصحافة إلى الكتابة الروائية أو الشعر أو الكتابة للسينما والتلفزيون في وقت لاحق، بالإضافة إلى الخوض في معارك يومية مع شخصيات سياسية وفنية وجدالات ونقاشات عميقة.

خلال السنوات القليلة الماضية، قلّة من الكُتّاب من نجح بتحقيق المعادلة المتمثلة بتحقيق ما ذكرته في الأعلى.
بصوت هادئ خرج بلال فضل في شهر رمضان عبر قناته الخاصة في “يوتيوب” بعد غياب ثلاث سنوات عن الظهور الإعلامي المرئي ليلتقي بجمهور ألفه وانتظره واشتبك واختلف معه منذ التسعينيات، ليحقق مشاهدات مرتفعة بالنظر إلى قصر عمر القناة، ويحتل أحاديث الشباب في مصر والعالم العربي.

على عكس ما توقعت، لم يكن التواصل مع كاتب بحجم بلال فضل صعباً، ببساطة طلبت معه الحوار وقبل مشكوراً الحديث عن تجربة، تحتاج إلى صفحات مطولة لتلخيصها، ما بين جدوى الكتابة وتجربة التلفزيون واليوتيوب، وأنواع الكتابة المختلفة التي خاضها فضل.

الكتابة كخلاص شخصي.. للكتابة جدوى دائماً

في إحدى حلقات برنامج “الحكاية والرواية وأشياء من هذا القبيل وخلافه”، الذي نشره الكاتب والسيناريست والصحفي، بلال فضل عبر قناته الشخصية في “يوتيوب”، خلال رمضان الماضي، قال فضل “أنا مخلص للكتابة”، وبقدر ما تبدو هذه الجملة اعتيادية باعتبار أنها تصدر من كاتب متمرس يعيش من الكتابة التي خاض أنواعها المتعددة، تبدو غريبة في زمن تراجع فيه دور القراءة والكتابة وربما ما عاد للكتّاب دورهم السابق.

الوضع الحالي للكتابة يدفع أي كاتب شاب للتفكير “ما هي جدوى الكتابة”؟ وهو ليس سؤالاً اعتباطياً في ظل الأزمات المعقدة والطويلة التي يعيشها المثقفون ودور النشر والكُتّاب والقرّاء على حد سواء في العالم العربي، وتراجع دور القراءة وأعداد القرّاء كذلك، خاصةً أنه لا توجد إحصائيات وبيانات خاصة بهذه النقطة تحديداً.

يقول بلال فضل لموقع “الحل نت” إنه “لا يمكن الحكم على الوضع الحالي باعتباره ظاهرة عامة، ومن تجربتي الشخصية، كانت روايتي الأخيرة ناجحة (الحديث هنا عن رواية أم ميمي)، رغم صعوبات التي واجهتها وانتشار النسخ المقرصنة عبر الإنترنت، لكن عندما طُرحت على التطبيقات الإلكترونية والمواقع الرسمية اختلف الأمر”.

ويضيف “صحيح أنه بدرجة أقل كثيراً من طموح أي كاتب عربي، لكن لا يمكن أن نفصل الأمر أيضاً عن طبيعة الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تجعل الملايين لا يملكون الوقت للقراءة في زحمة الحياة، ومن يشعر بانعدام الجدوى في ظل تراجع الأوضاع السياسية، بعد الزخم الكبير بعد الثورات العربية”.

من لديه حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي ويتابع ما يكتبه الكتاب العرب ونشرهم لإحباطاتهم، يستطيع ببساطة فهم أهمية وصعوبة الحديث عن الأمل في الكتابة، وخاصة من الكتاب الشباب، وفي هذه النقطة يرى فضل بأن “الكتابة هي شيء شخصي، أكتب لأن هذا الأمر هو ما أحبه وهو ما اخترت أن أعيش بها، لذا دائما أتصرف وفق منطق أفضل المتاح الذي يمكن فعله، في النهاية لست مقياساً، فمن يقرأ لي اليوم يجمعني به صحبة من سنوات طويلة وبالتالي ربما تجربتي لا يمكن الحكم عليها، وبالنسبة لي الكتابة هي الاختيار والخلاص الشخصي والشيء الوحيد الذي أحب عمله”.

هل من جدوى للكتابة؟ ومبدأ الجدوى يأتي هنا فعلياً من نقطتين، العام والخاص، العام الذي يرتبط بتأثير الكتابة والأفكار والنقاشات وغيرها مما يتصل بالكتابة ونتائجها، وعلى المستوى الشخصي للكاتب وشعور الرضا المادي والمعنوي الذي سيحصل عليه في النهاية.

يجيب بلال فضل في حديثه مع موقع “الحل نت” على هذا السؤال بقوله “الكتابة على المستوى العام مجدية حتى في الظروف الحالية لما خاف منها الحكام، وعلى المستوى الشخصي مجدية أيضاً، حتى عندما منعت من العمل في السينما والتلفزيون اتجهت للكتابة في المواقع الإلكترونية وكلها كانت تعطيني مقابلاً لأعيش، وبالتالي لو لم أكمل مسيرتي وانشغلت بالإحباط والسؤال حول جدوى الكتابة لربما لما استطعت الوصول إلى مرحلة بأنني امتلك قراء يجعلونني أعيش، واليوم نرى أشخاصاً أصبحوا نجوماً على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من كتاب يقبضون مئات الدولارات على المقال، لذا ما زلت أعتقد أن الكاتب يمكن أن ينجح وأن يكون لديه جمهوره”.

ولفت فضل في حواره إلى أن حديثه “لا ينبع من مبدأ التنمية البشرية والحديث من نوعية طاردوا أحلامكم، أنا أؤمن بالعدمية الإيجابية، لا أعلم إن كان سيكون هناك ناتج حقيقي مما أفعله لكنني أيضاً لا أهتم، أنا أعمل وانتهى الأمر، لا أستطيع التحكم بمسار الأشياء لكنني أستطيع التحكم بنفسي بما يمكنني فعله”

أنواع الكتابة المختلفة وتحدي الكاتب لأدواته وذاته

بقدر ما تبدو الكتابة في ظاهرها عملية سهلة، إلا أن الدخول في تفاصيلها وآلية عملها يُظهر تعقيداً “ممتعاً” لكثير من الصحفيين والكُتّاب، خاصةً مع اختلاف الأنواع الصحفية بين المكتوب والمسموع والمرئي، وهي اختلافات تحمل من الفروقات ما بينها الكثير، كذلك فإن الكتابة لغير الصحافة (الشعر والأدب والسينما)، إذ أن لكل نوع من هذه الأنواع خصائصه المختلفة، لذا فإن التنقل بينها ليس سهلاً حتى لو كان الكاتب موهوباً ومتمكناً من أدواته.

بدأ بلال فضل عمله في الصحافة في تسعينيات القرن العشرين، ونشر عدة كتب وأعمال أدبية ، ، قبل أن يتوقف عن الكتابة للصحافة ويتفرغ لكتابة السيناريو للسينما.

ومن مؤلفات بلال فضل (بني بجم- ماذا فعل العيّان بالميت- الشيخ العيل- السكان الأصليين لمصر- حتى مطلع الفجر- أم ميمي وغيرها) فيما كتب للسينما عدة أفلام منها (واحد من الناس- أبو علي- خارج على القانون) بالإضافة إلى عدة أفلام أخرى.

ويرى بلال فضل في حواره مع “الحل نت”، “إن تحدي الكاتب في امتلاك أدواته هو التحدي الذي لا ينقطع طيلة العمر، على اعتبار أن تحدي رأي الآخر هو رأي محسوم وليس مهماً وجربته عبر العديد من المعارك”.

ويضيف فضل “كيف أكتب رواية؟ وما هي الأدوات والشكل الروائي للكتابة المختلفة عن الكتابة الساخرة؟، كيف أستفيد من تقنيات السينما في الرواية؟ هذه كلها تجارب تغنيك بطبيعة الحال”.

أثارت رواية “أم ميمي”، الصادرة عن دار المدى عام 2021، الجدل لنقطتين أساسيتين، الأولى تتعلق “بالألفاظ والشتائم” الغير معتادة عموماً في الأدب العربي، والثانية تتعلق باللغة المستخدمة في سرد الحكاية، والتي خرجت عن اللغة العربية “الرصينة” واتجهت أكثر إلى الخلط ما بين العامية المصرية والعربية الفصحى.

عن الشتائم في روايات أدبية

سألت بلال فضل عن الشتائم الواردة في الرواية (التي اختيرت ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العالمية لرواية العربية 2022)، وأجاب بأن “الخروج الاضطراري من مصر في عام 2014، وانتقاله للعيش في الولايات المتحدة الأمريكية هو منحة وليست محنة، لأنه حاز على الفرصة للخروج من القيود المفروضة على أي كاتب في المجتمع العربي والمصري، بأن عليه الالتزام بـ(الكود الأخلاقي) الذي حاولت تحديه مراراً مذ كنت أكتب في صحيفة الدستور، عبر التحايل في إطار الممكن”.

ويضيف “كل اللهجات العربية تحتوي على غنى لغوي غير عادي وصدق تعبيري مدهش، وللأسف هناك انفصال بين الطريقة التي يعيش فيها الناس وكتابة الأدب الذي يصور كيف يعيش الناس، ورواية أم ميمي كانت مكتوبة كمشروع في إطار سقف (الكود الأخلاقي)، وبعد سفري وبداية فصل جديد من حياتي لم أعد مضطراً للمشي طبقاً لـ(أكواد أخلاقية) مزدوجة ومنحطة وظالمة وفيها تزييف لحقيقة الواقع، وكان للرواية نصيب أن تكتب كما ينبغي لها أن تكتب”.

ويرد فضل (المولود في مدينة الإسكندرية عام 1973) على الاتهامات الموجهة له بأن استخدام الشتائم هي خطة موضوعة ومتعمدة بالقول “آخر كتبي (خلطة جديدة للرز بالشعيرية)، لم يحتوي سوى شتيمتين فقط! وبالتالي هي ليست خطة موضوعة بقدر ما أن رواية أم ميمي تقتضي أن تُكتب بهذا الشكل، وأرى أن تفاعل القراء الإيجابي مع الرواية هو انتصار للصدق الفني والمضي بخطوات أبعد عن الازدواجية، ولست من بدأ هذا الأمر بالأساس، إذ ستجده في مؤلفات أبو حيان التوحيدي وفي الأدب العالمي والعربي”.

في أوقات سابقة، كان من أهم أدوات الكاتب هو طريقة استخدامه للغة العربية الفصحى في الكتابة واستخدام المصطلحات الدالة على البلاغة، إلا أن هذا الأمر يختلف في رواية أم ميمي، ولو أن هذه النقطة لا تدين أو تضعف من الرواية، لكن المزج فيها بين الفصحى والعامية يثير انتباه القارئ، وعلى هذه النقطة علّق فضل “لدي طموح فني كيف أقرّب وأصل إلى لغة حكاية تمزج بين الغنى والثراء الموجود الفصحى وفي العامية ويتواجد كلاهما في الرواية، وعندما يتحدث السارد يتحدث باللغة العربية الفصحى السليمة وفيها مصطلحات عامية، ثم تسمع أصوات الشخصيات الموجودة في الواقع دون تزييف، هذا الرهان كان صعبا وتجد من يحبه ومن ينفر منه وأعتقد أن الناس أدركت اللعبة وأحبتها”.

اليوتيوب وأهمية الأرشيف.. تجارب مختلفة عن الكتابة

إلى جانب أعمال بلال فضل الروائية والمؤلفات وسيناريوهات السينما، قدّم بلال فضل برنامجين على المحطات التلفزيونية، الأول هو برنامج “عصير الكتب”، والثاني “الموهوبون في الأرض”، والأخير كان بالأساس سلسلة مقالات صحفية كتبها بلال فضل قبل أن تتحول إلى برنامج من خمسة مواسم، انتهى عرضه في 2019، تحدث فيه عن سير ذاتية لفنانين مصريين وعرب، وحاز انتشاراً واسعاً عبر “يوتيوب”.

مؤخراً ظهر بلال فضل بعد غياب ثلاث عبر قناته الخاصة في “يوتيوب”، ويقدم من خلالها عدة برامج، كان أبرزها في رمضان الماضي برنامج “الحكاية والرواية وأشياء من هذا القبيل وخلافه”، روى فيه جانباً من سيرته الذاتية، بما في ذلك علاقته مع الفنانين عادل إمام وكريم عبد العزيز.

ويمكن ملاحظة أن أداء بلال فضل في البرنامج الأخير، مختلف كلياً عن الموسم الأخير من “الموهوبون في الأرض”، يبدو فيه أكثر حرية وسلاسة وارتجالاً، وهو ما يزيد من فكرة أن بلال فضل صديق للمشاهد يجلسان على القهوة للدردشة، وهذا ليس رأياً شخصياً، بل يمكن قراءة الجملة نفسها في التعليقات الموجودة على الحلقات في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.

لكن السؤال، ما الذي يدفع بلال فضل لتلخيص تجربته وسيرته الذاتية عبر “يوتيوب”؟ للسؤال إجابات عدّة، أبرزها “سداد الدين القديم للأساتذة الكبار”.

ويشرح بلال فضل العبارة السابقة بقوله ” كنت حسن الحظ بأن يكون لي أساتذة و(شيوخ كار)، تحولوا مع الوقت إلى أصدقاء وأخوة كبار، لما تعامل معي عادل إمام وصلاح السعدني وفاروق عبد القادر ومحمود عوض ورجاء النقاش، بمنطق الدعم والمساندة؟ لم تكن موهبتي متحققة لنقول أنهم يراهنون عليّ، لكنهم كانوا يسددون ديناً أسداه إليهم جيل أكبر عندما كانوا في سن الشباب وجدوا من يساعدهم ويدعمهم ويحتضنهم”.

ويضيف فضل “المشكلة أن الحياة أصبحت ظروفها أصعب وعدد الناس أكبر، أحاول عندما أجد الفرصة أن أساعد وأعطي خبرة للكتاب الشباب، لكن لدي إحساس بأنني لم أفعل القدر الكافي كما فعل معي الأساتذة التي تعلمت على يديهم، لذا جاءت قناة اليوتيوب كحل، وبدلاً من أعطي الشباب دروساً في التنمية الذاتية، ومواعظ ونصائح، أستطيع أن أخبرهم ما الذي رأيته وعرفته وخضته ككاتب سيناريو أو كاتب صحفي أو كيف أنقصت وزني أو تجاربي العائلية والعاطفية، هذه الميزة التي يتيحها اليوتيوب، بدلاً أن تقدم عنصر الخبرة ونقلها (وعملية النقل هي جزء أساسي للتحضر)، لشخص واحد، تقدم هذا الأمر بشكل أوسع وأفضل، والقناة اليوم تؤدي دور مهم مزدوج، بين سد الدين وبين توثيق خبرتي وتجاربي لتكون صالحة للنقد أو الدراسة أو التحليل”.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول ثقافة