الخدمة الإلزامية في درعا: ما مصلحة إيران من تفريغ المحافظة من شبابها؟

الخدمة الإلزامية في درعا: ما مصلحة إيران من  تفريغ المحافظة من شبابها؟
أستمع للمادة

شكّل قرار تأجيل الخدمة الإلزامية في درعا، رقم 5343، والذي صدر في نيسان/أبريل 2021، مدخلا مهما لأبناء محافظة درعا للحصول على موافقات السفر، واستخراج جوازات للخروج من سوريا إلى دول أخرى، في محاولة للبحث عن حياة أفضل.

وجاء القرار، الصادر عن المديرية العامة للتجنيد، والذي اعتبرته ترسيخا للمصالحات في درعا، لمدة عام واحد، وانتهى في نيسان/إبريل 2022، ليجد من تبقى من أبناء المحافظة أنفسهم أمام خيارات محدودة مرة أخرى، أبرزها الالتحاق بالخدمة العسكرية؛ أو عدم الالتحاق، وبالتالي الملاحقة الأمنية؛ أو الانضمام لإحدى الميليشيات العاملة في المحافظة.

ويبدو أن أطرافا عديدة، على رأسها إيران، تحاول الاستثمار في ملف الخدمة الإلزامية في درعا، وما له من نتائج اجتماعية وسياسية.

الخدمة الإلزامية في درعا وإفراغ المحافظة

شهدت محافظة درعا، خلال العام الماضي، موجة كبيرة من السفر إلى عديد من الدول، أبرزها بيلاروسيا، مصر، الإمارات، إقليم كردستان العراق، ليبيا، تونس، وأي دولة تمنح السوريين تأشيرات دخول. ولم يبال من سافر من المحافظة بما ستكون عليه الحياة في البلد الجديد، إذ تُعتبر معظم هذه الدول محطات مؤقتة للانتقال لدول أخرى لطلب اللجوء. ولعل الهرب من الخدمة الإلزامية في درعا كان أحد أهم دوافع الهجرة.

ويرى أيمن أبو محمود، الناطق باسم “تجمع أحرار حوران”، أن “أحد أهم الوسائل لتحقيق المشروع الإيراني في الجنوب هو العمل على تفريغ المحافظة من فئة الشباب، لتسهيل السيطرة وبسط النفوذ. وبالفعل، غادر آلاف الشباب المحافظة قبل انتهاء مدة الإعفاء من الخدمة الإلزامية في درعا، في نيسان/إبريل الماضي”.

ويضيف أبو محمود، في حديثه لـ”الحل نت”، أن “الحكومة السورية بدورها حصّلت عائدات مادية كبيرة من عمليات استخراج، وتجديد جوازات السفر، فإضافة إلى التكلفة الرسمية المعروفة لرسوم جواز السفر، اضطر أبناء محافظة درعا لدفع مبالغ كبيرة جدا، على هيئة رشاوى لضباط، وعناصر مديرية الهجرة والجوازات، من أجل الحصول على دور لتجديد الجواز. وفي بعض الحالات وصلت تكلفة استخراج جواز السفر إلى نحو ألف ومئتي دولار، في حين أن قيمة رسومه المعتمدة لا تتجاوز المئة ألف ليرة”.

إيران تضغط على الأهالي بعد تخلي روسيا عن التسوية

وتتمتع إيران بسلطة قوية في محافظة درعا، من خلال تغلغلها في مختلف مؤسسات المحافظة، وخاصة الأمنية والعسكرية، فهي قادرة على استغلال مختلف الظروف، والقرارات التي تصدر عادة عن دمشق، والتي تأتي بتوجيهات روسية، باعتبار موسكو جهة ضامنة لعمليات التسوية في المحافظة.

ولكن مؤخرا، ومع انتهاء المهلة الأخيرة للمطلوبين للخدمة العسكرية والمنشقين، لم تصدر أية توجيهات روسية جديدة لاستمرار التهدئة، بعد أن توقّع كثيرون أن موسكو ستدفع الحكومة السورية لمنح مهلة أخرى.

وأصدرت اللجنة الأمنية في درعا قرارا، مطلع شهر نيسان/إبريل الماضي، يقضي بالبدء بإجراء عمليات تسوية أوضاع العسكريين المنشقين أو الفارين، حسب تسمية السلطات. وجاء في نص القرار أنه “نظرا لاقتراب انتهاء المدة الممنوحة، وتسهيلا للإجراءات اللازمة ،والضرورية بحق العسكريين الفارين من وحداتهم، سيتم افتتاح مركز لاستقبال العسكريين الفارين، والراغبين بتسوية أوضاعهم. وسيتم تزويد العسكريين بقرارات ترك قضائية، تصدر عن السيد قاضي الفرد العسكري بدرعا، ومنحهم المهمات اللازمة من أجل الالتحاق بوحداتهم، خلال مهلة قانونية، مدتها خمسة عشر يوما من تاريخ الاستلام”.

وفي هذا السياق، تستطيع إيران الضغط على أبناء المحافظة من جهات مختلفة، إذ أن معظم الشبان يرفضون الالتحاق بالخدمة الإلزامية في درعا، مدنيين كانوا أم منشقين. فالمدنيون يعتبرون الالتحاق بالخدمة العسكرية ضياعا لمستقبلهم، لأن مدة الخدمة غير محددة، ومن الممكن أن تتجاوز خمس سنوات، إضافة إلى الخوف من الاعتقال، أو الزّج بهم على جبهات إدلب، وريف حماة الشمالي.

أما المنشقون فباتوا لا يثقون بالأجهزة الأمنية، فوفقا لتجارب عشرات المنشقين، ممن التحقوا بالتسويات بموجب قوانين العفو السابقة، من الممكن أن يتعرض المنشق للاعتقال، والإرسال إلى سجن صيدنايا العسكري، حيث مات عديد من المنشقين تحت التعذيب.

وفي التاسع عشر من نيسان/إبريل الماضي، تسلّم أهل المعتقل ياسين أبو ركبة جثة ابنهم، وهو عسكري منشق، يبلغ من العمر أربعة وثلاثين عاما، وينحدر من مدينة إزرع في ريف درعا. وكان قد قام بتسليم نفسه عقب تسوية عام 2018، في مركز الشرطة العسكرية في دمشق، لكن بدلا من إعادته للخدمة العسكرية، أُرسل إلى سجن صيدنايا العسكري، وبقي فيه أربع سنوات، ليقضي هناك تحت التعذيب.

وحسب مكتب التوثيق التابع لـ”تجمع أحرار حوران”، فقد تم تسجيل مقتل 102 شابا من أبناء محافظة درعا تحت التعذيب، في مراكز الاحتجاز التابعة للحكومة السورية، وأبرزها سجن صيدنايا العسكري، منذ سيطرة دمشق على المحافظة في تموز/يوليو 2018، حتى نهاية شهر آذار/مارس الفائت.

تجارة الفرار من الخدمة الإلزامية

ونتيجة لهذه السياسة، التي تتّبعها دمشق وأجهزتها الأمنية، فإن معظم أبناء المحافظة يبذلون كل جهودهم للابتعاد عن الخدمة الإلزامية في درعا، إما نحو الشمال السوري، أو نحو لبنان، ومنها إلى أربيل.

مصدر مطلع في درعا أفاد لموقع “الحل نت” أن “عمليات تهريب أبناء المحافظة إلى لبنان، أو الشمال السوري تتم عبر قياديين في حزب الله اللبناني، بالتعاون مع ضباط في الأجهزة الأمنية السورية، والفرقة الرابعة. إذ يتفق الهاربون مع سماسرة تابعين لهذه الجهات، على الأجور المتعلقة بالنقل، وضمان عدم توقيفهم على أي حاجز أمني. وتختلف الأجور حسب حالة الشخص، وعمله وخلفيته، فالعسكري المنشق، أو المتخلّف عن الخدمة الإلزامية في درعا تبلغ تكلفة خروجه إلى لبنان أو الشمال السوري نحو ألف وثمانمئة دولار، بينما تبلغ تكلفة نقل المدني، غير الراغب بالخدمة العسكرية، ما بين سبعمئة وألف دولار”.

وأضاف المصدر، الذي فضّل عدم كشف هويته، أن “حزب الله، وضباط الأمن السوريين، يجنون مبالغ كبيرة جدا من عمليات تهريب شبان درعا”. مؤكدا أن “عمليات التهريب لا تقتصر على الفارين من الخدمة الإلزامية في درعا، فهناك فارون بسبب اتهامهم بجرائم جنائية، وهؤلاء تتراوح أجور نقلهم ما بين ألفين وألفين وخمسمئة دولار للفرد. كما أن هناك عمليات تهريب لأشخاص مرتبطين بتنظيمات متطرفة، وتبلغ تكلفة نقل الشخص الواحد منهم ما بين ثلاثة آلاف وخمسمئة وخمسة آلاف دولار”.

ويشير المصدر إلى “وجود عمليات تهريب معاكسة، تتم من لبنان والشمال إلى الجنوب السوري بشكل عام، ويتم دفع تكاليف مماثلة خلالها”.

ويرى مراقبون، أن القرارات المتعلقة بالخدمة الإلزامية في درعا ،تصب جميعها في مصلحة إيران بشكل عام، التي تسعى لجعل درعا منطلقا لتجارة، وتهريب المخدرات، وتحويلها إلى ورقة ضغط سياسي وأمني على الدول المجاورة.

وما يزال الأهالي يعوّلون على صدور قرار جديد، يقضي بتمديد تأجيل الخدمة الإلزامية في درعا، ليتمكنوا بموجبه من السفر. في الوقت الذي بات فيه الخوف سيد الموقف في المحافظة، التي لم يعد بإمكان أبنائها، التنقل فيها بعد الآن عبر الحواجز الأمنية، ما سيؤدي إلى توقف أعمالهم، في ظل أوضاع اقتصادية متدهورة. فضلا عن الفلتان الأمني، وعمليات الاغتيال، التي باتت تطال الكثيرين، في تصاعد مستمر منذ بداية العام الحالي.

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات