إيران تنافس روسيا في الملف السياسي السوري.. ما الذي يحصل؟

إيران تنافس روسيا في الملف السياسي السوري.. ما الذي يحصل؟
أستمع للمادة

من جديد يعاد طرح التساؤلات حول مساعي طهران لإضعاف الوجود الروسي في الملف السياسي بسوريا، لاسيما بعد تكرار التصريحات والتقارير حول تأثير الانسحاب الجزئي للروس من سوريا بسبب غزو أوكرانيا، لكن التحركات الإيرانية تبقى محط التساؤل دون التأكيد على قدرة إيران الكاملة على منافسة روسيا لاسيما في ظل الضغوط الإقليمية والدولية الرافضة لأي دور إيراني في المنطقة ولاسيما في سوريا.

بناء على ما سبق يجدر التساؤل حول معاني تحرك إيران لخلق دور وساطة بين أنقرة ودمشق من أجل تأسيس مسار علاقات جديد بين الطرفين، ما يعني بأي حال من الأحوال أن تحرك إيران بمعزل عن روسيا الغاضبة على تركيا حاليا بسبب التبعات السياسية لغزو أوكرانيا، وموقف أنقرة من توسيع أعضاء “حلف الناتو”.

من هذا المنطلق، هناك العديد من التساؤلات حول ما إذا كانت الجهود الإيرانية يمكن أن تستمر بمعزل عن روسيا لإقناع أنقرة بحل مشاكلها الأمنية مع دمشق، إلى جانب المساعي الخفية التي تقف وراء أهداف طهران من أجل حل المشاكل الأمنية بين أنقرة ودمشق، والتي يمكن اعتبارها تتعدى مسألة العملية العسكرية التركية المحتملة في مناطق من الشمال السوري.

انكشاف الخلافات الإيرانية-الروسية

في تقرير لمركز “جسور للدراسات” بيّن أنه وفي ضوء دعوة طهران على لسان وزير خارجيتها أمير حسين عبد اللهيان، للوساطة بين أنقرة ودمشق لحل المشاكل الأمنية، فإن المؤشرات الكافية غائبة لقبول أنقرة بتأسيس تعاون أمني أو سياسي مع حكومة دمشق، لما لذلك من تداعيات تتضمن الاعتراف بشرعيتها.

الأكاديمي والباحث في الشأن الإيراني، هاني سليمان، يرى خلال حديثه لـ”الحل نت” بأن “إيران من أهم الدول والجهات الفاعلة الإقليمية التي كان لها دور مؤثر في المنطقة خاصة خلال السنوات العشر الماضية، ويمكن لها أن تنطلق من رسم وهندسة سياساتها وتحقيق مصالحها كونها من الدول التي لديها مشروع أيديولوجي، وبالتالي، فإن فكرة البحث ودور وتوظيف كافة الأدوات، هي أهم المسارات التي تحكم تحركاتها، في على ضوء وجود تحالفات لدول مع إيران ولكنها ليست مستقرة وكافية”.

وأردف الباحث في الشأن الإيراني، بأن “أحد هذه التحالفات أو العلاقات هو العلاقة الإيرانية الروسية، لذلك من الواضح كان هناك مسار وتنسيق بين الإيرانيين والروس في دعم حكومة دمشق، ولكن في النهاية لم يكن ذلك بعيدا عن وجود العديد من المشاكل بين الطرفين، وكان هناك توجس روسي كبير من التحركات الإيرانية على مستوى التغيير الديموغرافي على الأرض السورية، وهناك ربما كانت خلافات طفيفة وغير معلنة وغير مباشرة بين إيران وروسيا، والتي ربما تكون قد تعاظمت لاحقا، بعد تنامي الميليشيات الإيرانية وتوسعها بشكل كبير، وبالتالي هذا ما أقلق الجانب الروسي”.

وبحسب سليمان، فإنه “من المحتمل أن تكون إحدى أهم الخطوات التي أظهرت وكشفت هذه الخلافات، هي بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، وأيضا عندما لوحت إيران وبعض الدول الأخرى مثل فنزويلا لدول الغرب لتصدير نفسها، كبديل لروسيا من حيث تصدير النفط والغاز إلى الاتحاد الأوروبي، كما وإيران مارست نوعا من الضغط في هذا الملف، وأعتقد أن هذه نقطة مهمة كشفت مدى الخلافات وتضارب المصالح بين الجانبين الروسي والإيراني”.

قد يهمك: لماذا تريد إيران إعادة العلاقات بين دمشق وأنقرة؟

قيادة مسار مغاير

إن النقطة المهمة، وفق تقدير الباحث في الشأن الإيراني، هو إعلان وزير الخارجية الإيراني عن الوساطة بين إعادة العلاقات بين أنقرة ودمشق. مشيرا إلى أنها خطوة مهمة في هذا الوقت لتظهر مدى الفجوة وعدم الترابط في العلاقات الإيرانية والروسية، “في أوقات الحروب والأزمات هناك هامش من المرونة والمراوغة من بعض الجهات الإقليمية والدول تعمل على تحقيق مصالح معينة على حساب مصالح بعض الحلفاء، وهذا واضح من التحركات الإيرانية الحالية، بالنظر إلى أنها تريد أن تقود مسارا أحاديا ومختلفا بشكل فردي فيما يتعلق بالعلاقات التركية السورية”.

وأضاف بالقول: “هذه المساعي الإيرانية الحالية، تأتي في ظل استغلال تراجع الدور الروسي في سوريا، نتيجة انشغال الأولى بالحرب الأوكرانية، وأعتقد أن إيران هنا تمارس براغماتية حادة وبحتة فيما يتعلق بمصالحها واستغلالها الظروف الزمنية، وهذا بالتأكيد له تداعيات سلبية سريعة على العلاقات الإيرانية الروسية في هذا التوقيت”.

وعليه، وبحسب سليمان ، فإن إيران تحاول توظيف كل الأدوات، بالنظر إلى أنها تواجه معركة شرسة مع الغرب بشأن الملف النووي، ومع الولايات المتحدة الأميركية، لكنها في النهاية تمنح نفسها فرصة وتقدم نفسها كبديل ومفتاح للعلاقات التركية السورية، وهذا بالطبع يضغط الجانب الروسي.

البحث عن بدائل وتحالفات جديدة

بحسب مركز “جسور للدراسات”، فإن مبادرة إيران للوساطة بين دمشق وأنقرة يبدو أنها لا تعكس مجرد السعي لتجنب العملية العسكرية في سوريا، بل ضمان عدم تهديد نفوذها خاصة في محافظة حلب الاستراتيجية، ومحاولة إحداث اختراق في موقف تركيا إزاء العلاقة مع دمشق، إضافة إلى استثمار الظروف الراهنة من أجل إعادة الثقة لإمكانية نجاح التنسيق الثنائي بين البلدين في إدارة الخلافات، بعد مخاوف طهران من تدهور العلاقات بين البلدين في ظل تقارب أنقرة مع تل أبيب، واستخدام طهران للأراضي التركية لتنفيذ عمليات اغتيال ضد شخصيات إسرائيلية.

وبالعودة للباحث في الشأن الإيراني، هاني سليمان، فإنه و”بالرغم من بعض المحاذير والحسابات التركية مع الجانب السوري، لكن في النهاية أعتقد أن الظروف الدولية والإقليمية تعطي مساحات ومرونة لدول مثل إيران وتركيا للبحث عن بدائل، وسط غياب القوالب والتحالفات الثابتة، وأعتقد أن كل طرف هنا يحاول توظيف أدواته لتحقيق مصالحه”.

إن سعي طهران لإعادة العلاقات بين أنقرة ودمشق (حسب اعتقاد سليمان)، يتجاوز مسألة العملية العسكرية التركية المحتملة في شمال سوريا، وإنما هناك أهدافا أخرى؛ سياسية، وهي تثبيت وتعظيم الدور الإقليمي الإيراني، واستخدام ذلك لتوظيف ملفات أخرى، للحصول على مكاسب مثل الملف النووي الإيراني أو المحادثات مع دول الخليج.

لذلك، فإن أهداف إيران في هذه المساعي تتجاوز بكثير العملية العسكرية التركية، “هنا المنطقة أمام إعادة هندسة المصالح وترتيب الأوراق وإعادة ترتيب الأولويات، في ظل تغير السياسة التركية، وتحديدا علاقاتها بالخليج، والأزمة الدولية الحالية، فكل هذه الدول وإيران من بينها، سوف توظف أدواتها وإمكانياتها والاستفادة من هذه المتغيرات لتبديل الأدوار وإعادة رسم شبكة من التحالفات لضمان مصالحها”. وفق الباحث في الشأن الإيراني.

لطالما راهنت كل من إيران وروسيا على نجاح الضغط على تركيا في السابق، من أجل تنفيذ البنود المتبقية من اتفاقية “سوتشي”، وعلى وجه الخصوص فتح الطريق الدولي “إم 4″، نحو استعادة الحركة التجارية على هذا الطريق الحيوي، التي أصبحت من أولويات دمشق وحلفائها لأكثر من عامين. لكن مع انشغال روسيا بالحرب الأوكرانية، اتضح أن أطماع إيران ستتجلى بالسعي للسيطرة على الفراغ الروسي في سوريا، ومن ثم السعي لترسيخ نفوذها أكثر بإعادة العلاقات بين دمشق وأنقرة، والسيطرة على مفاصل أهم المناطق الاستراتيجية. لكن، يبدو نجاح هذا الأمر بعيد المنال، في ظل وجود رفض دولي وإقليمي لتعويم دمشق ما لم تخرج عن عباءة إيران، وكذلك فضلا عن عدم جدية دمشق في تفعيل سبل حل سياسي شامل.

قد يهمك: العلاقات السياسية بين دمشق وأنقرة.. هل من جديد؟

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول أخبار سوريا المحلية