العراق.. هل يُعارض مقتدى الصدر إيران؟

العراق.. هل يُعارض مقتدى الصدر إيران؟
أستمع للمادة

بالضد من إيران التي تمثل له عمقا، وعلى نحو مشابه يقف بوجه تركيا، والأقرب إلى الشارع العراقي وتطلعاته لمستقبل تقدمي – ديمقراطي، يحاول أن يظهر زعيم “التيار الصدري” مقتدى الصدر، الذي ربما يستمد إلهامه إلى كل ذلك من “المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية آية الله الخميني”، فهو يريد أن يكون مثله. هكذا وصف تقرير يسلط الضوء على الصدر وتحركاته في محاولاته لأن يكون الزعيم الأوحد في العراق لمجلة “فورين بوليسي الأميركية“.

حيث يفعل الصدر ومن قبله والده مثلما فعل الخميني في إيران، في بناء قاعدة مؤيديهما على شعبيتهما بين شيعة العراق “المستضعفين“، التي يقول التقرير عنها إنها كلمة استخدمها الخميني وغيره لوصف الإيرانيين الذين أهملهم النظام الملكي، والذين باسمهم قامت الثورة الإيرانية.

ويضيف أن الصدر استخدم ذكائه في صياغة سياساته استنادا على المشاعر المتنامية في العراق والشرق الأوسط ككل، برغبتهم بحكومات براغماتية يمكنها توفير فرص عمل للشباب وإصلاح المؤسسات الدينية وتعزيز الخدمات العامة، والابتعاد عن أيديولوجية الحركات الدينية المسيسة، مع إدراكه الواسع لتاريخ وقوة الاحتجاجات الشعبية في إطاحة الأنظمة، فهو هكذا يحاول أن يمسك بكل الخيوط لأن يكون زعيما على شاكلة الخميني.

ورغم تلك المساعي للزعامة، غير أن التقرير يشير إلى أن الصدر مثل الخميني قبله، رغم جهوده لاغتنام الفرصة، بقي مقيد بصورته من حيث تاريخ عائلته وخلفيته الدينية وشكل معين من السياسات الإسلامية الشيعية.

وتربط “فورين بوليسي” محاولات الصدر بتاريخ عائلته ومناهضتها لنظام صدام حسين وعلاقتها بإيران و”ثورة الخميني”، حيث يسعى لترجمة أفكار عمه ووالد زوجته محمد باقر الصدر بعد 40 عاما، قائلة إنه “ينحدر من عائلة عريقة من رجال الدين الشيعة العراقيين، كما أن أحد أعمامه الأوائل كان من بين قادة الثورة العراقية التي قامت عام 1920“.

وتقارن المجلة في تقريرها بين سياسات الصدر والخميني التي ما تزال تخضع لتحليل وتفسير منذ فترة طويلة، والتي خدمت الخميني في مساعيه لحشد الشعبية قبل ثورة 1979 واختطافها بعد ذلك، من خلال الأفكار التي أثارها بتشكيلة شعبوية من الإسلاموية الشيعية والماركسية والخطاب الشعبي المناهض للاستعمار والغرب وإسرائيل.

وتعليقا على ذلك، يقول المهتم في الشأن السياسي العراقي، علي العادلي، لموقع “الحل نت“، إن “ما تحدث عنه التقرير كان دقيقا جدا، لاسيما فيما يتعلق بطموحات الصدر بالزعامة الواحدة وعلاقته مع إيران“.

اقرأ/ي أيضا: العراق.. لماذا تخاف إيران من مقتدى الصدر؟

مقتدى الصدر ولعبة الاحتجاج

كما يضيف أنه “في بدايات الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت البلاد في أواخر العام 2019، أدرك الصدر حجم المشهد بذكاء، ما دفعه لترك منافسيه ومن عملوا على مدار السنوات الماضية على محاولات اضعافه، ينزلقون في ظلمات المشهد الذي لم يستوعبونه“.

لذلك “ترك الصدر باقي منافسيه من الشيعة والذي يرتبطون بإيران بشكل وثيق، ويمثلون مصدر الثقة في التعاملات، يذهبون لمواجهة الحراك الاحتجاجي ليتم سحقهم شعبيا وهذا ما حصل بالفعل، ليبقى هو وحده في المشهد العام ويضطر الجميع للتعامل معه“.

العادلي تابع أن “بعد ذلك ترك الصدر إيران بمواجهة حقيقية أمام المد الجماهيري العراقي الوطني الذي كان واضحا حجم سخطه على طهران وعملائها، ما شكل تهديدا حقيقيا للوجود الإيراني في العراق في لحظات عجز الجميع على كبح رغبات الجماهير ليظهر الصدر وحده منقذا، وطرفا“.

واستدرك: “أتاح ذلك للصدر أن يظهر كطرف متزن يمكن لجميع الأطراف التعامل معه، سواء على المستوى العربي أو الدولي الذي كان داعما للاحتجاجات التي وقف الصدر لجنبها في البدايات بشكل مخادع، وحتى إلى إيران لأنه وحده من سيثبت في الأخير قدرته على إنقاذ وجودها من خلال قمع الغضب الجماهيري عليها بشكل مباشر وغير مباشر“.

وأردف: “كان الصدر يفعل كل ذلك بالتوازي مع طموحاته في الزعامة الشيعية، حتى حلم المرجعية التي يعتقد أن آل الصدر هم الأحق بها قبل أن يتم تحييدهم عن ذلك المشهد في حياته والده، بالتالي هو يرى أن الوقت الآن هو المناسب لتحقيق كل تلك الأحلام، فهو يعلم جيدا لا يمكنه المزايدة على المرجعية من دون نفوذ حكومي وهذا ما يحاول فعله الآن بالسطو على الحكومة بشكل تام، مع تقدم المرجع الأعلى الحالي للشيعة علي السيستاني في العمر، ما يخلق فرصة جيدة لتحقيق طموحاته“.

اقرأ/ي أيضا: الخطاب الأخير.. ما الذي يريده مقتدى الصدر؟

الصدر على خطى الخميني

على نحو مشابه، تقول “فورين بوليسي” إن خطاب الصدر تطور بدرجة مماثلة على مر السنين، فقد رسم مشاعر معاداة الولايات المتحدة ما بعد 2003، وحافظ على الخطاب القومي المناهض للإمبريالية ولإسرائيل على مدار العقدين الماضيين.

لكنه أيضا عدل ايديولوجيته وتركيزه على التغيير مع الزمن، وتحول من الطائفية الشيعية الصريحة في السنوات التي أعقبت الغزو الأمريكي إلى القومية العراقية في السنوات الأخيرة.

وصعّد خطابه المناهض لإيران بالتزامن مع تنامي المشاعر المعادية لإيران داخل العراق، وحين نزل العراقيون إلى الشوارع للتنديد بضربات صاروخية اتهمت بغداد بها تركيا في 20 تموز/يوليو الماضي، دعا الصدر أنصاره إلى النزول إلى الشوارع ومحاربة تركيا.

ويلفت التقرير إلى أن، الصدر استطاع أن يخلي مسؤوليته عن تناقضات الحكومة وأخطائها، على الرغم من أنه لطالما شغل أتباعه مناصب رئيسية في الحكومات التي أعقبت 2003، من خلال رفض الصدر المساهمة بدور مباشر فيها، والاكتفاء بدور المراقب من الخارج، والاهتمام بتعزيز صورة “رجل الشعب” كهدف أساسي مقابل ذلك.

وترى المجلة، أن الهدف الأكبر للصدر هو إثارة البلاد لاختطاف المشاعر الشعبية ليصبح الرجل الأقوى في العراق، مستغلا الفوضى العارمة التي ضربت البلاد بسبب أحداث الأيام القليلة الماضي التي شهدت تعطل تشكيل الحكومة واقتحام أنصاره لمجلس النواب والمنطقة الخضراء بعد دعوته للثورة.

الصدر وعلاقته بإيران

وبحسب التقرير، فإن هدف الصدر يتمثل بإطالة فترة انعدام الاستقرار السياسي في البلاد من خلال دعوته إلى انتخابات جديدة، لاسيما بعد تهديد معارضيه بشن “ثورة مضادة” على اقتحام أنصاره للبرلمان وإعلانهم اعتصاما مفتوح داخله، وكل ذلك ليظهر هو الزعيم الوحيد.

وسط ذلك، يحاول الصدر أن يظهر موقفا بالضد من إيران، لكن “فورين بوليسي” تقول إنه يقف في مواجهة إيران خطابيا، لأن ذلك يتوافق مع المزاج الشعبي، لكنه في الواقع قريب منها مثل أي شخص آخر.

 إذ يدرك الصدر أن إيران لا تزال طرفا خارجيا قويا في العراق، إن لم تكن الأقوى، وعلاقته بها ليست متوترة كما يود الناس أن يظنوا، فلا يزال لإيران تأثير على الصدر، والصدر أكثر حكمة من أن يقطع علاقته بها تماما، وفقا للمجلة الأميركية.

يحرص الصدر على زيارة إيران بانتظام لأسباب عائلية ودينية، حيث أحيا يوم عاشوراء في العام 2019 في طهران بزيارة المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، وبعد بضعة أشهر، في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2019، خلال ذروة احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر، شوهد الصدر في مدينة قم، المدينة التي درس بها والعاصمة الدينية لإيران.

وفي شباط/فبراير من هذا العام، عقب اجتماع الصدر مع قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، العميد إسماعيل قاآني، خرج الصدر ببيان عن تشكيل الحكومة العراقية وردد مقولة الخميني: “حكومة أغلبية وطنية.. لا شرقية ولا غربية“، وأنه ليس معاديا لإيران.

اقرأ/ي أيضا: مقتدى الصدر يدعو إلى فصل الحشد الشعبي عن “الفصائل”

مقتدى الصدر وهدفه الأسمى؟

المجلة أشارت إلى أن، جل ما يريده الصدر أن يكون الشخصية الأساسية التي يتعامل معها الإيرانيون والجميع، فهو لا يحمل أكثر من ذلك تجاهها أو كما يصور نفسه في خطاباته على أنه مناهض لإيران ومعاد للإمبريالية الأجنبية.

كما بينت أنه مثلا على ذلك، فأن الصدر ورغم الشائعات العديدة التي تتهمه بالوقوف في وجه المصالح الإيرانية في العراق، فأن الفصائل المدعومة من إيران لم تهاجمه حينما أعلن مشروع حكومة “الأغلبية” ومحاربة السلاح المنفلت التي تحمله أذرع طهران، بل ذهبت لمهاجمه أصغر حلفائه الحزب “الديمقراطي الكردستاني“، وحكومة إقليم كردستان شبه المستقلة التي يقودها الحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل.

وترى المجلة أن، الصدر تمكن من كسب ود الشارع إلى حد ما من خلال اصغائه إليه، لكنه في الوقت ذاته أن هذا الجمهور قد يتغير بسرعة أكبر من أن يستطيع الصدر التكيف معها، لاسيما في ظل مطالب الشباب الذي شارك في احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2019، حيث طالبوا بمستقبل مختلف تماما للعراق، مستقبل تقدمي وديمقراطي.

في النهاية، تقول “فورين بوليسي“، إن “الصدر يمارس لعبة النفس الطويل في العراق، ويصور نفسه على أنه البديل المعقول لزعيم العراق، سواء في العراق نفسه أو لصانعي السياسات في المنطقة وعلى مستوى العالم، ومثل الخميني والشعبويين الآخرين من قبله، فهو على استعداد لتوجيه العراق إلى مسار مقلق جدا لتحقيق هذا الهدف“.

وتلفت إلى أنه “ما من شك أن سياسات العراق تغلفها الفوضى والغموض في بعض الأحيان، خصوصا في ظل استعداد الصدر لزيادة الاضطرابات السياسية في العراق، من خلال تأجيل تشكيل الحكومة العراقية، وتصعيد الاحتجاجات، وهو المشهد الذي يهدد بحرب شاملة مع الجماعات الشيعية المتنافسة“.

اقرأ/ي أيضا: بذكرى مقتل والده.. مقتدى الصدر يلمح لمخطط لإنهاء حياته

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول العراق و لبنان