المراقد الوهمية في العراق: لماذا يتم تزييف الرموز الدينية؟

المراقد الوهمية في العراق: لماذا يتم تزييف الرموز الدينية؟
أستمع للمادة

أثارت حادثة “القطارة”، التي أدت لسقوط أكثر من خمسة عشر ضحية في محافظة كربلاء جنوبي العراق، كثيرا من التساؤلات حول المراقد الوهمية في العراق، والتي يتم من خلالها استغلال عواطف الناس الدينية، لأغراض ربحية وتجارية.

ووقعت الحادثة، عندما انهارت تلة ترابية على مزار “قطارة الإمام علي” غربي مدينة كربلاء، وذلك بسبب “تشبّع الساتر الترابي الملاصق للمزار بالرطوبة”، كما أفادت مديرية الدفاع المدني بالعراق.

وحمَّل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر”الفاسدين” المسؤولية عن حادث الانهيار. وقال في تغريدة له على موقع تويتر: “مرة أخرى تتسبب شبهات الفساد بضحايا مدنيين”. مطالبا الحكومة العراقية بـ”تحقيق فوري وجاد، من أجل كشف الحقيقة، كي لا يطال الفساد المساجد ودور العبادة، كما طال مؤسسات الدولة ووزاراتها”.

أما الوقف الشيعي فأكد في بيان أنه “غير مسؤول عن إدارة هذا الموقع”. وذكر أن “المقام لا يدار من قبل الديوان، وقطعة الأرض المشيد عليها غير مسجلة باسمه”.

وأعادت الحادثة إلى الأذهان حوادث سابقة، حصلت في مزارات دينية متعددة في البلاد، ما يؤكد وجود جهات تستغلّ إيمان الناس، لتقوم بإنشاء كثير من المراقد الوهمية في العراق. التي لا سند لها في التاريخ الإسلامي.

عدد المراقد الوهمية في العراق

الإعلامية العراقية هناء رياض تؤكد أن “من قالوا إن الدين أفيون الشعوب لم يكونوا يهدفون إلى الإساءة للدين ونكرانه، بقدر ما أرادوا الإشارة إلى استغلاله، من خلال محاولات تغييب الوعي والمنطق عند الشعوب باسم الدين”.

مبينة، في حديثها لموقع “الحل نت”، أن “الهدف من إنشاء المقامات الوهمية في العراق هو التربّح المادي، ونشر الجهل والتخلف عبر عباءة الدين”.

وأضافت أن “حادثة سقوط الكتل الترابية، فيما يسمى بقطارة الإمام علي في محافظة كربلاء، هي صدفة ساقتها الأقدار، ليُكشف الزيف والتلاعب بالعقول والعواطف، ويُسلّط الضوء على هذا الملف المبهم في العراق”.

وأوضحت أنه “بحسب مصادر مطلعة، ودارسة للموضوع منذ سنوات عديدة، هناك ما يقارب  ستمئة موقع ومزار ديني وهمي ومزوّر في العراق، تم بناؤها وتأسيسها والترويج لها”.

واستكملت حديثها بالقول إن “الغريب  في الحادثة الأخيرة هو أن ديوان الوقف الشيعي والعتبات المقدسة في العراق أعلن عدم مسؤوليته عن مزار القطارة. والسؤال هنا من سمح للجهات القائمة عليه بإنشائه؟”.

وكان محافظ كربلاء نصيف الخطابي قد أكد أن “موقع التلة الترابية ليس تابعا لجهة معروفة، بل لأشخاص، وتمّ استدعاؤهم”. من دون أن يعطي تفاصيل عن هويتهم، وعن الجهة التي قامت باستدعائهم. لافتا إلى تشكيل “لجنة تحقيقية لمعرفة ملابسات الحادث”.

إلى ذلك، يشير أحد الضحايا إلى أن “جميع الجهات الحكومية تبرّأت من المزار والحادثة الأخيرة، ولم يعد بالإمكان تحميل أي جهة مسؤولية ما جرى، وبذلك ضاعت حياة الضحايا سدى”.

و”قطارة الإمام علي” عبارة عن ينبوع ماء، يقع في الصحراء الغربية لمحافظة كربلاء، ويبعد عن مركز المحافظة نحو ثمانية وعشرين كيلومترا، بالقرب من بحيرة الرزازة.

حملة لإغلاق المراقد الوهمية

وأعلن الممثل القانوني للأمانة العامة للمزارات الشيعية في محافظة كربلاء عن “نجاح  خطة هدم وإزالة مراقد ومزارات غير قانونية وغير شرعية، ادّعى أصحابها أنها تحوي قبورا عائدة لذرية الإمام علي”.

وقال الحقوقي أحمد هاشم مرزا الموسوي، في تصريح للموقع الرسمي للعتبة المقدسة، إن “الشعبة القانونية، التابعة لقسم الشؤون القانونية في الأمانة العامة للمزارات الشيعية في العراق، أخذت على عاتقها التصدي لكل عمليات النصب والاحتيال التي يمارسها البعض، بتشييد المزارات الوهمية في العراق، من أجل ابتزاز الناس، عبر جمع الأموال والتبرعات لها بغطاء ديني”.

مطالبات بلجنة حكومية لغلق المراقد المزيفة

ودعا الكاتب والناشط السياسي رعد الكعبي إلى “تشكيل لجنة مشتركة بين الحكومة والعتبات، تضمّ مجموعة من المختصين والمؤرخين، تهدف إلى تشخيص المراقد الوهمية في العراق”.

ويضيف، في حديثه لموقع “الحل نت”، أن “هناك جهات سياسية ومتنفّذة تقوم باستغلال مشاعر وعواطف الناس، مستندة على حالة الجهل في عددٍ من المناطق، وخاصة الريفية منها، لغرض إنشاء مراقد ومقامات وهمية، لاوجود لها في التاريخ”.

وأشار إلى أنه “يجب أن تكون جميع المواقع والمزارات الدينية، وحتى المساجد ودور العبادة، مسجّلة رسميا لدى الأوقاف الدينية، سواء الوقف الشيعي، أو الوقف السُني، بغية تنظيم عملها، وعدم السماح باستغلال مشاعر الناس وتجهيلهم”.

حليم الفتلاوي، ممثل التيار الصدري، دعا، في تصريحٍ لعدد من وسائل الإعلام المحلية في العراق، إلى “ضرورة إغلاق القطارة المعروفة بتلة الإمام علي، وإعادة تأهيلها بحسب الطرق العمرانية السليمة، وأن تصبح بعناية الدولة ومؤسساتها، لا أن تعطى إلى شخصيات متنفّذة وحزبية”.

تجهيلٌ وخرافات

قضية المراقد الوهمية في العراق ليست غريبة، ولا هي وليدة أوانها. ففي التسعينيات من القرن الماضي كان لمرقد “علي بن الحسين”،  في قضاء المحاويل، الذي يقع في الجنوب الغربي لمحافظة بابل، حصة الأسد من الخرافات، التي تصدّى لها آنذاك المرجع الديني محمد صادق الصدر، وامتنع مقلدوه من الذهاب إلى هناك. غير أن المرقد بقي شاخصا حتى اللحظة.

وتحولت المراقد الوهمية في العراق إلى قصص للطرافة والخرافة في الوقت ذاته، فهناك مواقع متخصصة بعلاج الأمراض النفسية، وأخرى لإصلاح العلاقات الاجتماعية، وخاصة بين المتزوجين.

وبعد حادثة “القطارة” الأخيرة تزايدات المطالبات، من ناشطين ومدونين في مواقع التواصل الاجتماعي، بضرورة إغلاق جميع المراقد والمزارات الوهمية في العراق.

ويقوم مؤسسو المراقد الوهمية في العراق بابتداع أسماء شخصيات، من الذكور والاناث، يدّعون أنها من نسب الإمام علي بن أبي طالب، ويشيدون لها مراقد ومقامات في المحافظات العراقية. غير أن روايات المؤرخين المختلفة، تنفي وجود تلك الشخصيات بشكل مطلق.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير