“فوضى التجميل في العراق“.. قصص ضحايا دخلوا أصحاء وخرجوا أموات

“فوضى التجميل في العراق“.. قصص ضحايا دخلوا أصحاء وخرجوا أموات
أستمع للمادة

“ربما هو القدر؟ ولعلها الفوضى فعلا؟ من يدري أن الله قد اختار ابنتي لتكون صورة حية لما وصلت إليه البلاد؟ “، بهذه الكلمات تصبر -أم سلمى- نفسها، وهو اسم مستعار، سيتضح فيما بعد أن اختياره من قبل المتحدثة عن فاجعه ابنتها سلمى التي راحت ضحية “عبثية” امتدت لأرواح البشر، عبر مراكز يفترض أنها مختصة بـ “صناعة الجمال” غير إنها صارت تسلبه دون رجعة في أرض السواد، له قصة أخرى.

جُمل قصيرة لو رميت في القطب المتجمد لتحول لبرك تستعر، وبالكاد كانت تخرج من فم (أ – س) في حديثها لموقع “الحل نت“، وهي تروي قصة ابنتها التي توفيت في أحد مراكز التجميل وسط العاصمة العراقية، بغداد خلال الأشهر الماضية، أثناء عملية كانت تنوي من خلالها تحسين مظهرها، الحسُن في الأصل، كما تقول أمها التي شارفت على عقدها السادس.

كلمات لعلها لا تخالج متلقيها، بأنها نابعة من الإيمان، والحسرة على القدر، الذي استرق ابنت النيف وعقدين بحادثة لا تغتفر، وهو الإيمان مع اختلاف أشكاله وحوله وجهات النظر، لكنه الوسيلة الوحيدة لتحمل الفقد واستمرار أسبابه “العابثة” بمصائر الناس، دونما أي رادع يذكر، تضيف (أ – س)، في تعليقها عن موقف “نقابة الأطباء” الذي صُدر أمس السبت، حول ما وصفه بـ “فوضى التجميل في العراق“، وتجاعيد الحزن قد أفسدت ملامحها.

وتهكمت بسؤال مباشر، حول ما ذكرته النقابة في بيانها عن “تنفيذ عمليات تفتيش يومية لرصد مخالفات مراكز التجميل في البلاد”، التي باتت تنافس بانتشارها محال الأسواق الغذائية، على الأقل ببغداد التي يمكن أن يلاحظ فيها ذلك، أي مستطرق في شوارعها كان. قائلة؛ أين كانوا عندما قُتلت أبنتي؟.

اقرأ/ي أيضا: العراق: مراكز التجميل غير القانونية.. أرقام مفزعة وأخطاء قاتلة من وراءها؟ 

من يقف خلف فوضى التجميل في العراق؟

كما أردفته بآخر؛ عنما اعتبرته النقابة موقفا جادا بشأن الحد من تلك المراكز، من خلال تأكيدها “تسلم رئاسة الوزراء تقريرا مقدما من ديوان الرقابة المالية بشأن فوضى تلك المراكز“، هل سيعيد ذلك ابنتي إلى الحياة؟ واستدركت بجواب متيقن؛ بالطبع لا، مثلما لا يمكنه أيضا ضبط 540 مركزا متراميا في بغداد، 70 منها مجازا فقط، بحسب إحصائية قدمها نقيب الأطباء، جاسم العزاوي، في شباط/فبراير الماضي.

وكشف العزاوي حينها، ما عادت لتؤكده أم الضحية اليوم، بأن “معظم تلك المراكز غير المجازة، وتجري فيها عمليات خطرة من شأن مضاعفاتها أن تؤدي إلى الوفاة، مرتبطة بأطراف سياسية تكون أحيانا بمستويات أعلى من الدولة“.

تعتمد تلك المراكز على عاملينَ غير مدرّبينَ في هذا المجال، إما منتحلين لصفة أطباء، يدخل لهم المراجعينَ أصحاء ليخرجوا من الباب الخلفي أموات، بالضبط كما حدث مع ابنتي (أ – س)، التي تؤكد لـ “الحل نت“، إن “فقيدتها لم تكن تعاني من أي أمراض، وكانت قد أجرت جميع متطلبات عملية شفط الدهون“، التي ستودي بحياتها قبل أربع ساعة من أن يكتشف أهلها الكارثة، ويهرب الجناة تاركين ضحيتهم خلفهم جثة هامدة خالية من كل قطرة دم تموت لوحدها في صالة العمليات.

الأم التي نشفت دموعها، وصارت تعاني من مشكلة في النظر بسبب استمرارها بالبكاء على ابنتها، بينت أن، ابنتها كانت قد أصرت مسبقا على إجراء عملية التنحيف، وأقنعت والديها بذلك، لكن شاء القدر أن تكون ضحية أحد المراكز غير المجازة، وحينما دخلت لإجراء عمليتها التي يفترض أنها لن تتأخر كثيرا، استمرت لـ 4 ساعات، وحينما شعر الوالدين بأن هناك شيء غير طبيعي دهموا صالة العمليات، ليجدو ابنتهم ممددة بدمائها التي نشفت من جسدها، وأن الجناة الذين يبدو أن العملية خرجت عن سيطرتهم قد هربوا من الباب الخلفي.

فيما بعد أتضح، أن العاملين في المركز الذي أدى إلى الفاجعة، كانوا من جنسيات أجنبية وغير متخصصين، وقد حصلوا على شهادات تدريب مزوّرة، وهذا ما أشارت له “نقابة الأطباء” مؤخرا، أن “في هذا المجال عراقيون ومن جنسيات أخرى، وبعضهم من ذوي الاختصاص، لكن بالمجمل هناك فوضى في عمل المراكز التجميلية تخص غير المتخصصين“.

فوضى التجميل في العراق تستمر بحصد الأرواح

لم تكن عائلة (أ – س) حادثة عرضية، بل تزايدت في الآونة الأخيرة حالات الوفيات والتشوّهات داخل مراكز التجميل في العراق، أخرها في تموز/يوليو المنصرم، فقدت عائلة ابنتهم البالغة من العمر عشرين ربيعا، نتيجة مضاعفات حصلت لها بعد إجراء عملية شفط دهون أيضا، بأحد المراكز في منطقة الغدير، بالعاصمة بغداد، وفقا لبيان أمني رسمي.

شرطة بغداد لم تكشف حينها عن اسم الضحية، لكنها أشارت إلى أن والد الفتاة “قدم شكوى ضد زوجها وجميع كادر المركز، وبانتظار موافقة القاضي، لإجراء اللازم بحق المركز والعاملين“.

لكن والدة الضحية الأولى تؤكد، أن “مراكز كثيرة باتت تشكل خطرا صحيا على النساء والرجال الذين يقصدونها“، في حين على ما يبدو أن، تلك التحذيرات لن تمنع وجود مراكز التجميل المحمية من بعض الجهات السياسية، والمملوك بعضها لمستثمرين وجهات مدعومة من سياسيين عراقيين، ومراكز أخرى لمستثمرين لبنانيين وإيرانيين.

أصبحت مراكز التجميل في العراق، من الجهات التي تشهد إقبالا واسعا عليها، ولا تقتصر على النساء فقط بل الرجال أيضا، حيث تم افتتاح العشرات منها في مناطق مختلفة ببغداد، أبرزها الجادرية، والمنصور، والكرادة، وزيونة، وشارع فلسطين، وغيرها، فضلا عن المحافظات الأخرى، وتسببت العديد منها بمشاكل صحية ومضاعفات جراء عمليات حقن البوتكس، والفيلر، وعمليات شفط الشحوم والتنحيف.

أمام هذا المشهد، تجلس أم سلمى المكلومة التي اشترطت عدم الكشف عن اسمها الحقيقي، تلوم نفسها مرة لأنها وافقت لفقيدتها إجراء العملية، وتندب حظها مرة وهي تقول: “ليتني كنت اكتفيت بفقدان سلمى الأولى” التي كانت قد فقدتها بعد أشهر قليلة من انجابها في أول زواجها، لتقرر تسمية مولدتها الثانية على اسمها، دون أن تتخيل يوما أنها ستفتقدها هي أيضا.

اقرأ/ي أيضا: “حسيت روحي سلعَة”.. آلاف حالات الطلاق لفتيات قاصرات بالعراق

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول قصص صحفية