مخططات بوتين الفاشلة في أوروبا

مخططات بوتين الفاشلة في أوروبا
أستمع للمادة

اتخذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مسيرته السياسية على أساس المخاطر والمقامرة، واستنادا إلى تجربته الشخصية في جهاز المخابرات، توقع بوتين رد فعل عالمي بطيء وبأضيق الحدود على الأعمال العسكرية الوحشية السابقة في الشيشان وجورجيا وسوريا. وقد شجعه هذا النقص في الاهتمام الدولي، فراهن مرة أخرى على ضم شبه جزيرة القرم وتمويل الوكلاء الروس في منطقة دونباس بأوكرانيا، وإرسال الآلاف من القوات والوكلاء لزعزعة استقرار البلاد. والآن مرة أخرى، أعطى بوتين الضوء الأخضر لغزو شامل لأوكرانيا، لكنه تلقى هذه المرة صدمة الواقع على الأرض. 

وبحسب تقرير لموقع “جيوبوليتيك مونيتور” وترجمه موقع “الحل نت” فقد قوبل الغزو الروسي لأوكرانيا بإدانة عالمية، مما جعل روسيا واحدة من أكثر الدول مُعاقبة في العالم. وحصلت أوكرانيا على كميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة لصد القوات الروسية. وقد تسببت الحرب نفسها في خسائر فادحة لكل من أوكرانيا وروسيا، مع عشرات الآلاف من الضحايا. وكانت الخسائر المادية للقوات الروسية مكلفة، وقد يستغرق الأمر سنوات عديدة لإعادة بناء الجيش الروسي إلى قوته الكاملة، خاصة في حالة استمرار فرض العقوبات. 

وغني عن القول أن الوضع لا يسير كما هو مخطط له. فقد كان من المفترض أن تنتهي “العملية العسكرية الخاصة” الروسية بانتصار سريع وحاسم لـ”الكرملين”، وإظهار البراعة العسكرية الروسية في مواجهة “الناتو” وغرس الخوف في أولئك الذين يعارضون سياسة بوتين الخارجية، ولكن في الواقع حدث العكس تماما، كما توسعت عضوية “الناتو” لتشمل فنلندا والسويد، مما أعاق حرية الحركة المستقبلية لأسطول بحر البلطيق الروسي. ويتم تدريب القوات المسلحة الأوكرانية على نطاق واسع في بريطانيا، مع قيام دول أوروبية أخرى بتوفير التدريب أيضا. وبغض النظر عن نزاع الطاقة، يمكن القول إن بوتين وحّد “الناتو” بطريقة لم نشهدها منذ أعقاب هجمات 11 أيلول/سبتمبر عام 2001. 


وبعد الأسابيع القليلة الأولى من الفوضى بعد اندلاع الغزو الروسي لأوكرانيا، نجح الجيش الروسي في توحيد قواته في شرق أوكرانيا، وحقق انتصارات كبيرة في لوغانسك وحول محور إيزيوم، على الرغم من أن هذه الانتصارات المبكرة كانت باهظة الثمن. ولكن اعتبارا من شهر آب/أغسطس الماضي، قدر كل من “البنتاغون” (وزارة الدفاع الأميركية) ووزارة الدفاع البريطانية ما لا يقل عن 80 ألف ضحية روسية خلال الأشهر الستة الماضية من الغزو. وهذا أكثر من 30 ألف ضحية خسرها الجيش الأحمر (السوفييتي) خلال عشرة سنوات من الحرب في أفغانستان. 

بذلك تحولت ما أطلق عليه بوتين “عملية عسكرية خاصة” إلى أكثر الصراعات دموية بالنسبة للروس منذ الحرب العالمية الثانية، وبدأت الآثار في الظهور في الداخل الروسي. فيما أفادت تقارير أن مجموعة “فاغنر”، وهي منظمة مرتزقة تكتنفها مزاعم بارتكاب جرائم حرب وترتبط بشكل وثيق بالمخابرات الروسية، كثفت جهود التجنيد في إفريقيا وآسيا الوسطى وحتى في زنازين السجون الروسية. فقد أصبح نقص القوى البشرية مشكلة رئيسية، حيث يرفض “الكرملين” تعبئة الشعب الروسي بالكامل. وهذا على الأرجح لأن الحالة الديموغرافية للبلاد غير مواتية! فمع شيخوخة السكان وكثير من الروس البالغين الذين يفرون إلى الخارج، لم يعد لدى روسيا النوع من التركيبة السكانية المواتية التي كان الجيش الأحمر (السوفييتي) يتمتع بها من قبل. 

لا يقتصر تأثير الغزو على الداخل فحسب، بل يمتد أيضا إلى “الخارج القريب” لروسيا. ونظرا لأن القوى البشرية والتنسيق اللوجستي أصبحا من القضايا المستعصية على الحل في الجبهة الأوكرانية، فقد بدأت القوة العسكرية والجيوسياسية لموسكو في الانحسار في أماكن أخرى. ففي أيار/مايو الماضي، استدعت روسيا عدة وحدات من سوريا إلى أوكرانيا. وكان هذا مفيدا بشكل متوقع للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أعلن أنه سيبدأ هجوما آخر في مناطق من شمال سوريا. وعلى الرغم من محاولة بوتين إقناع أردوغان بعدم المضي قدما في سوريا، أكدت أنقرة من جديد استعدادها لإجراء عمليات على طول الحدود التركية السورية. كذلك استغلت إسرائيل الفرصة أيضا، حيث استهدفت الميليشيات المدعومة من إيران، وبالمثل، تم سحب العديد من الوحدات الروسية من جورجيا إلى أوكرانيا. 

وفي القوقاز، اشتعلت التوترات بين أذربيجان وأرمينيا، لاسيما بشأن وضع الاتفاقية الثلاثية التي وقعتها يريفان عندما استسلمت في حرب 2020. وتتطلع باكو إلى استخدام اتفاق الغاز الجديد مع الاتحاد الأوروبي والتوسع المفرط للقوات الروسية لسن الاتفاقية بالقوة. ويمكن القول إن موسكو استفادت من استسلام الأرمن، والذي أدى إلى توسيع دائرة نفوذها في القوقاز بطريقة لم نشهدها منذ الاتحاد السوفياتي. 

كما أن المرتزقة الروس في إفريقيا، الذين استغلوا فراغ السلطة في القارة وعملوا كثقل مضاد ضد النفوذ الغربي، تعرضوا لتدقيق متزايد. وبحسب التقارير المتواترة، تورطت مجموعة “فاغنر” في مذابح في مالي وليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى، واتُهمت بنهب الذهب في السودان لتمويل غزو أوكرانيا. كما تكبد المرتزقة الروس خسائر في الأرواح جراء هجمات “القاعدة” في مالي، مما أضعف مقاوليهم. 

لقد وقّع بوتين مؤخرا مرسوما يقضي بزيادة عدد قواته المسلحة في الخدمة الفعلية 137 ألف جندي آخر. وسيكون من الصعب تحقيق ذلك، حيث تغيرت التركيبة السكانية الروسية بشكل كبير بحيث من المحتمل أن تواجه البلاد مشكلة مع استمرار الصراعات طويلة الأجل. والمثير للسخرية في الزيادة التي بلغت 137 ألف شخص أنها تقترب من عدد الضحايا الذين قدرت أوكرانيا أن روسيا تكبدتها منذ شباط/فبراير الماضي. ووفقا لصحيفة “كييف إندبندنت”، قُتل أكثر من 50 ألف روسي في هذه الحرب، بالإضافة إلى ما يقدر بـ 90 ألف جريح ومفقود.

وبالتالي، يمكن أن يشير مرسوم بوتين إلى حد كبير إلى خسائر روسيا الإجمالية خلال الحرب الأوكرانية. ومع استمرار القوة العسكرية الروسية في التضاؤل، أعطيت الفرصة لدول مثل كازاخستان للتخلص من النفوذ الروسي. ويمكن أن تؤدي الخسائر المذهلة أيضا إلى الضغط على نظام لوكاشينكو في بيلاروسيا، والذي يحيا على الدعم غير المشروط من “الكرملين”. كما كانت هناك أيضا علامات متزايدة على استياء شخصيات بارزة في روسيا. وبات بوتين بين مطرقة القوميين المتطرفين، الذين يريدون تعبئة كاملة وينتقدوه لتعامله مع الحرب، وسندان الليبراليين في روسيا، الذين قد يحاولون سرا التفاوض من وراء ظهره لإنهاء الصراع. 

وقد أدى الهجوم الأخير الذي شنته أوكرانيا في منطقة خاركيف إلى مزيد من الإحباط للجيش الروسي وعامة السكان. العملية لم تفاجئ روسيا فقط، وإنما أيضا المسؤولين العسكريين الأوكرانيين والغربيين الذين صدموا من سرعة هذا الهجوم ونجاحه في توجيه القوات الروسية من منطقة خاركيف إلى دونباس، حتى أن بعض القوات تراجعت عبر الحدود إلى بيلغورود. فلأسابيع، حشدت القوات في خاركيف، بينما طلبت الحامية الروسية قوات ليتم تجاهلها إما بسبب تمدد القوات بشكل ضئيل للغاية، أو إرسال الاحتياطيات إلى خيرسون، أو عدم الكفاءة الاستراتيجية العامة في القيادة العامة. ولعدة أيام، رفضت وزارة الدفاع الروسية التعليق على الهجوم. وفي نفس اليوم الذي حررت فيه أوكرانيا مدينة إيزيوم الرئيسية، كان بوتين يفتتح أكبر قطار ملاهي في العالم كما لو كان كل شيء طبيعي. موقف بوتين هذا والذي يبدو غير لائق في بعض الأحيان يخاطر بتأجيج الاستياء المتزايد بين المسؤولين العسكريين والسياسيين والمحللين الروس حول كيفية إدارة الحرب. 

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول صحافة غربية