مروان عدوان لـ “الحل نت” دور النشر ليست مؤسسات خيرية والكتاب الإلكتروني ضرورة

مروان عدوان لـ “الحل نت” دور النشر ليست مؤسسات خيرية والكتاب الإلكتروني ضرورة
أستمع للمادة

ما يزال الجدال مستمر بين الدوائر الثقافية التي ترى بالقراءة عملية معرفية شاملة أبعادها أكبر من مجرد سطور يمكن للإنسان قراءتها في أوقات الفراغ للتسلية.

وسواء كان المشاركين في هذا الجدال كُتّابا ومفكرين أم قرّاء وحتى ناشرين، فإن جميع الشرائح الثلاثة تشترك في الرؤى المتناقضة للتحولات التي تخضع لها عملية النشر بأنماطها الجديدة (الكتب الإلكترونية والصوتية)، وصراع هذه الأنماط مع الكتاب الورقي وحضوره، وسعر الأخير الذي ما عاد بمتناول ملايين القراء في العالم العربي.

الجدل ليس جديدا، خاصة مع ظهور أصوات لا ترى أن القراءة أو المعرفة المستمدة من الكتاب تحديدا، إلا كماليات في ظل أنظمة التعليم السيئة والظروف السياسية والاقتصادية الصعبة في العالم العربي، يضاف إلى هذا الأمر غياب الحرّيات الأساسية والحركات النقدية المضادة.

اقرأ أيضا: إعادة إنتاج الأعمال الدرامية القديمة.. لم لا؟

وسط هذه الجدالات كلها ترى دور النشر العربية نفسها في موقف صعب للغاية، فهناك ما يمكن تسميته “أزمة ثقة بين القارئ والكاتب العربي” من جهة، وكتب مقرصنة لا يمكن إيقاف قرصنتها وتسبب بدورها خسائر فادحة لها، عدا عن ارتفاع أسعار الشحن والعمليات الفنية والورق وهو ما ينعكس بشكل مباشر على سعر نسخة الكتاب نفسه.

لذا لجأت دور النشر إلى تكتيكات جديدة لمواجهة مشاكلها، ليس أولها الاشتراك في التطبيقات الإلكترونية الخاصة بالكتب (مكتبات تتيح الوصول لآلاف الكتب نظير رسوم شهرية على غرار “نتفلكس”)، أو التواجد في حقل الكتب الصوتية، أو إنشاء تحالفات جديدة مع دور نشر أخرى في المنطقة العربية.

دور النشر ليست مؤسسة خيرية

إن أبرز النقاشات المتداولة منذ سنوات طويلة هي تلك المتعلقة بانخفاض مستوى القراءة في العالم العربي، نظرا للظروف السياسية والاقتصادية السائدة، خاصة مع غياب احصائيات دقيقة من دور النشر أو المراكز البحثية المتخصصة والقادرة على منح إجابات شافية حول هذه النقطة تحديدا.

لا يتفق مروان عدوان مع هذه النظرية، بل ويؤكد في حديثه لـ “الحل نت” إنه لا يملك النظرة السلبية والتشاؤمية، بدليل الإقبال الكبير على المواقع الإلكترونية المقرصنة للكتب الأصلية، لكن المشكلة تكمن في اقتناء الكتاب الورقي الأصلي الذي يعاني بسبب غلاء سعره الحالي، وذلك الذي سنضطر إليه في الفترة المقبلة.

ويضيف، الناس تعاني من غلاء أسعار الأساسيات من غذاء ودواء ولباس، فكيف إن كان الكتاب أصلا سلعة كمالية بالنسبة لكثيرين في العالم العربي؟ سيسقط الاهتمام بشرائه بالطبع ويجدون البديل بالكتب المقرصنة، سواء الإلكترونية أم المنسوخة من النسخة الأصلية.

يكفي البحث لمدة خمس دقائق عبر محركات البحث، أو قنوات “تلغرام” ومجموعات الكتب عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمكتبات الإلكترونية الموجودة على “غوغل درايف” عن كتاب معين ليجده الباحث مباشرة بغض النظر عن جودة ودقة النسخة المقرصنة.

ويقول عدوان، الوضع الحالي يجعل الأمر صعبا علينا وعلى محبي القراءة أيضا، فنحن بحاجة للاستمرار في النهاية ولسنا -كدور نشر- مؤسسات خيرية! هناك جملة تتكرر بشكل دائم وأراها ظالمة بشكل ما. القراءة يجب أن تكون مجانية، بالطبع يجب أن تكون مجانية لكنها ليست وظيفة دار النشر أن تجعلها كذلك بل هي مسؤولية الحكومات عبر دعم الطباعة والنشر والمكتبات العامة.

عملية إنتاج الكتاب وارتفاع أسعار الكتب، لا تتعلق فقط بنقطة الطباعة وأسعار الورق التي ارتفعت خلال الفترة الأخيرة بحسب عدوان، بل كذلك تتعلق بعملية متكاملة تتضمن بتحرير الكتاب والتدقيق اللغوي والإخراج الفني وتصميم الغلاف وإخراج النسخ الإلكترونية الأصلية، عدا بالطبع عن أجور الترجمة (التي لها مشاكلها المنفصلة)، هذا كله يجعل سعر الكتاب مرتفعا وتحديدا في العالم العربي

هذه العملية التي ذكرها عدوان في حديثه لـ “الحل نت”، تعني أنه حتى لو لجأت دور النشر العربية للتوقف عن إنتاج الكتب الورقية والاتجاه فقط إلى الكتب الإلكترونية، فلا يعني أن التكلفة ستنخفض بشكل كبير، لأنه وبناء على ما سبق تشكل عملية الطباعة جزءا من عملية أكبر وأكثر تعقيدا.

ولهذه العملية، وفق عدوان، لا يمكن اعتبار دور النشر هيئات خيرية يمكن لها منح الكتب مجانا دون مقابل للقراء، والمشكلة أن الناس لا تتعامل مع الكتاب المقرصن باعتباره أمرا خاطئا، الأمر نفسه يمتد إلى صناعة المحتوى عموما وذلك بسبب غياب تواجد الملكية الفكرية.

القرصنة ثقافة نحاول مواجهتها

ليس من المبالغة القول إن هناك مئات الآلاف من الكتب العربية المتاحة على الإنترنت بشكل مجاني، سواء تلك التي توفرها المؤسسات غير الربحية (مؤسسة هنداوي) أو الحكومية (الهيئة السورية العامة للكتاب) أو النسخ المقرصنة الموجودة في قنوات “تلغرام” أو “غوغل درايف”، وهذه النسخ المقرصنة تشكل كابوسا حقيقيا لدور النشر بحسب ما وصفها مروان عدوان.

دفعت النسخ المقرصنة بصيغة “بي دي أف” دور النشر إلى توفير نسخ إلكترونية أصلية لكتبها، في محاولة لمنافسة هذه النسخ.

ويؤكد عدوان أن دور “دور النشر” تحول مع التطور التكنولوجي إلى تقديم المحتوى، وذلك عبر تقديم الكتب بشكلها الورقي الأصلي أم الإلكتروني أم الكتب الصوتية المسموعة، ويرى بأنه مع شكل الحياة الحالي للناس من الضروري أن تتواجد دور النشر إلكترونيا، وخصوصاً مع الصعوبات التي يواجهها الناس في إنشاء مكتباتهم نتيجة التنقل الدائم.

في حين تُعدّ النسخ الإلكترونية الأصلية التي توفرها دور النشر، إحدى الحلول لمكافحة القرصنة وتوفير نسخ بسعر أرخص لمن يستطيع ويحب القراءة عبر الأجهزة اللوحية أو الكومبيوتر والهاتف المحمول، وبالتالي توفر النسخ الأصلية الإلكترونية، حلولا للقرصنة وتمنح الفرصة للقراء للحصول على مكتبتهم الخاصة دون عناء التفكير بكيفية نقلها من مكان لآخر.

ليست وحدها دور النشر التي سعت لمكافحة القرصنة الإلكترونية، فهناك مؤسسة “هنداوي” (وهي مؤسسة ثقافية غير ربحية تعتمد على التبرعات) نجحت بتوفير النسخ الإلكترونية لأعمال الكاتب المصري نجيب محفوظ، مجانا بعد الحصول على حقوقها الإلكترونية فقط، كما أعلنت في أيلول/ سبتمبر الجاري عن الحصول على حقوق نشر كتب المفكر المصري نصر حامد أبو زيد، وتوفير النسخ الإلكترونية مجانا عبر تطبيقها الخاص وموقع المؤسسة الإلكتروني.

كما يتواجد تطبيق “أبجد”، وهو عبارة عن تطبيق إلكتروني يوفّر النسخ الإلكترونية الأصلية بمقابل مادي شهري لا يتجاوز سعر كتاب ورقي واحد، وذلك إلى جانب تطبيقات ومواقع أخرى.

هذه المشاريع يراها عدوان، تجارب تزيد وعي الناس حول حرمة الكتاب ومن واجب الناشرين تقديم الكتب الإلكترونية، فيما وجه نقدا لمؤسسة “هنداوي” بقوله، مشروع “هنداوي” مشروع عظيم ومهم للغاية لكنه يستمر بتقديم الكتب بشكل مجاني وهو ما يعني استمرار فكرة الحصول على الكتب بالمجان رغم أنه يستمر بالحفاظ على حقوق الناشرين.

رغم كل هذه المحاولات لا يمكن في النهاية لدور النشر الاستغناء عن الكتاب الورقي، رغم ظهور نظرية بسيطة في الفترة الأخيرة، إذ أن جزء من عملية تسويق الكتاب وبيعه هو معارض الكتاب، وبقدر ما هناك حضور للكتاب الإلكتروني هناك حضور للورقي أيضا وله روّاده، لذا الكتاب الورقي مستمر بحضوره الفيزيائي وهذا جزء من عمل دور النشر، يقول عدوان.

تحالفات جديدة لدور النشر

خلال الفترة الأخيرة، ظهرت ما يمكن تسميتها “تكتيكات جديدة لدور النشر” في مواجهة المصاعب الكبيرة التي تواجهها، وهي صعوبات ليست وليدة المرحلة الأخيرة بل إن عمرها يتجاوز 20 عاما.

إحدى هذه التكتيكات هو لجوء عدد من دور النشر لإنتاج كتاب واحد بشكل مشترك بحسب المنطقة الإقليمية، فتتولى الأولى نشره في بلاد الشام والعراق والخليج، بينما تتولى الثانية مصر وشمال أفريقيا.

يمكن قراءة هذه التحركات بشكل إيجابي على اعتبار أنها تخفف أعباء الطباعة والعمليات الفنية الأخرى عن دار النشر، وتوفر كذلك انتشارا أكبر للكاتب العربي في سوقه المحلي الذي يضم أكثر من 300 مليون نسمة.

عدوان أشار إلى هذه التحالفات باعتبارها أمرا “غير منطقي” لعدة أسباب، ففي النهاية دور النشر تعمل في سوق واحد، وتعتمد جميعها على معارض الكتب العربية- الدولية من العراق إلى المغرب، لذا من الصعب إنتاج طبعتين لكل منطقة.

لكن عدوان يؤيد في المقابل التحالفات أو الشراكات “لإنتاج مشروع كامل” إذ يمكن أن تشترك عدد من دور النشر بإنتاج كتاب واحد، وهو ما يخفض التكاليف ويزيد الانتشار، ونفذنا بالفعل هذه التجربة مع دار “تكوين” الكويتية ودار “الرافدين” العراقية- اللبنانية في نشر أعمال الكاتب فرانز كافكا، لأن تكاليف إنتاج الكتاب كانت كبيرة. لذا لا يمكنني أن أقول كدار نشر سأستمر على الطبعات المحلية فقط، والسوقين الوحيدين اللذان يملكان خصوصية كبيرة في هذا المجال هما مصر والعراق.

كما أن عدوان يرى أن دور النشر العربية ليست في حالة منافسة فيما بينها، بل هي في حالة منافسة مع وسائل الترفيه الأخرى، لذا يرى أن لدى دور النشر علاقة تكاملية، وأي دار نشر تكبر يصب في مصلحة الجميع، لأنها تجتذب المزيد من القرّاء، وهذا ما يعني أنه يمكننا إنشاء تحالفات وتعاون في الأمور اللوجستية على سبيل المثال أثناء المعارض الدولية أو نشر كتب جديدة، والسوق بحاجة لهذه التحالفات.

الحفاظ على الإرث الإبداعي للكتّاب السوريين

دار ممدوح عدوان للنشر، تأسست في عام 2005، وتنشر المؤلفات والترجمات الأدبية والدراسات البحثية، ونشرت بين عامي 2016 و2022 أكثر من 100 كتاب.

تحمل الدار اسم أحد أبرز الكتاب السوريين، ممدوح عدوان (1941- 2004)، وله مؤلفات في المسرح (26 مسرحية) والشعر (22 مجموعة شعرية)، عدا عن عمله الصحفي ومؤلفاته في الدراما السورية بالإضافة إلى روايتين.

كان إحدى أهداف الدار لدى تأسيسها بعد وفاة ممدوح عدوان، هو جمع مؤلفاته في مكان واحد والحفاظ على إرثه الإبداعي الذي يزيد عن تسعين كتابا، بحسب ابنه مروان عدوان.

قد يهمك: هل يتحول مسلسل الزير سالم إلى فيلم سينمائي؟

عدوان أوضح لـ “الحل نت” أن “الحفاظ على إرث الكتّاب السوريين أمر هام وضروري، وهذه المؤلفات يجب أن تتواجد وتُحفظ ضمن الذاكرة الإبداعية السورية، خاصةً وأن الكتاب السوريين الذين حصدوا شهرة وانتشارا عربيين، كانت بسبب نشر كتبهم وأعمالهم عبر دور نشر عربية لا سورية، وذلك بسبب الرقابة وسقف الحريات المنخفض.

وسبق للدار أن نشرت مؤلفات لممدوح عدوان، وخيري الذهبي، وممدوح عزام، وغيرهم من الكتاب السوريين.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول مقابلات