بين ارتفاع تكاليف الإنتاج وغياب الدعم الحكومي.. ماذا حلّ بالمزارع السوري؟

بين ارتفاع تكاليف الإنتاج وغياب الدعم الحكومي.. ماذا حلّ بالمزارع السوري؟
أستمع للمادة

“قراري حتى الآن هو عدم زراعة الأرض” يؤكد صالح حسانو، (مزارع يملك أرض في محافظة اللاذقية)، وهو مستاء من خسارته العام الماضي، وذلك بعد غلاء مستلزمات الإنتاج والزراعة وغياب الدعم الحكومي، الذي تلقى وعود كثير فيه من قِبل المعنيين في دمشق.

خوف من الزراعة

ظروف الموسم الماضي، وما رافقه من جفاف وارتفاع في تكاليف الزراعة، وغياب المحروقات لتشغيل الآليات الزراعية، جعل المزارعون يتخوفون من زراعة أراضيهم، على الرغم من الوعود الحكومية بشأن تأمين المستلزمات، إلا أن المزارعين لا يثقون حتى الآن بوعود حكومة دمشق.

حسانو يضيف في حديثه لـ“الحل نت“، “خلال الموسم الماضي تلقينا وعود كثير من الحكومة، حول تأمين مستلزمات الزراعة والمحروقات بأسعار مدعومة، لم يكن هناك إيفاء بالوعود، لا من ناحية كميات المحروقات، أو تسويق المحاصيل، موسم الحمضيات بعته على خسارة“.

بجدية واضحة، يتحدث حسانو عن نيته عدم زراعة أرضه هذا العام، ويزيد بالقول، “ربما أتوجه لزراعة محاصيل أخرى، الفواكه الاستوائية مثلا أسعارها مرتفعة، وقد ازدهرت زراعتها مؤخرا في مناطق الساحل، وأصحاب تلك الأراضي يسوقون منتجاتهم بأنفسهم دون الحاجة للدعم الحكومي“.

يشير حسانو إلى أن العديد من أصدقائه المزارعين، يتخوفون من الزراعة هذا الموسم، وأحد المزارعين يملك بستانا في اللاذقية، يزرع فيه الخضروات، إلا أن ارتفاع التكاليف جعله يقع في خسارة الموسم الماضي.

خطة زراعية؟

رئيس دائرة التخطيط في مديرية الزراعة بدمشق حسن الأحمد قال إن الخطة التي وضعتها المديرية للموسم الجديد، تتضمن زراعة 93387 هكتارا بالقمح، منها 10500 هكتار لزراعة القمح المروي ونحو 82 ألف هكتار بالقمح البعل، بينما بلغت خطة زراعة الشعير 32400 هكتار والبطاطا الربيعية 3100 هكتار والبقوليات 23200 هكتار والمحاصيل العلفية الشتوية 7700 هكتار، حسبما نقلت صحيفة “تشرين” المحلية.

بحسب حديث عدد من المزارعين لـ“الحل نت“، فإن الموسم كان جيدا إلى حدّ بمعظم أصناف الخضار والمزروعات، لكن غلاء تكاليف الإنتاج من أسمدة وبذار ومحروقات وغلاء اليد العاملة، لم يترك هامش ربح جيد للمزارع يساعده على التوسع في الزراعة الخريفية، مؤكدين أن أسعار الخضار في الأسواق تعود بالفائدة على التاجر أو الوسيط الذي يربح أكثر من المزارع، حسب قولهم.

المزارع جمال سعدي من حافظة طرطوس، يقول لـ“الحل نت“، “الأهم من الخطة الزراعية التي تحدثت عن المساحات التي سيتم زراعتها، هو تأمين مستلزمات الإنتاج وخاصة المحروقات، وإلا لن يتم زراعة حتى نصف المساحة التي تحدثت عنها الحكومة“.

قد يهمك: صيانة السيارات في سوريا.. قطع الغيار تلهب الأسعار!

سعدي أكد أنه زرع نحو 75دونما من القمح العام الماضي، ودفع تكاليف بلغت نحو 5 ملايين ليرة سورية، لكن موجات الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج، لم يمكّنه من إكمال الموسم وخرج من نصفه ما تسبب بخسائر كبيرة.

بحسب المزارعين، فإن التجار يشترون منهم بأسعار زهيدة، ليتم طرحه بالأسواق بأسعار مرتفعة، ما أوقع المزارعين، في مطب الخسائر المالية، وخاصة أمام ارتفاع تكاليف الإنتاج التي باتت ترهقهم ماديا، مضيفين أن أجرة ساعة الفلاحة على “العزاقة“، وصلت إلى نحو 20 ألف ليرة سورية، وأجرة ساعة الفلاحة على الجرار الزراعي إلى 50 ألف ليرة، وأجرة ساعة التقليم إلى 4000 ليرة.

يضاف إلى ما ذُكر أسعار المبيدات الحشرية، التي أصبحت تحتاج ميزانية مالية سنوية تفوق المليوني ليرة، خاصة وسعر الكيلو الواحد من كبريت الذواب يبلغ في الصيدليات الزراعية 19000 ليرة، علما أن سعره خلال الموسم الماضي، كان لا يتجاوز الـ 9 آلاف ليرة.

كما وصل سعر الليتر الواحد من مبيد ألفا سايبر، إلى 58500 ليرة، أما “ظرف” مانع التغذية، فقد ارتفع من 4000 ليرة خلال الموسم الماضي إلى 8800 ليرة هذا الموسم، يُذكر أن هذا الظرف يكفي فقط لبرميلٍ واحد، كما قفز سعر “ظرف” الزينيت من 3000 ليرة في العام الماضي إلى 6500 ليرة حاليا، وهو يكفي لبرميل واحد أيضا، وقد وصل سعر الليتر الواحد من مبيد دمكتين، إلى 19 ألف ليرة.

أسباب تهالك القطاع الزراعي

بعد كل الانتكاسات والخسائر التي لحقت بالقطاع الزراعي والتي أثّرت بدورها على الثروة الحيوانية في سوريا، على مدى السنوات الماضية، يبدو أن تغير المناخ والجفاف ليسا السبب الوحيد لذلك، بل تقصير وتهميش المعنيين من السلطات في حكومة دمشق وقراراتها غير المدروسة في إدارة الأزمات، وكذلك ارتفاع أسعار المواد الأولية والأمور التشغيلية، كلها أسباب مضاعفة أدت إلى تهالك القطاع الزراعي الذي يشكل حوالي 30-25 بالمئة، من الناتج المحلي الإجمالي، بالإضافة إلى كونه من أهم ركائز الأمن الغذائي في سوريا.

من حيث الأرقام، يوجد في سوريا مليون هكتار من الأراضي الزراعية تعتمد على مياه الأمطار، و690 ألف هكتار مروية بمياه المشاريع الزراعية. لكن مع ذلك، لم يعُد سرّا أن هذا القطاع المهم يشهد تراجعا، بحسب تقرير لصحيفة “تشرين” المحلية، مؤخرا.

ضمن سياق ضعف الإنتاجية في القطاع الزراعي في سوريا، قال الخبير التنموي والزراعي، أكرم عفيف، إن سوريا تعاني من أسوأ إدارة موارد في تاريخ البشرية، إذ لا يوجد بلد مكتفٍ من كل شيء مثل سوريا لكن دون جدوى.

عفيف، تساءل خلال برنامج “مين المسؤول“، عبر إذاعة “ميلودي إف إم” المحلية، مؤخرا، “كيف يجوع السوريون في أغنى بلد في العالم من حيث الموارد الزراعية“.

عفيف، قال إن كل المواسم الزراعية خاسرة فأقل دونم يكلف 700 ألف ليرة سورية، وبالتالي الفلاح يحتاج إلى 28 مليون ليرة، والعملية الإنتاجية تُدار بشكل فاشل، فمثلا ليتر المازوت يُباع للجميع بـ 2500 ليرة، إلا للفلاح الذي يشتريه بـ 8000 ليرة من السوق السوداء بسبب عدم وجود مخصصات للزراعة.

عفيف، نوّه إلى أنه لم يعد هناك أراض زراعية في منطقة الغاب، لأن تكاليف العملية الإنتاجية فاقت قدرة الفلاح، والمصارف الزراعية لا تموّل، بالتالي كيف سيتدبر الفلاح أموره، خاصة وأن طن السماد قبل رفع سعره كان بـ 75 ألفا وبالواقع كان يُباع بـ 200 ألف، وبعد الرفع الأخير وصل سعره إلى 300 ألف.

منذ بداية العام الجاري، تفاقمت الأزمة الاقتصادية في سوريا، مع وصول معدلات التضخم إلى أعلى مستوياتها، تزامنا مع فشل وعجز الحكومة السورية، عن ضبط أسعار السلع والمواد الأساسية في الأسواق. ولا يبدو أن حكومة دمشق قادرة على ضبط الأسعار، وتأمين المواد الأساسية والغذائية بشكل يكفي حاجة الأسواق السورية، وذلك على الرغم من الوعود الكثيرة التي أطلقتها مؤخرا بهذا الصدد.

متوسط تكاليف المعيشة

بحسب آخر الدراسات فإن متوسط تكاليف معيشة الأسرة السورية، شهِد نهاية شهر أيلول/سبتمبر 2022، ارتفاعا بمقدار 563 ألف و970 ليرة سورية، عن التكاليف التي سُجلت في شهر تموز/يوليو الماضي، لتصل إلى ما يقارب الـ 3.5 ملايين ليرة.

الدراسة التي نشرتها صحيفة “قاسيون“، الإثنين الماضي أشارت إلى أنها اعتمدت طريقة محددة في حساب الحد الأدنى لتكاليف معيشة أسرة سورية من خمسة أشخاص، تتمثل بحساب الحد الأدنى لتكاليف سلة الغذاء الضروري (بناء على حاجة الفرد اليومية إلى نحو 2400 سعرة حرارية من المصادر الغذائية المتنوعة).

وجاء في الدراسة أيضا، “ارتفع الحد الأدنى لتكاليف معيشة الأسرة بنحو 352,481 ليرة، منتقلا من 1,881,858 ليرة في تموز/يوليو إلى 2,234,339 ليرة في أيلول/سبتمبر، ما يعني أن التكاليف ارتفعت بنسبة وصلت إلى 19 في المئة، خلال ثلاثة أشهر فقط“.

اقرأ أيضا: “الحكومة شغالة لراحة الأغنياء“.. قرارات حكومية تزيد من هموم المواطن السوري

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد