“مَحّد يقرا”.. سوق الكتب ينتكس في العراق

“مَحّد يقرا”.. سوق الكتب ينتكس في العراق
أستمع للمادة

“محّد يقرا”. جملة تلخّص وضع سوق الكتب في العراق. تراجع كبير في شراء الكتب، وانتكاسة مالية لدور النشر والمكتبات العامة، فبغداد لم تعد تقرأ اليوم.

“كلشي يتغيّر، بس مال الناس تعوف القراءة والمعرفة، هذا ما چنت متخَيلَه”، يقول مسلم شاكر، صاحب مكتبة لبيع الكتب في شارع المتنبي، وسط العاصمة العراقية بغداد.

يعد شارع المتنبي، شريان الحياة الثقافية في العراق عموما والعاصمة بغداد بشكل خاص، وعادة ما يكون مكتظا بزواره من أهل الثقافة، وخصوصا في أيام الجمع.

“باليوم لو نبيع كتابين لو لا. الوضعية صعبة كلش”، يقول شاكر لـ “الحل نت”، ويردف أنه يفكر في كثير من الأحيان بإغلاق مكتبته التي يعود عمرها إلى أكثر من عقدين ونصف، بسبب نكسة سوق الكتب.

شارع المتنبي يحتوي على عشرات المكتبات ودور النشر والمراكز الثقافية، والنوادي الأدبية، ناهيك عن المقاهي والأسواق التراثية، مثل “سوق السراي”.

إقبال بشري ولكن

شاكر يبحث عن مشروع جديد له؛ كي يوفّر حياة هانئة لعائلته؛ لأن بيع الكتب ما عاد يسد رمق الحياة بحسبه. “ما أريد أغلق مكتبتي قبل ما أفتح مشروع جديد، وهذا اللي مخلّيني لحد هسه مبقّي المكتبة”.

تاريخ المكتبات في العاصمة العراقية يعود إلى أكثر من ألف سنة، إلا أن المغول أحرقوا غالبية الكتب أو رموها في نهر دجلة إبان غزوهم لبغداد سنة 1258 ميلادية.

أهم المكتبات الحديثة فقد أرّخ لها الكاتب العراقي توفيق التميمي، في كتاب له بعنوان “ذاكرة الرصيف”، يذكر فيه أن “مكتبة الزوراء” لصاحبها حسين الفلفلي أسست عام 1930، و”مكتبة النهضة” لصاحبها عبد الرحمن حياوي، أُسّست عام 1957، هن من أحدث المكتبات.

الإقبال البشري على شارع المتنبي كبير جدا، حتى أنه ومنذ أكثر من عام، بات يفتح أمام الناس في الليل يوميا، وهو أمر لم يحدث على امتداد عمر الشارع الذي يناهز 8 عقود؛ لأن الشارع كان يغلق بعد العصر يوميا.

“صح الشارع ما تگدر تتنفس بي من گد زخم الناس اللي تمشي بي، بس 95 بالمية منها تجي بس للترفيه عن نفسها وما تشتري ولا كتاب. الشارع يعتبروه كرنفال وعرس وبس مو أكثر”، يقول شاكر.

تفجير شارع المتنبي

شاكر ليس بالحالة النادرة، بل ما يعاني منه هو حال كل أصحاب المكتبات ودور النشر، التي تكتظ فيها الكتب، دون الإقبال على شرائها من رواد شارع المتنبي.

أيوب الهزيم، صاحب دار للنشر في المتنبي، يقول إن داره لم تطبع أي مؤلف جديد منذ شهرين تقريبا. “على شنو نطبع كتب وخسارة فلوس ومحّد يشتري”.

عانى شارع المتنبي كما جل ما تعرض للخراب والتهديم في عراق ما بعد 2003، وخصوصا بفترة الحرب الطائفية، فلم يفلت من أيادي العدائيين للحياة، فتعرض لتفجير ضخم في عام 2007.

التفجير الذي حصل بوساطة سيارة ملغمة، راح ضحيته 30 شخصا وأصيب ضعفهم تقريبا. وبقيت بعض آثار التفجير ماثلة لمدة 14 عاما، قبل أن تندثر مع تأهيل الشارع الأخير نهاية عام 2021.

“رغم التفجير بذاك الوقت، بس الناس ما چانت تعوف المتنبي. بعِز الحرب الطائفية والعالَم تجي وتقرا وتشتري كتب”، يقول الهزيم لـ “الحل نت”، الذي عرض دار النشر الخاصة به للبيع مؤخرا.

أسباب نكسة سوق الكتب

الوضع الاقتصادي هو أحد الأسباب التي أدّت لانتكاسة سوق الكتب، لكنه ليس بالسبب الأساسي. أهم سبب هو تغير المزاج، خصوصا مع التطور التكنولوجي، واقتحام وسائل “التواصل الاجتماعي” لحياة الشباب، بحسب الهزيم.

“الشباب همه أكبر فئة سكانية بالعراق، وهاي الفئة بالذات اليوم ما تقرا وما تكتب، كل تركيزها بالسوشيال ميديا والطوبة والشغل والسفر. الكتب آخر همها”، يقول الهزيم.

كبار السن هي الفئة الوحيدة التي تقبل على شراء الكتب، لكن هذه الفئة لوحدها لا تكفي لتوفير الأرباح لأصحاب المكتبات ودور النشر، وهم الأكثر ممن تعرّصوا لنكسة مادية غير طبيعية.

“ملزگيها تلزيگ، وإذا نبقى على هاية شغلتنا راح نموت من الجوع. صح عشت عمري وياها، بس بعد ما ترهم، العيشة أكبر مني ومن مكتبتي”، هكذا يجيب الهزيم عندما سألناه عن سبب عرضه لدار النشر الخاصة به إلى البيع.

“القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ”، مقولة مشهورة، لم تعد واقعية اليوم، فبغداد ابتعدت عن القراءة، والضحية هم أصحاب المكتبات ودور النشر، الذين ترتبط حياتهم بالكتب وتنتهي بنهاية الإقبال عليها.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول قصص صحفية