هل تدعم واشنطن الاحتجاجات الإيرانية؟

هل تدعم واشنطن الاحتجاجات الإيرانية؟
أستمع للمادة

خطوات بطيئة وخجولة أيضا، تخطوها واشنطن في دعم الحراك الشعبي في إيران، إلا أن منحاها التصاعدي المتماهي مع تصاعد الاحتجاج، يعطي مؤشرا على نية جدية لدى واشنطن لدعم الانتفاضة الإيرانية في حال تصلب عودها.  

في تغير واضح في نبرة المسؤولين الأميركيين، قال وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، “حاليا لا أمل في التوصل إلى اتفاق لإحياء الاتفاق النووي، عيون العالم تنظر إلى الاحتجاجات في إيران، إلى شجاعة الشبان الإيرانيين وخاصة النساء اللواتي دافعن عن حقوقهن الأساسية رغم الأخطار القائمة”.

قد يهمك: هل تنهي الاحتجاجات الإيرانية الملف النووي مع طهران؟

خلال كلمته أمام جامعة إرفاين، قال الرئيس الأميركي، جو بايدن، “أريدكم أن تعلموا أننا نقف إلى جانب المواطنين، ونساء إيران الشجاعات”، معبرا عن دهشته من الاحتجاجات، والتي وصفها بالقول، “أيقظت شيئا لا أعتقد أنه سيتم إسكاته لوقت طويل، وطويل جدا”.

إدارة بايدن تتفاوض مع إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة تيسلا موتورز، حول إمكانية إطلاق خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية “ستارلينك” داخل إيران، وأن موقع “واشنطن فري بيكون”، أفاد بأن العضو الجمهوري في مجلس النواب الأميركي جيم بانكس، قدم مشروع قانون تحت عنوان “قانون مهسا أميني”، يتم من خلاله تجميد أصول المسؤولين الإيرانيين الذين لعبوا دورا في انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك خامنئي ورئيسي، وفق ما أفادت به قناة “سي إن إن” الأميركية، نقلا عن عدد من كبار المسؤولين الأميركيين.

الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، أقر بخطأ إدارته في تعاطيها السلبي مع احتجاجات “الحركة الخضراء” عام 2009، بحسب موقع “العربية نت”، قائلا “حيثما وجد بصيص أمل والناس يبحثون عن الحرية، فعلينا أن نضع ذلك في اهتمامنا ونعبر عن التضامن معه”.

في المقابل، اعتبر وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، أن واشنطن تضغط على طهران عبر دعم الاحتجاجات لانتزاع تنازلات منها في “الملف النووي”. يتابع أن “الأميركيين يواصلون تبادل الرسائل معنا عبر الوسيط الأوروبي، لكنهم يتطلعون إلى ممارسة ضغوط سياسية ونفسية ويريدون كسب التنازلات في المفاوضات من خلال دعم الاحتجاجات التي أعقبت وفاة أميني”.

منذ بداية انتفاضة الشعب الإيراني، فرضت الحكومة الأميركية عقوبات على الأفراد والمؤسسات القمعية في إيران، كما وافقت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على فرض عقوبات على النظام الإيراني لقمع الاحتجاجات.

مع ذلك، تعتبر الباحثة المختصة بالعلاقات الأميركية والشرق أوسطية، روان رجولة، خلال حديثها لـ “الحل نت” أن الإدارة الأميركية تأخرت في إعلان دعمها للتظاهرات الحاصلة في إيران، وما سمعناه عن دعم يمكن توصيفه بالدعم الخجول.

ضبابية الموقف الأميركي

الأمين العام للمجموعة الأطلسية النيابية، وليد فارس، تساءل في مقاله على موقع “الإندبندنت عربية” عن إمكانية دعم إدارة بايدن للحراك الإيراني، مجيبا على هذا السؤال، “لا أحد يعلم، كل شيء ممكن، البعض من المتفائلين يقول إن البيت الأبيض قد يقيم الوضع، ومع تصاعد القمع وتعالي صراخ المتظاهرين وبخاصة المتظاهرات، سيتأثر الرأي العام الأميركي فيضغط على بايدن لكي يتحرك ميدانيا ضد الحكم في إيران”. فريق آخر يعتقد أن الإدارة الأميركية لن تغير في موقفها الأساسي الداعم للاتفاق، ولو لونت هذا الموقف وأطلقت عبارات منددة بقهر النساء وقمع المتظاهرين، فلوبي الاتفاق لا يزال مسيطرا على السياسة الخارجية، وبخاصة الملف الإيراني، وهذا الرأي يعتبر أن الإدارة سيكون لها مواقف تجميلية، لكن لن تتخلى عن النظام ما دام الاتفاق ممكنا.

مشروع القانون المقدم من النائب الجمهوري جيم بانكس، يقتصر على فرض العقوبات على المرشد الإيراني علي خامنئي والرئيس إبراهيم رئيسي، والحجز على كل الأصول المملوكة من المسؤولين الإيرانيين، بحسب رجولة، وهذا النوع من القوانين يعتبر رمزي، ليس له أي تأثير جدي على المسؤولين الإيرانيين، سوى زيادة العزلة.

مستشار الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، بن رودس، عبر عن أسفه لأن البيت الأبيض لم يدعم احتجاجات “الحركة الخضراء” في إيران عام 2009. مشيرا إلى أن وجهة نظر إدارة أوباما في ذلك الوقت كانت، أنه إذا دعم البيت الأبيض احتجاجات الشعب الإيراني، فإن شرعية الاحتجاجات قد تكون موضع شك.

السياسة الأميركية بشكل عام الجمهورية والديمقراطية، تفضل حكومات دكتاتورية تحكم بلادها ومنها إيران، لا أن تحكم الشعوب نفسها بنفسها من خلال نظام ديمقراطي يتمتع فيه الشعب بكامل حريته، حيث يصعب عليها السيطرة على الشعوب، بحسب حديث المحلل السياسي عمر الحبال، لـ “الحل نت”،  لذا من المنطلق الإستراتيجي الأميركي، عدم انتصار الشعوب الإيرانية في حراكها وما نشاهده من مواقف أميركية، لا يتعدى التصريحات الإعلامية والمناشدات الوهمية، على الرغم مما يرتكبه نظام الملالي من انتهاكات لحقوق الإنسان، وجرائم ضد الإنسانية.

جون بولتون، مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، يرى أن من الضروري الآن تقييم كيفية الإطاحة بنظام الملالي، وما هو نوع الحكومة التي ستحل محله، وأن القضية الرئيسية هي ما إذا كانت الاحتجاجات الحالية لا تمثل فقط مجرد “معارضة” إيرانية جديدة، بل هي قوة حقيقية مضادة للثورة الإيرانية.

احتجاجات الحجاب تمثل تحديات أيديولوجية مباشرة لشرعية النظام، ولهذا السبب فإن المخاطر كبيرة جدا، وهي أعلى بكثير مما كانت عليه الاحتجاجات السابقة مثل عام 2009 ضد الانتخابات المزورة، بحسب تصريح بولتون لصحيفة “التلغراف”، حيث أن الاحتجاجات الحالية ليست مجرد تمرد الطبقات المتوسطة الحضرية المتعلمة، بل إنها “إيران الحقيقية” في الريف، حيث يندر تواجد الصحفيين الغربيين، وهؤلاء المواطنون العاديون ينادون بـ “الموت لخامنئي” بدلا من شعار الملالي “الموت لأميركا”، وأن المرشد خامنئي يعرف أن لديه مشكلة خطيرة، والنظام الإيراني عاجز عن وقف هذه الاحتجاجات.

أميركا لديها الكثير من القوى السياسية داخل وخارج إيران، بحسب الحبال، إضافة لقواتها العسكرية التي تجوب الخليج العربي، ما يؤهلها لقلب الموازين لصالح الحراك الشعبي الإيراني. كما أن حجم التظاهرات وقوتها تجعل الواقع الإيراني ممهد ومفتوح لأي قيادة عسكرية إيرانية للقيام بانقلاب عسكري في حال ورود إشارات أميركية جدية داعمة. يجب على أميركا ألا تتأخر في اتخاذ مواقف قوية وصريحة لدعم الحراك الشعبي، وإلا ستكون شريكة في قتل وقمع هذا الشعب، بحسب تعبيره.

نائبة الرئيس الأميركي، كاميلا هاريس، في بيان صادر عن مكتبها، أعربت عن “دعمها للنساء والفتيات الشجاعات اللاتي يقدن احتجاجات سلمية في إيران من أجل تأمين المساواة في الحقوق والكرامة الإنسانية”، وأكدت النائبة كيف أن “شجاعة هؤلاء المحتجات ألهمتها كما ألهمت العالم أيضا”. كانت هاريس قد استقبلت مع وزير الخارجية أنتوني بلينكن ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان، نازانين بنيادي الممثلة الإيرانية المولد والمدافعة عن حقوق الإنسان.

في وقت سابق، التقى بلينكن ونائبته ويندي شيرمان وروبرت مالي، المبعوث الخاص للشؤون الإيرانية، ببنيادي والكاتبة رويا هاكاكيان، ومجموعة من نشطاء المجتمع المدني الإيراني، بحسب “الإندبندنت عربية”.

هاكاكيان خلال اللقاء، قالت إنها وزميلاتها ناشدن الرئيس بايدن وقف المفاوضات النووية التي يمكن أن تؤدي إلى تخفيف العقوبات عن إيران، واقترحنا وقف المفاوضات النووية حتى يتوقف العنف. وتابعت “أعتقد أن الجميع سمعونا بشكل واضح ومرتفع”.

“الاتفاق النووي” لن يبصر النور في الوقت القريب، وفق الباحثة روان رجولة، ليس بسبب الاحتجاجات الإيرانية فقط، بل يضاف إليها دعم إيران لروسيا في حربها في أوكرانيا من خلال تقديم المسيرات. أما المحلل السياسي عمر الحبال، فيعتقد أن الاحتجاجات أضعفت نظام الملالي ليبدو أمام العالم بصورة غير المؤهل لتوقيع وتنفيذ اتفاقيات دولية، ما يضع أميركا في وضع محرج إذا وقعت معه الاتفاق.

سوليفان اعتبر بأن انخراط بلاده في محادثات نووية مع إيران لا يعني غض النظر عن انتهاكاتها بحق المواطنين الإيرانيين خلال حديث لشبكة “إيه بي سي” الأميركية، وأن بلاده تعمل على تسهيل وصول المتظاهرين الإيرانيين إلى الإنترنت لإيصال أصواتهم للعالم.

إيران اتهمت واشنطن بما وصفته بـ”تكرار أخطاءها السابقة عبر دعمها لأعمال الشغب في إيران”، مؤكدة أن بعض السفارات الأجنبية في طهران تبنت سلوكا غير دبلوماسي خلال أعمال الشغب في إيران. بحسب موقع “ميدل إيست”.

أبواب مشرعة

الأبواب تبقى مفتوحة على كل الاحتمالات، وإن كان الاحتمال الأكبر، ما لم ينفجر الوضع داخل إيران كليا، وفق “الإندبندنت عربية”، هو تزايد الدعم الأميركي الكلامي للمتظاهرين، مع الاستمرار في التفاوض من أجل “الاتفاق النووي”، في ظل وجود خطان متناقضان يعكسان الصدام بين التضامن الليبرالي مع المجتمع المدني في إيران، والمصالح مع طهران إقليميا، مع عدم إسقاط إمكانية انقلاب إدارة بايدن على النظام الإيراني، في حال اقتراب الحزب الديمقراطي من الانقسام على نفسه، وبروز مخاطر على موقع الرئاسة.  

مع جانب من هذا الرأي، تتماهى الباحثة رجولة بقولها “لا يوجد حديث عن توحيد المعارضة الإيرانية، وبالتالي، إن الادارة الحالية ليست بوارد الخوض بعملية تغيير للنظام في إيران”، بحسب تعبيرها.

اقرأ أيضا: بداية ثورة.. ما هو مصير الاحتجاجات في إيران؟

من ندم أوباما إلى دهشة بايدن، تتعالى المواقف الأميركية في دعمها للانتفاضة الإيرانية، ولو ببطء، تاركتا للشارع الإيراني فرض الدعم المرجوة من واشنطن، من خلال ثباتهم والتفافهم حول قيادة لهم. واشنطن راغبة في تغيير النظام الحاكم في طهران أكثر من رغبة الشارع الإيراني المنتفض، لاسيما في ظل الاصطفاف الإيراني إلى جانب الصين وروسيا، ودعمها للأخيرة بالمسيرات في حربها على أوكرانيا، بالإضافة لتعثر المفاوضات النووية وتسارع دورة أجهزة الطرد المركزي، إلا أن الأدوات والوسائل للدعم الأميركي لهذا الحراك ستبقى غير واضحة حتى تتبلور قيادة ورؤية لهذا الحراك.  

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير