الدبلوماسية الأردنية ما بين روسيا والولايات المتحدة

<strong>الدبلوماسية الأردنية ما بين روسيا والولايات المتحدة</strong>
أستمع للمادة

زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إلى الأردن في 3 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، أثارت موجة من التساؤلات حول توقيت الزيارة وأسبابها، في ظل ما يشهده العالم من أزمات واصطفافات منذ إعلان روسيا الحرب على جارتها أوكرانيا في شباط/فبراير الماضي، ومع ما تشهده روسيا من محاولة غربية، لعزلها دبلوماسيا عن العالم من خلال فرض عقوبات قاسية عليها.

 إلا أن رحال وزير خارجية روسيا حطت في الأردن، الحليف الوثيق للولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، كما أن هذه هي الزيارة الأولى للافروف، منذ نيسان/أبريل 2019 إلى العاصمة الأردنية عمان، وهو ما أثار الاستغراب والتساؤل عن الملفات التي تربط روسيا بعّمان، وربما تكون رسالة سياسية روسية إلى الغرب، مفادها بأن محاولات عزلها غير مجدية من خلال زيارة لافروف إلى دول هي أقرب بكثير إلى الغرب من قربها لروسيا.

الدبلوماسية الأردنية مع الحرب الروسية الأوكرانية

لا شك أن الحرب الروسية الأوكرانية غيرت الكثير من السياسات في العالم، فغالبية الحكومات العربية التي تربطها علاقات سياسية ودبلوماسية واقتصادية وعسكرية مع الغرب، وتحديدا الولايات المتحدة الأميركية، ما زالت إلى اليوم مواقفها من هذه الحرب أقرب إلى الحيادية، كون الاتصالات والزيارات الدبلوماسية بين العرب وروسيا لم تتوقف.

الأردن يعتبر من الدول التي تعرف بسياساتها الخارجية المرنة، أو أقرب إلى سياسة صفر مشاكل، من خلال بناء علاقات ودية مع باقي الدول، إذ أن الدبلوماسية الأردنية تعرف بتبنيها لسياسة الحلول لا التصعيد، وهو ما أكد عليه الباحث الأردني، صلاح ملكاوي لـ “الحل نت”، بأنه رغم “كل التوترات السياسية مع إيران، فإن الأردن لا يتبنى سياسة العداء معها كمثال على الدبلوماسية الأردنية، وعلى الرغم من موقف الأردن الأكثر تماشيا مع الموقف الأميركي – الأوروبي بحكم التحالف الاستراتيجي الدبلوماسي بينهم، فإن موقف الأردن المعلن من الحرب يدعو للتهدئة ووقف التصعيد في حرب روسيا على أوكرانيا”.

 ملكاوي، شدد على أن الأردن يمتاز بسياسته الخارجية في إيجاد الحلول، وسعيه في قوس الأزمات من فلسطين إلى سوريا والعراق، أي إنهاء أي أزمات، بحسب وصفه.

 الدبلوماسي الأردني بسام العموش، وهو سفير الأردن السابق في إيران، تحدث لـ “الحل نت“، عن العلاقات الروسية الأردنية بإنها منذ “سقوط الاتحاد السوفييتي تحسنت العلاقة الأردنية مع روسيا، ولم تمر بما ينغص العلاقة، رغم عدم إخفاء الأردن لميله للغرب الذي يقدم الدعم للأردن، كما أن التسليح الأردني تسليح غربي ولا مطمع روسي في تغيير الولاء العسكري، ولهذا تبقى العلاقة في الإطار السياسي بين البلدين على قاعدة المصالح المشتركة”.

العموش نوه على أن زيارة لافروف إلى عمان قد تكون رسالة للغرب موضحا بأن “الروس أصحاب مصلحة أن تعترف دول المنطقة بالدور الروسي، كما لهم مصلحة في إرسال رسالة إلى الغرب، بأن الدول ذات الميل الغربي في المنطقة لا تقاطع روسيا، ولا تخلط الأمور بشأن ما يجري في أوكرانيا، لكن ذلك لا يقلق الولايات المتحدة الأميركية”.

“لا يتخوف الأميركيون من الحوار الأردني الروسي، لأن الأردن لن يقدم للروس دعما عسكريا ولا سياسيا ولا إعلاميا في المسألة الأوكرانية، فعلاقة الأردن مع أميركا علاقة استراتيجية ثابتة، بغض النظر عمن يحكم في أميركا سواء كان جمهوريا أو ديمقراطيا، بحسب العموش.

بدوره أكد صلاح ملكاوي على سعي روسيا “لكسب التأييد الأردني وكسب المزيد من الحلفاء لمواجهة جميع الاجراءات الغربية ضد روسيا بعد غزوها لأوكرانيا، ومحاولة التأثير على موقف الأردن ليكون أكثر حيادية في الملف الأوكراني، مقابل جعل الحدود الشمالية الأردنية أكثر أمنا من خلال تفاهمات جديدة مع موسكو، وتحديدا ملف المخدرات والضغط على الحكومة السورية لضبط هذه التجارة والتهريب إلى الأردن وعبرها” بحسب تعبيره.

الملف السوري يربط عمان بموسكو

منذ دخول روسيا عسكريا وبشكل مباشر لمساندة الحكومة السورية في العام 2015، بات الملف السوري هو أهم ملف يربط عمان بموسكو، ولا يمكن الحديث عن العلاقات الأردنية الروسية والمصالح المشتركة بين الدولتين دون أن نعرج على الملف السوري، وهو ما كان على رأس جدول أعمال سيرغي لافروف في زيارته إلى عمان من خلال حديثه مع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، ووزير خارجيته.

ملكاوي يرى أن الزيارة “جاءت على ما يبدو على عجل بعد التطورات التي تشهدها المنطقة وتحديدا الجنوب السوري، بعد تصاعد نفوذ ميليشيات إيرانية على الحدود الأردنية، وتأتي زيارة لافروف إلى عمان ولقاءه جلالة الملك ووزير الخارجية ضمن جولة شملت أيضا العاصمة الإماراتية أبو ظبي، وهنا لا يمكننا فصل الدولتين الأردن والإمارات عن بعضهما، وأيضا من خشية العاصمتين عمان وأبو ظبي عما نشر في الصحف الأميركية عن وجود تهديدات عسكرية إيرانية حقيقية لضرب منشأت حيوية سعودية”.

ملكاوي صرح أيضا بأن “مصادر خاصة أكدت له، أنه طلب من الروس تنفيذ إلتزاماتها التي وقعت عليها في صيف 2018، بالضغط على إيران والمليشيات التابعة لها بسحبها إلى مسافة 60 كيلومتر عن الحدود الأردنية”.

بسام العموش أكد “على حرص الأردن على تبقى علاقته متوازنة مع روسيا، وبخاصة أن روسيا صاحبة نفوذ في سوريا، ومن مصلحة الأردن أخذ موافقة روسية لتنظيف الجنوب السوري من إيران وعصاباتها ومخدراتها، كما أن روسيا التي ثبتت حكومة دمشق، لا تريد أن يقطف الإيرانيون ثمرة صمود الأخيرة بل يجب أن تبقى السيادة روسية”، وفق تعبيره.

حسن العلاقة مع روسيا يعكس حسن علاقة مع الحكومة السورية التي لم تستطع المعارضة تغييرها، وهذا يجعل الأردن في دائرة تحسين العلاقة مع الجار الشمالي سياسيا واقتصاديا وربما نال شيئا من فوائد الإعمار في سوريا، بحسب العموش.

إنقاذ روسيا للمبادرة الأردنية

الأردن يحاول مع دولة الإمارات بإعادة الحكومة السورية إلى الحضن العربي، وهو ما ظهر جليا في تصريحات المسؤولين الأردنيين، وقدم الأردن مبادرة في القمة العربية التي عقدت في الجزائر الأسبوع المنصرم، لحل الأزمة السورية عربيا. “لم يحصل الأردن على موافقة بإجماع عربي في القمة الأخيرة، نظرا لرفض عدد من الدول لهذه المبادرة، ويبدو أن روسيا تحاول استغلال الفرصة، وأن تتبنى هذه المبادرة” وفق ملكاوي.

على الرغم أنه لم يتم نشر أي تفاصيل عن فحوى هذه المبادرة وما بنودها، إلا أن سيرغي لافروف توجه إلى العاصمة الإماراتية أبو ظبي بعد زيارته لعمان، وأثناء مشاركته في منتدى الأمن والسلام العالمي، ألتقى مع غير بيدرسون المبعوث الأممي إلى سوريا، وألتقى مع أيمن الصفدي وزير الخارجية الأردني أيضا، وأكد “لافروف لبيدرسون على أهمية التركيز على مخرجات زيارته لعمان بخصوص الحل في سوريا، وبنفس الوقت ألتقى بيدرسون مع بدر جاموس رئيس هيئة التفاوض في المعارضة السورية، وأعتقد أن أهم مخرجات هذه الاجتماعات هو تبني روسيا لمبادرة الأردن لحل الأزمة السورية” كما أشار ملكاوي.

موسكو ترى أنه برغم الحلف الاستراتيجي العميق بين الأردن والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلا أنها قادرة على جعل الأردن أقرب إلى الحيادية في حربها ضد أوكرانيا، فاللدولتين ما يعطيا لبعضهما، فمقابل الموقف الأردني الحيادي الذي تريده موسكو، بيد الأخيرة جعل الحدود الأردنية الشمالية أكثر هدوءا، بالضغط على الميليشيات التابعة لإيران بالتراجع عن الحدود إلى المسافة المتفق عليها، وجعل النفوذ الروسي أكثر توسعا من خلال فصائل محليا كاللواء الثامن في الجيش السوري الموالي لروسيا، كما أن روسيا تتشارك مع الأردن في توجهات عدة ومنها حل الأزمة السورية، وعودة اللاجئين السوريين الذي يشترط الأردن أن يكون طوعيا وأمنا.

قد يهمك: سيرغي لافروف في عمّان.. ما المصالح المشتركة بين روسيا والأردن؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير