تداعيات تفجير اسطنبول يضع المنطقة على صفيح ساخن

<strong>تداعيات تفجير اسطنبول يضع المنطقة على صفيح ساخن</strong>
أستمع للمادة

بعد عشر ساعات من التفجير الذي وقع في مدينة اسطنبول التركية يوم الأحد 13 تشرين الثاني/نوفمبر، والذي راح ضحيته 6 قتلى و81 جريحا جميعهم من المدنيين، أعلنت أنقرة القبض على منفذة الهجوم في أحد أحياء مدينة اسطنبول، وتدعى أحلام البشير، تبلغ من العمر 23 عاما، إلى جانب 21 مشتبها بهم.

 الداخلية التركية اتهمت “حزب العمال الكردستاني” بتنفيذ هذا الهجوم، إلا أنه وبعد الكشف عن هوية وصورة منفذة العملية والتفاصيل الأولية، كثرت التساؤلات والتكهنات حول الهجوم وتوقيته، وما بين مشكك ومصدق للرواية التركية الرسمية بعد الكشف عن هوية منفذة العملية والتفاصيل المنشورة عنها.

قد يهمك: موسكو تلوم أنقرة على ضلوع مواطنين روس في تفجيرات اسطنبول

التفجير الذي وقع في إسطنبول، جاء في توقيت حساس للغاية على المستوى الداخلي التركي، إذ تتصارع الأحزاب منذ الآن استعدادا للانتخابات الرئاسية التركية في حزيران/يونيو 2023، والتي تحاول المعارضة التركية من خلالها العودة إلى السلطة منذ أن فقدتها مع بداية الألفية الجديدة.

 على المستوى الدولي تلعب تركيا دورا محوريا بعد الحرب الروسية – الأوكرانية، إذ تسعى كل من واشنطن وموسكو استرضاء تركيا في لعبة الاصفطافات الدولية التي أعقبت الحرب، وجاء التفجير قبل يوم واحد من اجتماع، جمع بين رئيسي الاستخبارات الأميركية والروسية برعاية المخابرات التركية، وهو الاجتماع الأول بين واشنطن وموسكو بشكل مباشر منذ بداية الحرب في شباط/فبراير الماضي.

الرواية التركية الرسمية

في اليوم التالي، ومن موقع الجريمة بشارع “الاستقلال أو تقسيم” في اسطنبول، اتهم وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، كل من “حزب العمال الكردستاني”، وحزب “الاتحاد الديمقراطي” في سوريا بتنفيذ الهجوم، ووضح صويلو أن منفذة العملية تم تدريبها في كوباني (عين العرب) في سوريا.

منفذة العملية عبرت الأراضي التركية من منطقة عفرين في ريف حلب الشمالي، وفق صويلو، وهي مناطق النفوذ التركي. لكن الكثير من السوريين شككوا بالرواية الرسمية التركية؛ باعتبار أن التواصل البري بين مناطق الإدارة الذاتية، ومناطق “درع الفرات” و “غصن الزيتون” المواليتين لتركيا مقطوعة، كما أن التنقل بين الولايات التركية تتطلب موافقة رسمية.

بدوره اتفق الدكتور سمير العبد الله، في حديثه إلى “الحل نت” أن الكثير من السوريين شككوا بالرواية الرسمية، “وخاصة فيما يتعلق بالمتهمة الرئيسية بالتفجير”، ولا يستبعد العبد الله، وهو باحث أكاديمي في مركز “حرمون” للدراسات المعاصرة، أن يستمر التشكيك بالرواية حتى يتم إعلان كامل التفاصيل، ولا شك أن الكثير من الجهات تسعى لاستهداف تركيا على رأسها “حزب العمال الكردستاني”، وتنظيم “داعش” الإرهابي وغيرها من التنظيمات الإرهابية، لذلك ربما بنت الحكومة التركية اتهامها على أدلة، وعلى اعترافات المتهمين بالتفجير الإرهابي، وفق تعبيره.

بعد كشف الداخلية التركية روايتها الرسمية وبحسب تقديراتها الأولية، وعدم تبني أي جهة للعملية، نفى كل من “حزب العمال الكردستاني”، والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا عن أي علاقة لهم بالتفجير، وبدوره توجه قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، بالعزاء لشعب التركي وأكد أن لا علاقة لقواته بالتفجير، ونرفض المزاعم التي تتهم قواتنا بذلك، بحسب تعبيره.

“حزب العمال الكردستاني”، كان ينفي هجماته السابقة أيضا، كما أن تنظيم “داعش” لم يتبنى الهجوم، بحسب حديث الصحفي التركي، ليفنت كمال، لـ “الحل نت” ويتفق كمال مع الرواية الرسمية، معللا على أن “المعلومات التي نشرتها الداخلية التركية متسقة بشكل عام في الوقت الحالي”.  

في هذا الصدد، أوضح صحفي سوري مقيم في تركيا، لـ “الحل نت” طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، أنه رغم انعدام التنقل البري والسفريات بين مدينة منبج في مناطق الإدارة الذاتية، ومدينة جرابلس في منطقة “درع الفرات”، إلا أن “التجارة قائمة ومتبادلة بشكل قوي، ولا تتوقف إلا أُثناء العمليات العسكرية، ولكن معابر التهريب التي يشرف عليها مجموعات داخل الفصائل في الجيش الوطني الموالي لتركيا، تقوم بعمليات التهريب بشكل منظم.

التهريب من مناطق “درع الفرات” إلى تركيا متاح، وأيضا عبر مهربين والفصائل وبأسعار مختلفة ما بين 4 إلى 10 آلاف دولار، وحتى التنقل بين الولايات التركية هناك سماسرة يقومون بنقل ممن لا يحملون أذونات رسمية عبر سيارات خاصة، طالما هناك أموال كل شيء يسير، وفق وصفه.

التداعيات على الداخل التركي

تركيا تشهد صراعا محتدما بين الأحزاب التي تستعد لخوض انتخابات رئاسية في العام المقبل، ويعد الوضع الاقتصادي وقضية اللاجئين أحد أبرز القضايا الداخلية، إلى جانب ملف الإرهاب، إذ صرح سليمان صويلو تعقيبا على تفجير اسطنبول، أن “الداخلية التركية أحبطت 200 عملية إرهابية خلال العام جاري”، على حسب قوله، وأن هذه العملية هي الأولى في اسطنبول منذ 7 أعوام.

الباحث سمير العبد الله، يرى أنه “كلما اقتربت الانتخابات زادت التحديات الأمنية التي قد تواجهها تركيا، لأن كثير من الجهات المعادية لتركيا، ترغب بأن تلعب هذه العمليات الإرهابية دورا في التأثير على نتائج الانتخابات، وهذا ما حصل عبر التفجير الإرهابي الأخير، فلا أعتقد أن هناك تقصير أمني واستخباراتي، لكن التحديات ستزداد، وربما تنجح بعض التنظيمات الإرهابية بالقيام ببعض العمليات بين الفترة والأخرى”.

 العبد الله يتوقع في الفترة القادمة الكثير من الإجراءات المشددة تجاه السوريين “وخاصة أن الاتهام قد تم توجيهه إلى مواطنة سورية وفقا للرواية الرسمية حتى الآن، مما قد يزيد من الحملات الإعلامية المعادية للسوريين، والتي قد تدفع الكثير من السوريين للعودة إلى سوريا” بحسب تعبيره.

بالنظر لمكان وقوع التفجير فإنه “وقع في منطقة حيوية تغص بالسياح الأجانب، ما يشير إلى أن من نفذ الهجوم أراد إيصال رسالة مفادها أنه قادر على التأثير في أهم القطاعات الحيوية في تركيا، وأنه قادر على الوصول لأهم وأكبر المدن التركية”، وفق الصحفي السوري، وهو ما قاله صويلو “أن الرسالة وصلت”.

بالنظر لتأثير هذه التفجيرات على السياسة الداخلية “بالتأكيد سيعقب هذه التفجيرات تشديدا تجاه الأجانب عموما في ولاية اسطنبول وغيرها من الولايات، وكون عدد السوريين هو من الأكبر بين جنسيات الأجانب في تركيا، فسينعكس الأمر عليهم بشكل واضح، روبما ستزيد حملات التفتيش والتدقيق في عناوين المقيمين، وكذالك سترتفع وتيرة الإجراءات الأمنية في طرق السفر والمطارات وغيرها”، بحسب الصحفي السوري.

بينما ليفنت، يقول إنه وبعد التفجير لم يكن هناك “ردود أفعال تجاه السوريين، رغم أن ملف اللاجئين كان من أكثر الملفات المطروحة في السجالات السياسية، ولا أرى أن هذا التفجير سيغير من سياسة الحكومة تجاه اللاجئين، أما المعارضة فإنها تحجم جزئيا بربط هذا العمل الإرهابي بالسوريين”، وأضاف أنه من الواضح أن هذه الأعمال الإرهابية لن تؤثر على اختيار الناخبين.

التداعيات الخارجية.. عملية عسكرية في شرق سوريا!

كان من أبرز وجهات النظر المشككة في الرواية الرسمية التركية، أن “حزب العمال الكردستاني”، أو “قوات سوريا الديمقراطية” تدرك تماما أن تركيا تنتظر أي ذريعة لشن عملية عسكرية في شرق سوريا، بعدما فشلت في الأشهر الماضية بالحصول على ضوء أخضر من الولايات المتحدة وروسيا، للمضي في مشروعها بتأمين حدودها الجنوبية، وتوفير مناطق داخل سوريا لترحيل مليون لاجئ من أراضيها لتخفيف الأزمة الداخلية.

وزارة الدفاع التركية توعدت يوم الثلاثاء 15 تشرين الثاني/نوفمبر، في بيان كل من “حزب العمال الكردستاني” و”وحدات حماية الشعب” التي تشكل العمود الفقري في قوات سوريا الديمقراطية، بأنه سيتم محوهم من البلاد والمنطقة، بحسب البيان.

العبد الله يستبعد أن تقوم تركيا بشن أي عملية عسكرية في شمال وشرق سوريا قبل الانتخابات الرئاسية في العام القادم، “فأي عملية عسكرية كبيرة في تلك المنطقة تحتاج للحصول على موافقة من اللاعبين الرئيسيين في المنطقة وخاصة أميركا وروسيا، وهذه الموافقة لم تتمكن تركيا من الحصول عليها سابقا، وليس من المتوقع أن تغير أميركا وروسيا مواقفهما بعد هذه العملية الإرهابية”.

ليفنت كمال يتفق مع ذلك، ويرى أن “تركيا ليست في وضع يمكنها القيام بعملية عسكرية في سوريا في الوقت الحالي. تعمل تركيا حاليا ضمن سياسة التوازن مع كل من الولايات المتحدة وروسيا، ولا تريد أنقرة أن تفسد هذا التوازن، ولكن قد تقوم تركيا بعمليات محدودة من خلال القصف أو ضربات من الطائرات بدون طيار بشكل أكثر من السابق”.

اقرأ أيضا: بحثاً عن “حماية دائمة”.. سوريون يتدفقون من تركيا نحو أوروبا

ما زالت الرواية التركية ناقصة، وهي ليست مقنعة لغاية الآن، فأن قيام “حزب العمال الكردستاني”، أو قوات سوريا الديمقراطية بعمليات في الداخل التركي يعني إعطائها ذريعة على طبق من الذهب للقيام بعمليات عسكرية في شرق سوريا، والحزب يدرك أن تركيا تسعى لذلك، وستنتهز أي فرصة لتحقيق ذلك، كما أن استهداف الأماكن المدنية الذي يعد عمل إرهابي جملة وتفصيلا، سيغير من تعامل الولايات المتحدة مع قوات سوريا الديمقراطية، في الوقت الذي لا تريد فيه واشنطن أن تقف تركيا إلى الجانب الروسي.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير