استنساخ الأعمال التركية وتأثيرها على الإنتاجات العربية

<strong>استنساخ الأعمال التركية وتأثيرها على الإنتاجات العربية</strong>
أستمع للمادة

مطلع الألفية الجديدة، شهد انتشار المسلسلات التركية المدبلجة إلى اللهجة السورية، وذلك استغلالا لانتشار الأخيرة في العالم العربي، مع طفرة إنتاج المسلسلات السورية وانتشارها.

خلال السنوات القليلة الماضية لم يتوقف الأمر على دبلجة هذه المسلسلات التي حازت على نجاح كبير، بل أُنتجت أعمال عربية مستنسخة حرفيا من النسخة التركية الأم للعمل الفني، وهو ما يفتح باب السؤال حول أسباب هذا الاستنساخ، وكيفية تأثيره على عملية الإنتاج العربي، الذي يعاني بدوره من الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في المنطقة.

استنساخ أم اقتباس.. مرحلة ما بعد “الدبلجة”

لا تعدّ عملية اقتباس أعمال فنية من أخرى سبقتها، سواء على صعيد المسلسلات أم الأفلام أمرا جديدا، إذ نجد أن فيلم “العجائب السبعة” الأميركي والمنتج في عام 1960، مقتبس بالأصل من فيلم “الساموراي السبعة” الياباني (أنتج في عام 1954)، ثم أنتج في العالم العربي تحت اسم “شمس الزناتي” في عام 1991.

لكن الفكرة في هذه التجارب، سواء تلك المذكورة في الأعلى أم غيرها، تضمنت محاولة إعادة إنتاج العمل بما يناسب بيئته المحلية أولا، والابتعاد عن الاستنساخ الكُلي، وبالتالي حملت كل نسخة من هذه النسخ خصوصيتها، بغض النظر عن جودة القصة والتصوير والإخراج.. إلخ.

اللافت في تجربة المسلسلات التركية ونقلها إلى العربية في مرحلة ما بعد “الدبلجة”، هي أن بعض الإنتاجات الأخيرة في العالم العربي لم تكن مقتبسة، بل مستنسخة بشكل حرفي وعلى جميع الصعد من نظيرتها التركية، بما في ذلك تكوين الصورة (تعريف التكوين) والحوار وأزياء الممثلين والممثلات، وهو ما يفقد العمل خصوصيته الإبداعية بالأصل، بل إن مسلسل “ستيليتو” المنتج أخير لصالح منصة “شاهد” التابعة لمجموعة “أم بي سي” السعودية، أخرجه المخرج التركي إندر أمير.

عن أسباب الاستنساخ، ترى الكاتبة والصحفية المقيمة في باريس نور عويتي، خلال حديثها لـ “الحل نت” بأن “الشعبية الكبيرة التي حظيت بها الدراما التركية منذ أن بدأت موجة الدبلجة، كان لها الدور الأكبر بجعل الشاشات العربية تمتلئ بحكايات عن واقع فائق، لا تشبه الشارع العربي ولا تنتمي إليه” على حد تعبيرها.

ما أدى وفق عويتي، إلى “تحولات كبيرة على الإخراج والتصوير في الدراما، فأصبحنا نشاهد صور بصرية وتشكيلات مكانية مصطنعة ومجملة لا تشبه بيوتنا وواقعنا، هذا الشكل الدرامي الذي يعتمد على البهرجة البصرية، ولا يدرك أي عمق اجتماعي أو سياسي، بدا أنه المنفذ التجاري الأفضل لشركات الإنتاج الفنية، التي حاولت قدر الإمكان الابتعاد عن الاصطفافات السياسية للحفاظ على مكانتها، أثناء موجة ثورات الربيع العربي” بحسب رأيها.

مع الوقت بات هناك بنية درامية واضحة وتتطور بشكل مستقل عن الظروف التي صنعتها الأزمة الأساسية التي كانت تعيشها هذه الدراما، بحسب ما كان يتم تصديره من شركات الإنتاج، هي أزمة النصوص الدرامية، التي لم يتم اتخاذ خطوات جادة لتجاوزها، حيث بقي عدد محدود من الكتاب يتحكم بهذه الصناعة، وهكذا كانت الخطوة الوحيدة الحقيقية التي اتخذتها شركات الإنتاج لحل أزمة النصوص، هو اللجوء إلى المسلسلات التركية لاستنساخها حرفيا، بعد شراء حقوق الملكية الخاصة بها، وفق عويتي.

فيما يبدو أن هناك علاقة بين الظروف السياسية والاقتصادية، ولجوء شركات الإنتاج العربية لاستنساخ الأعمال التركية بشكل كامل بدلا من الاكتفاء بالدبلجة أو حتى الاقتباس، وفق حديث الكاتب المسرحي والناقد الفني الفلسطيني سلام أبو ناصر، لـ”الحل نت”.

“عندما نعود لعشر سنوات إلى الخلف، سنجد غزو المسلسلات التركية للسوق العربية، وهذا الغزو أحرج الإنتاج العربي، نظرا لخصوصية جديدة تملكها هذه المسلسلات بكوادرها ونصوصها، برغم أن النصوص لا تحمل قيمة فنية عالية، لكن الإنتاج التركي هو من يملك هذه القيمة من العوامل اللوجستية والأزياء والتصوير وغيره، وهو ما خلق صورة مختلفة عن صورة التسعينات المرتبطة بالإنتاجات الأجنبية المدبلجة (المكسيكية على سبيل المثال)، وفق أبو ناصر.

الخصوصية هنا تتمثل في عدة نقاط، يرى أبو ناصر، ومنها القضايا العاطفية التي تعلق بها المجتمع العربي، والتي لها أسباب أخرى تتقاطع مع النتيجة نفسها، وجاءت خلال عشر سنوات مفصلية نظرا للتغييرات وتفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية، وفي الوقت الذي كان المجتمع العربي يحتاج لأماكن جديدة يتنفس من خلالها وكانت المسلسلات التركية خير ملجأ، بحسب تعبيره.

الإنتاج العربي شعر بالإحراج، وفق أبو ناصر، نظرا للتضخم وحضور المسلسلات التركية في السوق العربية فبحث عن وسائل ليضاهي هذا الانتشار، فالأمر هو سلعة وتجاري بحت، لذا لجأت شركات الإنتاج العربية لاستنساخ هذه المسلسلات بشكل حرفي، كنوع ووسيلة لمضاهاة الإنتاج التركي، هذا على الصعيد الأول.

الاستنزاف والاستهلاك التجاري البحت لمضاهاة السوق، بالإضافة إلى استجرار القاعدة الجماهيرية العربية التي اتجهت إلى الدراما التركية، وهو ما انعكس سلبا على الأعمال العربية التي فضلت في بعض الأحيان اللجوء إلى الدراما التركية، لأنها تمتلك حريات أكبر ومساحات لعب أكبر على مستويات حرية الفكر والإنتاج والرأي والتصوير، هذه الأمور يفتقدها المجتمع العربي، كمثال مشاهد القبل والعلاقات ما قبل الزواج، وهي مشاهد دخيلة على المشاهد العربي وتلقاها بإيجابية، وفق أبو ناصر.

استنساخ لا اقتباس يؤثر على الإنتاج العربي

كما ذكر في مقدمة هذه السطور، فإن عملية اقتباس الأعمال الفنية من بعضها البعض هي عملية طبيعية تماما، بل وضرورية في بعض الأحيان، إذ يمكن من خلالها اكتشاف أبعاد جديدة للحكاية المرويّة ولشخصياتها، سواء كان العمل في المسرح أم في السينما أو الأعمال الدرامية التلفزيونية.

سلام أبو ناصر أوضح الفرق بين الاستنساخ والاقتباس، بكونه بأن الأخير يعدّ نوعا من “المحسنات البديعية ووظيفته دلالية، لدعم نص ما أو توجيه المشاهد إلى فكرة سابقة ثابتة، وبالتالي فالفارق بينهما ظاهري، ولكن من الناحية العملية هو فرق مهني وإنتاجي بين توظيف عمل كامل لاستنساخه، وبين توظيف فكرة أو حدث أو فقرة لدعم نص مختلف يكمّل الحاجة الدلالية للنص الجديد” على حد وصفه.

الاقتباس ليس مذمّة أو نقيصة في العمل الدرامي، بحسب نور عويتي، ومعظم الأعمال الدرامية فيها شيء من الاقتباس أو التناص. المشكلة في الأعمال العربية المستنسخة تكمن بعدم تطبيعها مع المجتمع أو الواقع العربي، ويعمل الكاتب عند الاقتباس على نسج حكاية جديد بالاعتماد على الخيوط الرئيسية في الحكاية الأصلية، وإضافة خيوط وتفاصيل جديدة بما يتناسب مع البيئة التي تطرح فيها، بينما الاستنساخ يؤدي إلى عمل زائد عن الحاجة ولا يقدّم أي جديد أي يذكر، مجرد مسلسل قديم ويُعاد، وفق تعبيرها.

مع توضيح الفارق ما بين الاقتباس والاستنساخ، يبدو واضحا تأثير الأخير على عملية الإنتاج الفني في العالم العربي، إذ أن عملية الاستنساخ هذه لن تؤدي فعليا، سوى لزيادة هجرة المشاهدين نحو الأعمال الأصلية وخاصةً مع توفرها عبر المنصات والقنوات الفضائية أو النسخ المقرصنة المنتشرة عبر الإنترنت.

كل العناصر بمختلف مضامينها مجتمعة، وفق أبو ناصر، ستبقى متواجدة ومستمرة بصيرورة لغياب الحلول، لأن الإنتاج العربي لا يملك حلول تقوية المنتج المحلي على حساب المنتجات الدخيلة والمستوردة من الخارج، لذا يحاول البحث عن هذه البدائل، لذا يؤثر على جودة الأعمال التي يطرحها لأن هناك تخبط وضعف إنتاج عربي يؤثر بدوره على أي صياغة عملية لمنتج جديد.

قد يهمك: فنانون سوريون ينضمون إلى المسلسلات التركية

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول ثقافة