الأزمة السياسية في ميانمار.. حكومة “الظل” تدق ناقوس الخطر بعد الاجتماع مع “الآسيان”

ميانمار الآسيان
ميانمار الآسيان

حكومة “الظل” في ميانمار حثت الجمعة الفائت، دول رابطة “الآسيان” على عدم التراجع عن سياستها المتمثلة في استبعاد القادة العسكريين للبلاد من اجتماعاتها بعد أن استضافت تايلاند وزراء المجلس العسكري في محادثات غير رسمية مع مسؤولين آخرين في جنوب شرق آسيا.

مسؤول كمبودي قال بحسب وكالة “رويترز” إن وزراء حكومة تايلاند وكمبوديا ولاوس وفيتنام التقوا بممثلي المجلس العسكري في بانكوك يوم الخميس الفائت، “لإيجاد سبل لعودة الحياة إلى طبيعتها”، لا سيما مع استمرار العنف والفوضى السياسية والاقتصادية في ميانمار بعد الانقلاب العام الماضي.

لكن الأعضاء الرئيسيين في رابطة دول جنوب شرق آسيا “الآسيان” وأشد منتقدي المجلس العسكري علانية، رفضت دعوات المجلس العسكري لحضور الاجتماع؛ كون الأخير يعد الحليف الأقوى لـ”الحزب الشيوعي الصيني”، إذ تعهدت بكين بدعم المجلس العسكري في ميانمار دون اهتمامها لكيفية تغيير الوضع هناك، فهل تستطيع “الآسيان” فرض حل شامل وكبح جماح “الشيوعي” الصيني عبر حكومة وحدة وطنية في ميانمار.

حماية الاستثمارات

مع تصاعد الحرب الأهلية، ترى بكين أن المجلس العسكري هو أفضل رهان لحماية استثماراتها، حيث صرحت الحكومة الصينية في نيسان/أبريل الفائت، أنها ستدعم حكومة ميانمار العسكرية بغض النظر عن كيفية تغير الوضع في البلاد خلال الأشهر والسنوات المقبلة. ووفقًا لوكالة “أسوشيتد برس”، أخبر وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الميانماري وونا ماونغ لوين، أن بكين “وضعت ميانمار دائمًا في موقع مهم في دبلوماسية الجوار” وتريد “تعميق التبادلات والتعاون”.

الخبير في السياسيات الخارجية لشرق آسيا، توماس بيرجر، أوضح لـ”الحل نت”، أن زيارة وانغ يي إلى ميانمار في الربع الأول من العام الجاري وهي الأولى لمسؤول كبير في الحزب “الشيوعي” منذ أن أطاح انقلاب عسكري بحكومة ميانمار المنتخبة في شباط/فبراير 2021، كان هدفها الظاهري هو المشاركة في رئاسة اجتماع وزراء الخارجية لإطار إقليمي تقوده الصين معروف، كمنتدى تعاون “لانتسانغ ميكونغ”.

إلا أن أهميتها كانت أعمق من ذلك، لإيصال رسالة واضحة وضوح الشمس بشأن الصراع الدائر في ميانمار، حيث اختارت الصين تعزيز جيش ميانمار في معركتها ضد حركة “المقاومة الشعبية” المتنامية بسرعة وستدعم موقع المجلس العسكري داخل المنصات الرئيسية المتعددة الأطراف.

وفقا لحديث بيرجر، فإن “الشيوعي” الصيني يراهن على أن مساعدة المجلس العسكري في ميانمار ستعزز الاستئناف السريع لمشاريعها الاقتصادية الجيواستراتيجية وتساعد على توسيع نفوذها في جنوب وجنوب شرق آسيا.

في المقابل، تنظر بكين إلى حكومة الوحدة الوطنية المؤيدة للديمقراطية والمنظمات العرقية المسلحة المتحالفة معها باعتبارها عقبات ثورية، أضعف من أن تهزم النظام لكنها قوية بما يكفي لتأخير خطط بكين لتسخير ميانمار اقتصاديًا في مقاطعاتها الجنوبية الغربية.

بالتالي يرى بيرجر، أن استراتيجية الحزب الحاكم في الصين تجاه المجلس العسكري تمثل تهديدا متزايدا للأمن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. لأن دعم النظام العسكري وإضفاء الشرعية عليه يهدد بإثارة مزيد من العنف في ميانمار ودفع أي حل سلمي للصراع بعيد المنال. وسيضطر جيران ميانمار إلى تحمل تكاليف باهظة مع انتشار العنف عبر حدود ميانمار وعبر المنطقة.

تحرك لكبح جماح بكين

بينما تدفع الصين دول “ميكونغ” لتعميق العلاقات مع النظام العسكري في ميانمار، تخاطر رابطة أمم جنوب شرق آسيا “الآسيان” بفقدان فرصة لعب دور الوسيط بين المجلس العسكري والمعارضة، مما يقوض أي احتمالات للتوصل إلى توافق حقيقي بين الدول الأعضاء في الآسيان ومما يزيد من شلل الاستجابة الإقليمية.

وزارة الخارجية الكمبودية الجمعة الفائت، إن هدف الاجتماع هو مناقشة تسريع تنفيذ عملية السلام المكونة من خمس نقاط المتفق عليها بين “الآسيان” والمجلس العسكري، والتي تشمل إنهاء الأعمال العدائية، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية وإشراك جميع أصحاب المصلحة.

الخبير في السياسيات الخارجية لشرق آسيا، بيّن لـ”الحل نت”، أن دول رابطة “الآسيان” شعرت بإحباط متزايد بسبب عدم إحراز تقدم في خطة السلام من المجلس العسكري لكنها استبعدت عقوبات على النمط الغربي ضد ميانمار أو طردها من المجموعة المكونة من 10 أعضاء. حيث ألقى المجلس العسكري في السابق باللوم على جائحة “كورونا” وجماعات المقاومة المسلحة لفشلها في تحقيق السلام.

أحد الخبراء ذكر لوكالة “رويترز”، أن الاجتماع غير الرسمي مع شخصيات المجلس العسكري “لم يكن مفيدا لجهود الآسيان الشاملة للمساعدة في التوصل إلى حل دبلوماسي لحل الأزمة”. فيما قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية التايلاندية كانشانا باتاراتشوكي، “كانت المشاورات غير الرسمية المفتوحة مع أعضاء الحكومة الوطنية ذات مغزى، حيث انخرط الوزراء في مناقشات استباقية وسريعة التدفق”.

جاء الاجتماع بعد يوم من موافقة مجلس الأمن الدولي على قرار يطالب بوقف فوري للعنف في ميانمار ويحث حكامها العسكريين على استعادة المؤسسات الديمقراطية والإفراج عن جميع السجناء المحتجزين تعسفيا، بمن فيهم الزعيمة المخلوعة أونغ سان سو كي، حيث صوت المجلس بـ 12 صوت على الموافقة يوم الأربعاء الفائت، بينما امتنعت الصين والهند وروسيا عن التصويت.

في حين أن بكين بقيادة “الشيوعي” الصيني هي بلا شك صاحب المصلحة الرئيسي الذي يدعم المجلس العسكري، لذا راهنت في استراتيجيتها بزج دول رابطة “الآسيان” في القضية، بحجة أن مبدأ مركزية “الآسيان” جعلها الفضاء المتعدد الأطراف المناسب لمعالجة الأزمة، إلا أنها في الوقت ذاته عمّقت المشكلة بإبقاء القضية خارج مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وتطلب من الدول التي تدفع باتجاه استجابات أقوى أن تعمل ضمن حدود إطار عمل “الآسيان” القائم على الإجماع.   

احتكاكات الصين و”الآسيان”

طوال معظم عام 2021، دفع “الشيوعي” الصيني أعضاء “الآسيان” البحريين لدعم خطة المجلس العسكري لمعالجة الأزمة، عبر تجميع لجنة انتخابات مؤيدة للجيش، واختيار بعض منظمات معيقة لعملية السلام، والمضي قدما في المشاريع الاقتصادية، وأخيرا إجراء انتخابات مزورة لتمكين حكومة عسكرية. إلا أن ذلك انعكس عليه حيث رفضت الدول البحرية الرئيسية، وخاصة ماليزيا وإندونيسيا، خريطة طريق المجلس العسكري وطالبت بحوار “الآسيان” مع المعارضة.

عندما تولت كمبوديا رئاسة رابطة “الآسيان” في أواخر العام الماضي، اعتقدت بكين في البداية أنها قد تستفيد من سيطرة كمبوديا على منصب المبعوث الخاص للرابطة لتحريك الكتلة نحو إضفاء الشرعية والاعتراف بالمجلس العسكري. لكن في مواجهة معارضة مستمرة من الدول البحرية، أثبتت كمبوديا أنها غير حاسمة بل متقلبة في دورها كرئيس ومبعوث خاص، حتى أن رئيس الوزراء هون سين، أعلن أن كمبوديا ستلقي باللوم على مجلس ميانمار العسكري في عدم تحقيق حكومة وطنية.

وبينما عززت بكين تعاملاتها التجارية مع الحكومة التابعة للمجلس العسكري في ميانمار منذ استضافتها أكبر دبلوماسي في المجلس العسكري في نيسان/أبريل الفائت، استمر الجيش في التراجع أمام قوات المعارضة على مدى الأشهر الثلاثة الماضية. وقد تآكلت سيطرته بشكل خاص في منطقتي ساجاينج وماغواي، حيث طردت قوات “الدفاع الشعبي” غالبية مسؤولي المجلس العسكري من مناصبهم.

الآن يخوض الجيش حروبًا على سبع جبهات رئيسية، حيث تكبد خسائر كبيرة في ساحة المعركة. وفي الوقت نفسه، تلاشت قدرته على تجنيد وتدريب قوات جديدة تقريبا، مما أجبره للاعتماد على ضباط الشرطة في الحرب وزجهم إلى الخطوط الأمامية. وهذا يترك النظام الحالي معتمدا بشكل متزايد على القوة الجوية للحفاظ على مواقعه في ست ولايات ومناطق رئيسية، وهو تكتيك يغذي الأزمات الإنسانية والاقتصادية ويزيد من حنق السكان.

استولى جيش ميانمار على السلطة في شباط/فبراير من العام الماضي وشن حملة عسكرية على احتجاجات واسعة النطاق، بعد أن استخدمت قوات الأمن القوة المميتة ضد المتظاهرين السلميين، وأدى ذلك لحمل معارضو الحكم العسكري السلاح، وجر البلاد نحو حرب أهلية.

سعت رابطة دول جنوب شرق آسيا “الآسيان”، والتي ميانمار عضو فيها، إلى تعزيز خطة سلام من خمس نقاط. وافق حكام ميانمار العسكريون في البداية على الخطة، لكنهم لم يبذلوا جهدا يذكر لتطبيقها.

لذا أعلنت الرابطة لاحقا أن ميانمار غير مرحب بها لإرسال أعضاء حكومتها العسكرية إلى اجتماعات التجمع الإقليمي بسبب فشلها في التعاون مع الخطة.

المتحدثة باسم وزارة الخارجية التايلاندية كانشانا باتاراتشوكي، قالت إن الاجتماع غير الرسمي الذي عقد يوم الخميس في بانكوك على هامش المحادثات الثنائية بين تايلاند وميانمار، لا تضم ​​أي ممثلين من ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، أعضاء الآسيان الثلاثة الأكثر انتقادا لجيش ميانمار.

في الواقع، قررت بكين مواصلة المضي قدما في الممر الاقتصادي بين الصين وميانمار، وهو طريق يخدم مبادرة “الحزام والطريق” يتضمن عددا كبيرا من مشاريع البنية التحتية داخل ميانمار، ومن المرجح أن يكتشف “الشيوعي” الصيني أن استخدام المجلس العسكري للعنف والإكراه لتعزيز مشاريع البنية التحتية لن ينجح، بغض النظر عن المكاسب الدبلوماسية للنظام، ما يعني أن الرهان على المجلس العسكري سيكون خاسرا في النهاية.

ميانمار حاليا بعيدة جدا عن كونها طبيعية ومستقرة نسبيا، ومن منظور بكين، قد تكون القبضة الحديدية للمجلس العسكري أفضل من سنوات الحرب الأهلية، لكن يبقى أن نرى ما إذا كان تحرك رابطة دول “الآسيان” سينجح في نهاية المطاف لولادة حكومة وطنية تعزز الاستقرار في المنطقة.

رامز الحمصي

رامز الحمصي

الرئيس السابق لتحرير موقع "الحل نت"، صحفي مختص بالمواجز التحليلية والتحقيق في القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الشّأن السّوري وسياسات الشّرق الأوسط….