ازدياد معدلات الهجرة في القارة الإفريقية.. الدوافع والتبعات

أستمع للمادة

مع استمرار وتزايد معدلات الهجرة بين الأوساط الإفريقية صوب أوروبا، هربا من الصراع والفقر والعديد من الدوافع الأخرى، يجب طرح بعض التساؤلات حول هذا الموضوع، لا سيما وأن معظمهم يقومون برحلات محفوفة بالمخاطر، عبر اجتياز البحر الأبيض المتوسط إلى إيطاليا في قوارب مطاطية غير صالحة للإبحار في كثير من الأحيان.

التساؤلات تسلط الضوء على أسباب توجه المهاجرين الأفارقة إلى أوروبا، وتداعيات طرق الهجرة الخطيرة على المهاجرين أنفسهم، بالإضافة إلى الإجراءات التي اتخذتها إيطاليا والنيجر لوضع رادع لهذا الأمر، وما إذا كانا سيفعلان المزيد. وأخيرا تداعيات هذه الهجرة وبهذا العدد الكبير على دول الاتحاد الأوروبي وفيما إذا سيقدم الاتحاد على اتخاذ قوانين جديدة تحدّ من هذا الأمر وتضيقه.

الدوافع وأسبابها

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أبدى أسفه مؤخرا، على إثر إلقاء 51 ألفا مهاجرا حتفهم بسبب الهجرة غير النظامية، بينما حددت مسؤولة إفريقية الأسباب التي تجعل شباب القارة يفرّون من بلدانهم.

جاء ذلك بمناسبة اليوم الدولي للمهاجرين الذي يوافق 18 كانون الأول/ديسمبر من كل عام. وقال غوتيريش إن 51 ألف شخص على الأقل لقوا مصرعهم خلال 8 سنوات بسبب الهجرة غير المنظمة، في اليوم العالمي للمهاجرين في 18 كانون الأول/ديسمبر الماضي.

غوتيريش، قال ذلك في تغريدة على منصة “تويتر”، وأضاف أنه يجب بذل كل الجهود لمنع الخسائر في الأرواح، فذلك يُعدّ ضرورة إنسانية والتزاما أخلاقيا وقانونيا.

في تقرير لموقع “سكاي نيوز عربية“، فإنه في جنح الليل في مدينة أغاديس بشمال النيجر، تغادر يوميا ما بين 50 إلى 60 سيارة دفع رباعي تحمل كل واحدة أكثر من 20 شخصا من مختلف بلدان غرب إفريقيا، معظمهم من الشباب الطامحين في الوصول إلى أوروبا عبر شواطئ البحر المتوسط في ليبيا أو الجزائر أو تونس وأحيانا المغرب، حيث تزايدت معدلات الهجرة غير الشرعية من غرب إفريقيا بنحو 30 بالمئة خلال 2022.

قد يهمك: قرار أممي لدعم ملايين السوريين.. هل ينجح في إنقاذ كارثة إنسانية؟

السيارات الرباعية بعد أن تقطع نحو 800 كيلومترا على مدى 4 إلى 5 أيام في اتجاهات مختلفة تصل إلى إحدى النقاط الحدودية مع الجزائر أو ليبيا حيث تُفرغ حمولاتها البشرية وتترك ركابها في مواجهة المجهول. وذلك عبر أشخاص متخصصين في تهريب البشر، ينقسم ركاب كل سيارة إلى مجموعات صغيرة للبدء في رحلة جديدة قد تنتهي بالوقوع في أيدي خفر الحدود الليبيين أو الجزائريين، أو بالوصول الناجح إلى أقرب منطقة مشاطئة للبحر الأبيض المتوسط داخل البلدين.

هذا وبعد ترتيبات تتطلب الكثير من الوقت والمال والحذر، يبدأ الأفارقة وعبر الحلقة الثانية من المهربين رحلة جديدة عبر مراكب صغيرة في عرض البحر، وفي مخيلتهم أمران إما تحقيق الحلم الأوروبي أو كابوس الموت ونهاية حياتهم بين أمواج البحر المتلاطمة.

ضمن هذا الإطار يرى الصحفي والباحث الاقتصادي الإفريقي أحمد بن عمر، أن هناك العديد من الأسباب التي تؤدي بالأفارقة إلى الهجرة نحو أوروبا، وأبرزها الدافع الاقتصادي، ويضيف بالقول ” بسبب تزايد معدلات البطالة في إفريقيا وهو من أهم أسباب البحث عن مسارات الهجرة والنجاة من حياة صعبة ومتهالكة في بلدانهم، وبشكل مقلق حيث وصلت في بعص البلدان إلى أكثر من 40 بالمئة وسط التدهور الاقتصادي في العديد من دول القارة”.

بن عمر أردف في حديثه لموقع “الحل نت”، هذا التدهور الاقتصادي يأتي على إثر تداعيات وباء “كورونا”، ومن ثم الغزو الروسي لأوكرانيا، بجانب موجات الجفاف الناجمة عن التغير المناخي، إضافة إلى تداعيات الإرهاب والحروب والنزاعات الأهلية والوضع السياسي المأزوم وارتفاع مستوى المعيشة من حيث أسعار السلع والخدمات، وتقلص القيمة الشرائية للأجور وسط التضخم في البلاد.

كما أنه لا يمكن التغاطي عن الدافع المتمحور حول نوعية نظام الحكم وانعدام الأمن في بلدان القارة، بجانب القيود السياسية وضيق هامش حرية الرأي.

العديد من المراقبين أشاروا أيضا إلى أن “تبعات الغزو الروسي لأوكرانيا التي أدت إلى تعطيل إمدادات الحبوب والطاقة، بجانب الانخفاض الكبير في أسعار صرف العديد من العملات الإفريقية، والانعكاسات الناجمة عن الظروف المناخية السيئة في العديد من دول القارة السمراء وخاصة في شرق إفريقيا والتي تسببت في فشل المحاصيل وأدت بالتالي إلى نقص الغذاء وزيادة الأسعار، كلها تؤدي بالأفارقة إلى الفرار واللجوء نحو أوروبا”.

من جانبها، قالت مفوضة الصحة والشؤون الإنسانية والتنمية الاجتماعية في “الاتحاد الإفريقي”، ميناتا سيسوما، إن الأسباب الجذرية للهجرة في القارة تتلخص في “تغير المناخ، والفقر، ونقص فرص العمل، والصراعات، وما وصفتها بالهجمات الإرهابية”، وفقا لموقع “الجزيرة”.

كذلك، يتوقع “البنك الدولي” أن يكون هناك 86 مليون مهاجر بسبب تغير المناخ في إفريقيا بحلول العام 2050. وقد يجد نحو 18 مليون عامل مهاجر موسمي في إفريقيا أن وظائفهم في الزراعة والتعدين وصيد الأسماك آخذة في الاختفاء، ما يزيد من احتمالات الهجرة الدائمة بحثا عن فرص عمل جديدة. وأبلغ 30 بالمئة من مواطني غرب ووسط إفريقيا والإثيوبيين عن تأثيرات بيئية على ظروفهم الاقتصادية.

تبعات الهجرة

طرق الوصول نحو أوروبا مليئة بالمخاطر، وهذا يدركه الكثير من المهاجرين وربما جميعهم، رغم أنهم يدفعون أموال كبيرة، بالنظر إلى معدلات مداخيلهم. حيث إن المهاجرين غير الشرعيين يتعرضون لابتزاز شديد من المهربين وحتى بعد الوصول الى أوروبا يواجهون مصاعب كبيرة في الحصول على اللجوء، أو تعديل أوضاعهم كما يحتاجون لسنوات طويلة حتى يتمكنوا من تعلم اللغة والحصول على عمل والاندماج في المجتمع الجديد.

بن عمر، يقول في هذا السياق، إن هناك العديد من الطرق الخطرة، ومنها “الممرات البحرية، وغالبا ما تحدث محاولات العبور في سفن مكتظة بالناس مثل القوارب المطاطية أو المصنوعة بشكل عشوائي تفتقر إلى الجودة، مما يجعل الرحلة محفوفة بالمخاطر وقد تكون قاتلة في الكثير من الأحيان”.

بن عمر أشار إلى أنه هناك الطرق غير الشرعية نحو أوروبا ويتم عبر الممرات البرية، ولكن نتيجة للظروف البيئية القاسية فإن هذا يشكل تهديدا كبيرا على العازمين خوض هذه الطرق، حيث تقدر “المنظمة الدولية للهجرة” (آي أو إم) أن طريق الصحراء وحده كان مسؤولا عن وفاة ما يقرب من 5400 شخص بين عامي 2014 و 2022.

بجانب ما يشكله “عصابات الاتجار بالبشر” من خطورة على الناس، حيث يُعد هذا الأمر تهديدا كبيرا للمهاجرين، حيث ينشطون بكثرة في المنطقة، إذ يُمارس العنف على أيدي المهربين والمتاجرين بالبشر ومسؤولي الحدود في المنطقة، مما يشكل هذا الأمر نسبة كبيرة من الخطورة على المهاجرين.

قد يهمك: أوروبا تدعم القاهرة.. تعاون أوروبي – مصري في ملف الهجرة؟

هذا وتقدر المنظمة الدولية للهجرة “آي أو إم”، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، أنه منذ عام 2014 مات حوالي 50 ألف مهاجر، أو فُقدوا وهم يحاولون الوصول إلى وجهات مثل الولايات المتحدة أو دول الاتحاد الأوروبي. وتعتقد الوكالة أن العدد الحقيقي للقتلى والمفقودين قد يكون أعلى من ذلك. ولكن ما هي أخطر طرق العالم التي يسلكها المهاجرون في العالم.

كما تشير التقديرات إلى أن أكثر من 19500 شخص لقوا حتفهم منذ عام 2014، أثناء محاولتهم عبور البحر الأبيض المتوسط من شمال إفريقيا إلى أوروبا.

التضييق على المهاجرين

مطلع كانون الأول/ديسمبر 2022، بحث رئيس النيجر، محمد بازوم، مع وزراء في الحكومة الإيطالية، تعديل “شروط الحوار والتعاون” لمساعدة بلاده في التصدي لثالوث تهريب البشر والسلاح والمخدرات.

هذا وانعقد اللقاء الذي نظمته جامعة “لويس” الإيطالية، وسط جهود ملحة تبذلها روما للحد من تدفقات الهجرة غير الشرعية إليها من إفريقيا، والتي تغذيها الهجرات القادمة والعابرة من منطقة الساحل جنوب الصحراء الكبرى، الممتدة من السودان شرقا حتى موريتانيا غربا.

الحوار مع بازوم، اشترك فيه وزير الداخلية الإيطالي ماتيو بينتيدوسي، ووزير الدفاع الإيطالي جويدو كروسيتو، ووزير الداخلية الإيطالي السابق ورئيس مؤسسة ميد أور، ماركو مينيتي، في إطار مؤتمر “إيطاليا والنيجر. أوروبا وإفريقيا قارتان، مصير واحد” الذي يركز على ملف الأمن في منطقة البحر الأبيض المتوسط.

فيما يخص موقع بلاده من العلاقات بين القارتين، قال بازوم إن “التطورات الحالية والتحديات التي تنطوي عليها وسعت حدود البحر المتوسط من المغرب العربي إلى منطقة الساحل؛ وهو ما جعل ما كان يُعتبر بعيدا وأجنبيا أقرب إلى أوروبا”.

بتعبير رئيس النيجر، فإن بلاده “ليست دولة مغادرين للهجرة”، لكنها بسبب أوضاع ليبيا أصبحت مكان عبور؛ وهو ما جعلها تنخرط في الحرب على شبكة إجرامية ترتبط بالإتجار بالمهاجرين والمخدرات والسلاح، وفق تعبيره.

في حين، دعا وزير الدفاع الإيطالي، جويدو كروسيتو، للاستثمار في إفريقيا لتنمية نصيب الفرد من الناتج المحلي والثقافة.

بالعودة إلى بن عمر، فقد قال إنه في العام 2017 وقّعت الحكومة الايطالية اتفاقا مع ليبيا، ولكن يظل تحدي توقيع اتفاقية مع دولة النيجر هو الأهم، ذلك لأن الأخيرة بلد عبور لمجموعة كبيرة من المهاجرين نحو ليبيا للانطلاق منها نحو إيطاليا.

المحامي والحقوقي، المعتصم الكيلاني، قال بأن هنالك اتفاقيات دولية وأوروبية ملزمة للدول بكيفية التعامل مع اللاجئين وحقوقهم وتلك الاتفاقيات ملزمة وفق القواعد الآمرة في القانون الدولي، ومن غير الممكن تطبيق الدول خططها لإرسال اللاجئين لدولة ثالثة، ذلك لأنه مخالف للشرعة الدولية، بالنظر إلى قيام بعض الدول بإرسال بعض اللاجئين الأفارقة إلى دول ثالثة، مثل رواندا.

الكيلاني أشار أثناء حديثه لـ”الحل نت”، إلى أن إصرار الدول على إرسال اللاجئين، بكل تأكيد مرتبط بخطط الحزب الحاكم، وتصاعد اليمين اليوم في دول الاتحاد الأوروبي، وكذلك باتت ورقة اللاجئين أداة لـ”كسب أصوات الناخبين”.

قد يهمك: جوهرة إفريقيا الوسطى.. كيف نجحت رواندا في الظهور كدولة سلام؟

كما أن هناك أرقام قياسية للمهاجرين غير النظاميين من النيجر، الذين وصلوا إلى إيطاليا بحرا، إذ بلغت أعدادهم 15ألفا و844 مسجلين بذلك زيادة بنسبة 74 بالمئة خلال عام 2022 مقارنة بنفس الفترة من عام 2016 الي العام 2021 الذي وصل فيه عدد المهاجرين إلى أكثر من 50 ألف حسب أرقام وزارة الداخلية الإيطالية، والذي لا يزال يُعتبر عاما قياسيا لوصول الأجانب عن طريق البحر.

مبادرتان للحد من الهجرة

أواخر العام الماضي، أطلق الاتحاد الأوروبي والشركاء الأفارقة مبادرتين لفريق أوروبا تتعلق بمسارات الهجرة عبر المحيط الأطلسي، غرب البحر الأبيض المتوسط ووسط البحر الأبيض المتوسط لضمان أن تعالج الجهود المشتركة للدول الأعضاء تحديات الهجرة التي تواجه الاتحاد الأوروبي وشركائه في شمال إفريقيا بسبب تصاعد نسق التدفقات غير النظامية والانتهاكات التي ترتكبها شبكات التهريب.

هذا وستسهم المبادرتان في تنفيذ البعد الخارجي للميثاق الجديد بشأن الهجرة واللجوء وستجمع أنشطة الدول الأعضاء مع التعاون والتنسيق على مستوى الاتحاد الأوروبي من خلال نهج شامل.

المبادرتان تجمع بين بلدان المنشأ والعبور والوجهة من القارتين الإفريقية والأوروبية وسوف تخلق فرصا جديدة للتنسيق مع البلدان الشريكة والشركاء الدوليين ووكالات “الأمم المتحدة” ذات الصلة. ستدعم مبادرات فريق أوروبا المتعلقة بمسار وسط المتوسط تنفيذ الإجراءات التشغيلية لإدارة الهجرة في إطار خطة عمل الاتحاد الأوروبي في منطقة وسط البحر البيض المتوسط.

هذه المبادرات تنص على تعزيز العمل المشترك في المجالات الخمس ذات الأولوية في خطة “فاليتا” للعمل المشترك التي تهدف إلى دعم الشركاء الأفارقة والأوروبيين من خلال تعزيز إدارة الهجرة.

في ظل العديد من الأزمات التي تعصف بدول القارة الإفريقية، ولا سيما التدهور الاقتصادي وتداعيات تغير المناخ والصراعات المستمرة هناك، يلجأ نسبة كبيرة منهم وخاصة فئة الشباب من كلا الجنسين في إفريقيا إلى الهجرة إلى أوروبا أو بلدان أخرى أملا في تغير واقعهم، حيث بات حلم الهجرة والوصول إلى بلدان أوروبا يراود الكثير من شباب القارة، ويبدو أن تدفق موجات الهجرة لن تتوقف، طالما تواجه القارة الإفريقية معدلا أسرع لأحداث الكوارث الطبيعية مقارنةً ببقية العالم. حيث تواجه القارة العديد من العوامل الطبيعية لعدم الاستقرار، ما بين الجفاف والفيضانات والأعاصير والأوبئة.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة