إيرادات النفط.. نعمة أم نقمة على العراقيين؟

أستمع للمادة

بالرغم من أن العراق بلد غني بالنفط، إلا أنه يعاني من مجموعة أزمات، لعل أبرزها أزمة الطاقة اليومية، حيث يستورد نحو ثلث احتياجاته من الغاز والكهرباء من الخارج، وعلى الرغم من ارتفاع أرقام الإيرادات، لا يزال العراق يعاني من معدلات مرتفعة على صعيد البطالة والفقر، أي أن كل هذه الثروة النفطية يبدو أنها لا تُوظّف جيدا في خدمة ومصلحة العراقيين وبلدهم.

العراق يعتمد على إيرادات النفط كليا في تعاملاته الاقتصادية الداخلية والخارجية، بحسب وصف كثير من المتخصصين المحليين والدوليين، وباتت تمثل أكثر من 90 بالمئة من الإنفاق الجاري حاليا.

بغداد تحقق إيرادات كبيرة من مبيعات النفط، حيث تخطت عائدات عام 2022 النفطية 115 مليار دولار، وفق أرقام أولية أصدرتها “وزارة النفط العراقية” مؤخرا، وهي الأعلى منذ التراجع الكبير في أسعار النفط خلال فترة انتشار جائحة “كورونا”، لكن الأمر الذي يثير عدة تساؤلات، هو أين تذهب كل هذه الأموال، ولماذا يواجه العراق عدة مشاكل من حيث تصدير النفط، وما أهمية المورّد النفطي من حيث تحديد اتجاهات دورة الإعمار بالبلاد، بجانب تأثير المشاكل السياسية الموجودة في العراق على عائدات النفط وعدم توظيفه وإدارته بالشكل الصحيح لجهة اقتصاد البلاد.

نقمة على العراقيين

العراق هو ثاني أكبر منتج للنفط في “منظمة الدول المصدرة للنفط” (أوبك)، احتياطات هائلة من الذهب الأسود الذي يمثل نسبة 90 بالمئة من إيراداته.

بيان صادر عن “وزارة النفط العراقية”، أفاد مطلع كانون الثاني/يناير الجاري بأن العراق حقق “أكثر من 115 مليار دولار من تصدير النفط الخام لعام 2022″، بكمية مليار و209 ملايين برميل، بحسب إحصائية أولية. أما معدل التصدير اليومي فقد بلغ 3 ملايين و320 ألف برميل.

نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة وزير النفط العراقي، حيان عبد الغني، أشار إلى أن عمليات التصدير تمت وفق دراسات للسوق النفطية لشركات من مختلف الجنسيات منها “الصينية والهندية والكورية الجنوبية والتركية واليونانية والأميركية والبريطانية والفرنسية والروسية والإيطالية والإسبانية والهولندية” وغيرها، فضلا عن شركات عربية أخرى.

في هذا الإطار يقول الدكتور طارق الزبيدي المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة “بغداد”، إن التساؤل الأهم هو هل النفط نعمة أم نقمة على العراقيين. في الواقع، وبحسب حديث الزبيدي لموقع “الحل نت”، فإن النفط وموارده بشكل عام من المفترض أن يكون نعمة ويفترض أن يتم توظيف عائداته لخدمة البلاد. لكن في العراق يبدو أنها أصبحت نقمة وكارثة، والسبب في ذلك هو أطماع بعض الدول في هذا النفط أولا، وكذلك هذا النفط ووجوده جعل العراق دولة مرغوبة لتدخل مصالح هذه الدول، وفي بعض الأحيان وجود هذا النفط قد يدفع بعض السياسيين للاستفادة واستغلال العائدات المالية الضخمة في عملية ضبط مصيرها ومقدراتها.

قد يهمك: التكيف مع الانتقاد السياسي.. دور للأحزاب في الاصلاحات والإنعاش الاقتصادي بالجزائر؟

الوزير عبد الغني أشاد بجهود العاملين في وزارة النفط وتشكيلاتها لهذه الإنجازات المتحققة والتي رفدت الميزانية الاتحادية بمبالغ مالية بلغت أكثر من 115 مليار دولار.

كذلك، أظهرت بيانات لشركة تسويق النفط العراقية الحكومية “سومو” أطلعت عليها وكالة “رويترز”، الأسبوع الفائت، أن العراق أنتج 4.43 مليون برميل يوميا من الخام في كانون الأول/ديسمبر 2022 دون تغيير عن الشهر السابق.

البيانات ذاتها أظهرت أن ارتفاع الصادرات من منطقة إقليم كردستان العراق التي تحظى بشكل من أشكال الحكم الذاتي، قابله انخفاض في معدلات تشغيل مصافي التكرير.

استراتيجية “الاعتماد الكلي” السلبية

الكثير من المراقبين أعربوا عن قلقهم الكبير وهم يتابعون تصاعد اعتماد بغداد على إيرادات النفط بنسبة تفوق 95 بالمئة، مما يضع البلاد على أعتاب خطيرة.

تعقيبا على هذا التساؤل، يقول الخبير الاقتصادي علاء الفهد، إن العراق يعتمد بنسبة تفوق 95 بالمئة على الإيرادات النفطية لتمويل الموازنة العامة وهذا طبعا يعتبر حالة سلبية، وفق تصوره، على اعتبار أن إيرادات الدولة غير متنوعة، وأي خلل في أسعار النفط العالمية سيؤثر بشكل مباشر على حجم الإنفاق والنمو.

إضافة إلى ذلك، وبحسب حديث الفهد لموقع “الحل نت”، فإن العراق دولة تصدر النفط الخام وتستورد مشتقات النفط والغاز، وهذا يعتبر حالة سلبية من الحالات الاقتصادية، حيث يفترض أن يكون للعراق فيه صناعات تحويلية نفطية، من خلالها يستطيع أن ينمي ويطور هذه الصناعة، ولكن مع الأسف لا تزال البنية التحتية ضعيفة في هذا المجال، ويتوجه حجم عائدات النفط المحصلة سنويا من الموازنة بشكل مباشر إلى الإنفاق التشغيلي الاستهلاكي دون التفكير في الاستثمار في مجال النفط ككل.

أستاذ العلوم السياسية، شدد على أهمية المورّد النفطي في تنمية اقتصاد البلاد، وأضاف أن “هناك دور مهم كبير على المورد النفطي، لا سيما وأن بغداد تعتمد عليه في ميزانيتها العامة بنسبة 95 بالمئة، ولكن هذا النمو يكون في حال وجود إدارة جيدة لعائداته، من حيث توظيف الأموال بالطريقة الصحيحة بما يخدم البنى التحتية ومستقبل للعراق”.

الزبيدي أشار إلى أن عملية الاعتماد على النفط بشكل كلي قد أثّر على اقتصاد العراق، وأردف بالقول “من غير المعقول أن يُترك قطاع التجارة والسياحة والصناعة والزراعة التي تعتبر المورد الأهم، والاعتماد فقط على النفط. وهذا نوع من الاتكالية وهنا تعتبر العراق دولة ريعية، تعتمد على النفط فقط دون وجودٍ للاستثمارات وتنشيط للأسواق، حيث القطاع الخاص يوجد به جملة من المشاكل والمعوقات والتحديات كما القطاع العام مثقل بكمية كبيرة من الموظفين، وهذا الموضوع في حدّ ذاته قد يسبب بمشكلة كبيرة أو انتكاسة في حال انخفاض أسعار النفط العالمية، حيث لن تستطيع الدولة حينها أن تفي بالتزاماتها فيما يتعلق برواتب الموظفين كبداية”.

إن تحقيق العراق لهذه الإيرادات المرتفعة لسنة 2022، يأتي في ظل ارتفاع سعر برميل النفط تأثرا بتداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا، ومع إبقاء دول تحالف “أوبك بلاس” على حصص إنتاجها كما هي. وكان التحالف قد قرر خفضا في حصص الإنتاج بمليوني برميل في اليوم لدعم الأسعار.

هذا وبسبب اعتماده الكبير على النفط، تلقت إيرادات العراق وموازنته ضربة بعد تراجع الأسعار في السوق العالمية مع انتشار جائحة “كوفيد-19″، وتُعد هذه الإيرادات الأعلى منذ عام 2020 على الأقل، وانتشار “كورونا” الذي أثر على أسعار النفط.

ففي العام 2020، بلغت إيرادات النفط العراقية 42 مليار دولار، وفق أرقام رسمية. أما في 2021، سجل العراق 75 مليار دولار من الإيرادات النفطية. وفي 2019، بلغت الإيرادات 78,5 مليار دولار.

عقبات تصدير النفط

في السياق، فإن اعتماد العراق على مَنفذ واحد لتصدير النفط يُعتبر أمرا بالغ الخطورة والسلبية، فيقول الزبيدي، إن المشاكل التي تواجه  اقتصاد العراق يكمن من حيث منافذ تصدير النفط، وحاليا ليس لديه مشاكل في هذا الصدد، ولكن ربما في المستقبل، حيث هناك تخوفات من اندلاع حرب أو نزاع ما في مضيق “هرمز” مما سيؤثر على تصدير النفط العراقي، بالنظر إلى أنه يعتمد على مَنفذ واحد فقط للتصدير، وهو منفذ عن طريق موانئ الجنوب على الخليج العربي ومضيق “هرمز”.

قد يهمك: مصارف عراقية تحت طائلة العقوبات الأميركية.. ما علاقة “الحرس الثوري“؟

بالرغم من جميع المحاولات لإيجاد منافذ أخرى لتصدير النفط العراقي، عبر خط أنابيب البصرة-ميناء العقبة، العراقي الأردني، هو مشروع قيد التنفيذ لنقل النفط الخام المُستخرَج من حقول البصرة الواقعة جنوب العراق إلى مدينة العقبة في جنوب الأردن، ولكن هذا الأمر مرفوض سياسيا من قِبل كتل سياسية معروفة، حيث ترفض فكرة تفعيل الخط الناقل للنفط بديلا عن خط الخليج، وفق تقدير الزبيدي.

لكن من حيث تصدير النفط العراقي فلا توجد مشاكل في الوقت الراهن، حيث أنها تصدّر يوميا ما يقارب 4 ملايين برميل نفط وهذا في حد ذاته إنجاز من حيث الكم، بحسب الزبيدي.

بالإضافة إلى موانئ الجنوب على الخليج العربي ومضيق “هرمز”، تصدر بغداد 100 ألف برميل عبر ميناء “جيهان” بالاتفاق مع إقليم كردستان العراق، التي تتمتع بحكم ذاتي.

تداعيات المشاكل السياسية

وزير النفط العراقي الأسبق عصام الجلبي، أوضح أن “العراق الآن بلد مستورد للمشتقات النفطية، وأن حجم استيراداته بحدود 4 إلى 6 مليارات دولار سنويا، وبلغ مجموع الاستيرادات بالحد الأدنى 80 مليون دولار، وهو يستورد الغاز على رغم أنه يحرق 55 بالمئة من الغاز المصاحب فقط بالمنطقة الجنوبية، ويستورد غاز بمعدل 4 إلى 5 مليارات دولار سنويا، وسيستمر باستيراد الغاز لأنهم مدوا أنابيب من إيران باتجاه العراق”، وفق “اندبندنت عربية“.

هذا ويُتوقع أن يستمر الوضع على حاله، ذلك لأن هذه السلطة السياسية باقية، إضافة إلى عدم وجود تطوير للمصافي، ولا للشبكة الخاصة بالمشتقات النفطية، عدا إنشاء مصفاة في كربلاء بوشر العمل به قبل 10 سنوات وحتى الآن لم يكتمل، وعليه مشكلات كبيرة، على رغم أن تنفيذه من قِبل شركة كورية بكلفة تصل إلى ستة وربع مليار دولار، في وقت أن الكلفة الحقيقية له بالمواصفات العالمية يجب ألا تتجاوز ثلاثة مليارات دولار.

أما أستاذ العلوم السياسية، فيرى أن تأثير المشاكل السياسية على نفط العراق واقتصاد البلاد ككل كبير للغاية، وأشار إلى ذلك بقوله “لولا المشاكل السياسية أصلا، لكانت بغداد قادرة على تفعيل بدائل لخطوط تصدير النفط، أي إيجاد آلية متعددة لتصديره، سواء عبر سوريا أو تركيا أو خطوط أخرى، لكن للأسف هذه الصراعات والخلافات السياسية بين الكُتل في البلاد أثّرت بشكل كبير على الزيادة في عائدات النفط، من خلال التصريحات السلبية وأحيانا التدخل في العمل التقني الفني على مستوى الشركات النفطية، وأحيانا تتحول هذه التصريحات إلى عنف وتهديدات لشركات مهمة ورصينة تعمل في مجال النفط بالعراق”.

كذلك، تدفع البلاد سنويا إلى جولات التراخيص، ممثلة بالشركات الأجنبية، في حدود 14 مليار دولار، وهذه أرقام تستنزف الإيرادات، وعلى رغم وجود هذه الشركات لم يشهد البلد تطويرا في الصناعة النفطية أو الزراعة، ويعزى كل ذلك إلى حجم السرقة والرشاوى، وسوء الإدارة وكلها مجتمعة سببت إلحاق الضرر البالغ بالاقتصاد العراقي وتهديد مستقبله.

العراق البالغ عدد سكانه 42 مليون نسمة، يواجه أزمة طاقة يومية، حيث يستورد نحو ثلث احتياجاته من الغاز والكهرباء من إيران، التي تقوم أحيانا بقطع الإمداد ما يزيد من سوء انقطاع التيار الكهربائي.

إجمالا، ورغم الارتفاع المتحقق في الإيرادات النفطية، غير أن كثيرين يرون إذا لم تستغل هذه الأموال في تطوير القطاعات الصناعية والزراعية، فلن تكون ثمة انعكاسات ايجابية على الاقتصاد العراقي، لا سيما أن بغداد تعاني من نسب مرتفعة على صعيد البطالة والفقر. حيث بلغ “معدل البطالة لسنة 2021، 16,5 بالمئة، وهو مرتفع عمّا كان عليه قبل 2020″، بحسب إحصاء نشرته “وكالة الأنباء العراقية” الشهر الفائت نقلا عن “وزارة التخطيط العراقية”.

بالتالي، إذا لم تستثمر الحكومة العراقية في إطار تطوير القطاعات الصناعية والزراعية التي تحقق الاستقرار لاقتصاد البلاد، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تفعيل العديد من القوانين التي تدعم الصناعة، وتفعيل آليات مراقبة الواردات الناتجة عن عائدات النفط إلى التأكد من استخدامها بشكل صحيح، خال من الفساد ومظاهر إهدار الموارد، فإنه مهما كانت عائدات النفط مرتفعة، فإن ذلك لن ينعكس إيجابا على الاقتصاد العراقي، بسبب بقاء الأخير ريعيا من جهة، بالإضافة إلى ضعف تنفيذ الاستراتيجيات الاقتصادية والمالية بسبب وجود الفساد وعقبة المشاكل السياسية الكبيرة.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد