علي رضا أكبري “كوهين” إيران أم ضحية صراعات القوى الداخلية في طهران؟

علي رضا أكبري "كوهين" إيران
علي رضا أكبري "كوهين" إيران

في ظل الصراع المكتوم على استحواذ السلطة في طهران، جاء إعدام علي رضا أكبري بتهمة التجسس، ليطرح الأسئلة حول ارتباط العملية بالصراعات البينية، وخصوصا تحييد الأصوليين المعتدلين في إيران، بعد تمكن المتشددين من تحييد التيار الإصلاحي، أم أن أكبري كان فعلا إيلي كوهين إيران؟

وفقا تصريح لمهدي أكبري، شقيق علي رضا، لـ“بي بي سي” فارسي، تم اعتقال الأخير من قبل وزارة الاستخبارات عام 2019، بعد عودته من المملكة المتحدة بناءا على اتصال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي شمخاني، طالبا قدومه إلى إيران لإجراء “بعض المشاورات والمساعدة في مشاريع مختلفة”.

رضا اتهم  بداية بـ”التعاون مع حكومات معادية”، والتي يعاقب عليها بالسجن من سنة إلى 10 سنوات بموجب المادة 508 من قانون العقوبات الإسلامي، غير أن القاضي أبو القاسم صلواتي غيّر التهمة إلى “الإفساد في الأرض” مصدرا حكما بإعدامه.

إعدام أكبري، صراع داخلي أم رسالة خارجية؟

“وزارة الاستخبارات الإيرانية لا تملك أي دليل على الإطلاق لإثبات مزاعمها، و إنهم ينتقمون من دولة ثالثة، أحمل جنسيتها، لأنهم في حالة توتر مع ذلك البلد”. بحسب الملف الصوتي لأكبري، والذي حصلت عليه “بي بي سي” فارسي.

في هذا السياق، وُصف اعتقال الصحفية البريطانية من أصل إيراني نازنين زاغري والمهندس أنوشه آشوري، بأنها عملية احتجاز رهائن، حسب “المرصد المصري”، سعت طهران من خلالها مقايضتهم بديونها السابقة على بريطانيا. وهو ما تم لاحقا، في أذار/مارس 2022، عبر صفقة الإفراج عن 530 مليون دولار من قبل لندن مقابل إفراج طهران عن المذكورَين.

قد يهمك: سياسة إعدام المحتجين.. النظام الإيراني أمام مقاطعة دولية؟

“المونيتور” يؤيد ذلك، بالنظر للحكم الصادر عن محكمة طهران على عامل الإغاثة البلجيكي أوليفييه فانديكاستيل، بالسجن 40 عاما، باعتباره أداة للضغط أو للمقايضة بالدبلوماسي الإيراني أسد الله أسدي، والذي يقضي عقوبة السجن في بلجيكا بتهم متعلقة بالإرهاب.

غير أن قضية أكبري قد تكون مرتبطة بالصراع السياسي، “عالي المخاطر”، الدائر بين المحافظين والمعتدلين في الوقت الذي تتحضر فيه المؤسسة لانتقال القيادة أي “المرشد”، حسب موقع “أمواج ميديا”. اعتقال أكبري قد تم بهدوء من دون إحداث ضجة في وسائل الإعلام الحكومية، والتي عادة ما تصاحب مزاعم الكشف عن الجواسيس.

الصحفي والباحث الأحوازي في “معهد الحوار للبحوث والدراسات”، رحيم حميد، يرى خلال حديثه لـ”الحل نت” أن من الضروري توضيح بعض النقاط بداية. أولها، إن أكبري كان جاسوسا بالفعل، أعدمه النظام بسبب تهم تجسس ذات مصداقية. مع ذلك، هذا لا يعني عدم وجود خلافات بين التيارات السياسية الإيرانية، أو عمليات تصفية الحسابات الحاصلة فيما بينها. وربما كان إعدام أكبري جزء من هذه النزاعات، وفق تعبيره.

عن علاقة علي شمخاني بعلي رضا أكبري، يقول حميد، إن “بعض التقارير نوهت لمساعدة الأول في القبض على الثاني، بهدف غسل يديه من أي شكوك حول تورطه في أنشطة أكبري، ومن خلال القبض على علي رضا أكبري، أراد شمخاني إثبات ولائه “للجمهورية الإسلامية”. فهو قيصر الأمن القومي الإيراني، ولا يمكن أن يتحمل اتهامه بالتجسس.

 لذا هرع شمخاني لتبرئة نفسه وإلقاء اللوم على أكبري. وفق حميد، حيث يذكر بحديث خطير للرئيس الإيراني الأسبق، محمود أحمدي نجاد، مفاده أن “كبار المسؤولين الإيرانيين جواسيس للموساد، وهذا يعني أن كبار المسؤولين العسكريين في النظام يمكن أن يكونوا جواسيس لإسرائيل أو للغرب”.

 

ربما يرسل النظام تحذيرا بأنه سيتم القبض عليهم، ولن يكون بمقدور الغرب حمايتهم، بالإضافة لرسالة خاصة لبريطانية أن مواطنيها “مزدوجي الجنسية” لن يكونوا آمنين إذا قرر النظام إلحاق الأذى بهم أو قتلهم، عل حد تعبيره.

الباحث المشارك في “المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية”، مصطفى النعيمي، يتماهى مع ذلك، حيث يعتقد بأن “النظام الحاكم في إيران أراد مخاطبة الداخل والخارج معا في قضية أكبري. على الصعيد الداخلي، يظهر لمواليه أنه لن يتهاون مع أي شخص يثبت تورطه بالتجسس لصالح دول أجنبية، أو يمنحها معلومات عن برامجه المختلفة. وأما الرسالة الخارجية، في حال ثبوت تورط أكبري، فإن النظام الإيراني سيعمل على إعدام كل من يتعاون مع الخارج أيا كانت المكانة التي يشغلها وطبيعة الجنسية التي يحملها”.       

في الملف الصوتي لأكبري، يقول فيه “اتهموني بإعطاء زجاجة عطر وقميص لشمخاني مقابل أسرار الدولة الكبرى”.

صراع أجنحة السلطة

عملية إعدام أكبري، أحد مظاهر انعدام الثقة الشديد داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية، وفقا لـ”أمواج ميديا”. كما اعتبرها “المرصد المصري” رسالة تحذير للضباط الإيرانيين في مختلف الوحدات، خاصة الأمنية منها، من التعاون مع الخارج أو الانشقاق؛ نظرا لأن نتائجها مؤثرة للغاية مع استمرار التظاهرات الحاشدة في إيران للشهر الخامس على التوالي.

“المرصد” يشير أيضا للاختلافات الظاهرة في صفوف القائمين على الحكم في إيران، مع تفاقم نفوذ “الحرس الثوري” في مجال السياسة الداخلية والخارجية في إيران، والذي أزعج بعض المحافظين، ومن بينهم الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، مع سياسيين إصلاحيين مثل وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف الذي قدّم استقالته في شباط/فبراير 2019 احتجاجا على عدم إبلاغه بزيارة بشار الأسد إلى إيران.

اقرأ أيضا: نساء إيران لا يتراجعن.. كيف تعمل الثورة المضادة على إعادة تشكيل إيران؟

“أمواج ميديا” اعتبرت علي لاريجاني وعلي شمخاني، هدفان محتملان لقضية التجسس المزعومة. بعد أن لعب الرجلان دور الوسيط، في الهزة التي تعرضت لها المؤسسة السياسية الحاكمة، والتي يهيمن عليها المحافظون، خلال الاحتجاجات الراهنة في إيران، والمعادية للنظام الثيوقراطي الحاكم. حيث دعا عدد من المحافظين البارزين، ومنهم المذكورين، إلى إصلاحات تضمن البقاء “للجمهورية الإسلامية”.

 لاريجاني، اعتبر أن “الجمهورية الإسلامية يجب أن تتجاوز مسألة فرض الحجاب الإلزامي، كما تجاوزت سابقا مسألة أطباق الأقمار الصناعية. كما عقد شمخاني عدد من اللقاءات مع شخصيات مؤثرة بشخوصها، أو بحكم العائلة أمثال علي شكوري راد، وأفراد من عائلتي الخميني ورفسنجاني”.

هذا صحيح إلى حد كبير، حسب حميد. حيث شكّل لاريجاني أحد أعمدة النظام لسنوات طويلة. وكان رئيسا للبرلمان، كما لعب دورا رئيسيا في الاتفاق النووي. مع ذلك، فقد شق صفوف النخبة المتشددة في النظام بسبب ممارساتهم التي تُعرض النظام للخطر وتثير غضب الشعب. لذا، دعا لاريجاني إلى مراجعة تنفيذ قانون الحجاب الإلزامي، فضلا عن الاعتراف بالجذور السياسية العميقة للاحتجاجات، وليست كما يدعي النظام أنها “نتاج تحريض أميركي أو إسرائيلي”.

هذا الموقف يظهر ببساطة موقف لاريجاني المعارض للمحافظين المتشددين، ما تسبب بطرده من انتخابات 2020، التي فاز بها المتطرفون. فالنظام، الذي يقف على قمته علي خامنئي، يطهر جميع الأصوات المعتدلة، حتى لو كانت داعمة للجمهورية الإسلامية. لذلك، يمكن أن يكون لاريجاني تحت المجهر وقد يتم سحق مسيرته السياسية قريبا من قبل خصومه المتشددين، وفقا لحميد.

وكالة “نور نيوز”، الناطقة باسم المجلس الأعلى للأمن القومي، اتهمت “المتشددين بتعريض التماسك الوطني للخطر، ضمن ردها على تكهنات المتشددة باستبدال شمخاني”. وبعد تثمينها لـ”عمل الأجهزة الأمنية”، اعتبرت “نور نيوز” أنه “من “الضروري لأجهزة المخابرات، تحديد واكتشاف من يقف وراء أهداف مشكوك فيها لبعض الأشخاص غير المسؤولين، الذين يسعون لاختطاف هذا النجاح لتحقيق أهدافهم”.

من خلال الإشادة بالأمانة العامة لمجلس الأمن القومي، ودوره في اعتقال أكبري، أعلن وزير المخابرات الإيراني، إسماعيل الخطيب دعمه لشمخاني، بحسب وكالة “تسنيم”، وبأن “الهجوم الأخير عليه غير عادل”.

حالة من عدم الثقة، تشكلت نتيجة تخبط نظام الحكم في طهران، للحد الذي بات فيه غير مدرك لتداعيات القرارات المتخذة بحق الشخصيات المؤثرة داخل كيانات الدولة، والاستثمار الغربي لهذا التخبط، بحسب مصطفى النعيمي. معتقدا بالدور الضاغط للموساد الإسرائيلي على أعصاب النظام الإيراني، لاسيما في عملية تحقيق الموساد مع ضباط من “الحرس الثوري” داخل الأراضي الإيرانية، مما شكل صدمة لدى صانعي القرار في الأجهزة الأمنية والاستخبارية.

النظام الإيراني يرجح أن يكون أكبري قد زوّد الجانب البريطاني بمعلومات عن البرنامج النووي، وتحديدا تحركات الخبراء في البرنامج. وتقاطع تلك المعلومات مع معلومات أجهزة استخباراتية مناهضة للمشروع الإيراني، تشير إلى دقة متناهية في تحديد تحركات الخصوم واستهداف البرامج الغير سلمية من قبل إيران.

تشكيك في نظرية الصراع الداخلي

غير واضح مدى واقعية استهداف شمخاني، حسب موقع “رويداد24”. حيث يستند في ذلك على أمرين. أولهما، أن “وزارة الاستخبارات هي التي قامت باعتقال أكبري، وليس هيئة استخبارات الحرس الثوري الإيراني. وعليه، فإن تفسير الأمر على أنه مسعى من الحرس لاستبدال شمخاني تفسير خاطئ. الأمر الثاني، أن اعتقال علي رضا أكبري تم خلال رئاسة حسن روحاني، ومن وزارة الاستخبارات التابعة له، وليس خلال حكومة رئيسي. وبالتالي فإن تفسير قضية أكبري ضمن إطار جهود الحرس الثوري الإيراني للإطاحة بعلي شمخاني أمرا بعيدا عن الواقع”.

القضايا الأمنية، وما يتعلق منها بالجاسوسية تحديدا، أعقد قضايا الاستقراء والتحليل. ومع شح المعلومات الخاصة بقضية أكبري، وتعارضها أو سذاجتها، أحيانا، يصعب التقدير السليم في هذا الجانب. مع ذلك، إن ما تشهده الساحة الإيرانية من أحداث، تشير لاختراقات أمنية كبيرة ومستمرة، إضافة لما تشهده الحياة السياسية في إيران لصراعات وتصفيات داخلية، قد تصل إلى التصفية الجسدية لشخصيات يعتبرها المختصين من ركائز النظام الإيراني، كحالة الموت الغامض للرئيس الإيراني الأسبق علي أكبر رفسنجاني.

عمار جلو

عمار جلو

كاتب سوري مهتم بشؤون إيران والجماعات الجهادية