كارثة الزلزال الذي ضرب سوريا في 6 شباط/فبراير الماضي كانت فرصة مواتية لبعض الدول العربية التي ترغب بإعادة علاقتها مع دمشق، لإرسال وفودها وإخراج بشار الأسد وحكومته من العزلة السياسية التي عانى منها لأكثر من عقد مضى وذلك من خلال بوابة المساعدات الإنسانية، فكان الزلزال محركا أساسيا للملف السوري خلال الأسابيع القليلة الماضية.
الرئيس السوري بشار الأسد تلّقى العديد من اتصالات قادة وزعماء الدول العربية، تخللها زيارة العديد من الوفود العربية كان آخرها وفد من “الاتحاد البرلماني العربي” إلى دمشق، الأمر الذي أثار العديد من التساؤلات حول توقيت الزيارة ومدى تأثيرها على الجهود الرامية لفك عزلة دمشق وخلط الملف السياسي بالملف الإنساني.
وفد “الاتحاد البرلماني العربي” الذي وصل إلى دمشق، جاء بقيادة رئيس الاتحاد محمد الحلبوسي، الذي يحظى بعلاقات قوية مع إيران، ما أثار تساؤلات إضافية عن دور إيراني محتمل في هذه الجهود، خاصة وأن إيران حاولت على مدار السنوات القليلة الماضية عرقلت الجهود الرامية إلى عودة سوريا إلى الدائرة العربية لأسباب عديدة، فهل توظّف إيران الحلبوسي لخدمة أجنداتها من خلال فتح القنوات بين الدول العربية ودمشق.
دور إيراني محتمل؟
قادما من العراق، التقى وفد “الاتحاد البرلمان العربي” الرئيس السوري بشار الأسد في دمشق الأحد الماضي، وقد ضم الوفد إلى جانب رئيس الاتحاد، الأمين العام للاتحاد، ورؤساء مجلس النواب في الإمارات والأردن وفلسطين وليبيا ومصر، إضافة إلى ممثلَي مجلس نواب سلطنة عمان ولبنان، وهي دول معظمها كانت لها محاولات سابقة في إعادة علاقاتها مع دمشق.

الزيارة جاءت استجابة لمقترح قدّمه الحلبوسي، دعا له خلال مؤتمر اتحاد البرلمان العربي في دورته الـ 34 المنعقدة في بغداد، ذلك ما يؤكد أن رئيس الاتحاد أدرك أن الكارثة الإنسانية التي تعيشها سوريا بسبب الزلزال هي فرصة مناسبة للتوجه نحو سوريا، وتساعد على تجاوز العقوبات والتحذيرات الدولية من مغبة التطبيع مع دمشق.
أما عن الدور الإيراني من هذه الجهود، فقد أثاره ترأس الحلبوسي لهذا الوفد، خاصة وأن الأخير هو سياسي عراقي شغل العديد من المناصب السياسية في البلاد، بينها رئيس “مجلس النواب” العراقي ومحافظة الأنبار، ولديه علاقات جيدة مع إيران نتيجة زياراته المتكررة لطهران، ولقائه العديد من المسؤولين الإيرانيين بينهم الرئيس إبراهيم رئيسي ووزير خارجيته حسين أمير عبد اللهيان.
بحسب تقارير صحفية، فقد عُرف عن الكثير من أصحاب المناصب العليا في العراق، تأثّرهم بشكل أو بآخر بالسياسة الإيرانية، ما يرجّح أن يكون لإيران دور بشكل غير مباشر في عمليات محاولة عودة العلاقات مع دمشق بواسطة رئيس “الاتحاد البرلماني العربي” محمد الحلبوسي.
في حال كانت هناك رغبة إيرانية في توظيف الحلبوسي لتنفيذ أجنداتها، فيُتوقع أن تكون هناك عرقلة لعمليات التطبيع بين الدول العربية ودمشق، أو تكون عودة العلاقات هذه بما لا يتعارض مع المصالح الإيرانية في سوريا، خاصة وأن بعض محاولات التطبيع لم تُخفِ في وقت مضى أن الهدف الرئيسي من إعادة سوريا إلى الدائرة العربية، هو إخراجها من الهيمنة الإيرانية.
الباحث السياسي الدكتور محمد نعناع رأى أن الحلبوسي يتحرك بناءا على مصالح لتعزيز دوره السياسي في العراق، مشككا في قدرة “الاتحاد البرلماني العربي”، على تنفيذ ما يتم الحديث عنه حول إعادة سوريا إلى الدائرة العربية.
نعناع قال في حديث خاص مع “الحل نت”، “الحلبوسي يحاول بدواعي عربية إعادة الكونترول على بشار الأسد وسوريا في الإقليم، وكنزعة فردية يسعى كذلك إلى تقوية دوره، لأنه أمام الكثير من المصاعب السياسية في العراق خلال الفترة القادمة، فهو يخلق من خلال هذا الدور سندا له، وأستبعد أن تكون تحركاته بناء على رغبات إيرانية”.
الباحث السياسي أوضح أن الرئيس السوري سيستغل هذه المساعي للخروج من عزلته، وأضاف “الأسد سيتفاعل ربما مع الإمارات والسعودية للوقوف في وجه التوجهات التركية، دمشق غير راضية عن توجه تركيا في عمليات التطبيع رغم الموافقة غير المباشرة من قبلها، لذلك ستكون خيارات الإمارات والسعودية أكثر قبولا من تركيا”.
قد يهمك: الجزائر ترفع إنتاج الغاز بـ 10 مليارات متر مكعب.. فشل الخطة الروسية لخفض الإنتاج؟
الحديث عن وقوف الأسد في وجه التوجهات التركية، يعيدنا بالتأكيد إلى ملف الأيدي الإيرانية التي تلعب في ملف التطبيع مع الأسد، فمواجهة تركيا تعني بالتأكيد الكثير لإيران، التي حاولت سابقا عرقلة الجهود التركية الرامية لعودة العلاقات مع دمشق، وذلك بسبب محاولة تركيا تهميش الجانب الإيراني من هذه الجهود واللقاءات التي كانت تُجرى في هذا الصدد.
نعناع ختم حديثه بالقول، “تبقّت مسألة مهمة هي مدى قدرة وإمكانيات هذا الاتحاد الذي تبناه الحلبوسي، في تطبيق الآليات التنفيذية والرؤى الاستراتيجية الموضوعة، هناك أمثلة مماثلة تتعلق بجهود الاتحاد فشلت سابقا”.
رغبة عربية حقيقية؟
حتى الآن لا يبدو أن زيارة وفد “الاتحاد البرلماني العربي” تعبّر عن رغبة عربية كاملة في إعادة العلاقات مع دمشق، خاصة وأن الزيارة لم تشمل أعضاء كل الدول العربية، إذ إن الزيارة تمت عَبر وفدٍ ضمّ ثمانية رؤساء أو رؤساء وفود، وليس أعضاء كل الاتحاد الـ21.
كما أن “الاتحاد البرلماني العربي” يختلف عن البرلمان العربي، الذي يُعد بمثابة برلمان عربي شامل يمثّل الشعوب العربية حتى وإن كان على المستوى النظري فقط، والذي يتكون من أربعة أعضاء من كل دولة، يتم ترشيحهم من قِبل كل برلمان عربي على حدى، ولا يخفى على أحد الصراع التاريخي بين الجانبين، وكان لافتا هنا عدم مشاركة رئيس “البرلمان العربي” النائب البحريني عادل العسومي في الوفد المتّجه نحو دمشق، ذلك على الرغم من وجوده في بغداد لحضور ذات المؤتمر الذي ينظمه “الاتحاد البرلماني العربي”، لكنه تجاهل الدعوة من أجل زيارة دمشق.

ما يدعم كذلك عدم إجماع العرب على إعادة دمشق إلى الدائرة العربية، هو أن جميع الدول التي مثّلها الوفد كالأردن والإمارات ومصر، هي دول حاولت سابقا إعادة علاقاتها مع دمشق من بوابات عدة، أبرزها الاقتصاد ومكافحة الإرهاب على الحدود، لكنها فشلت في النهاية، وواجهت رفض دولي واسع لإعادة تعويم حكومة دمشق، فضلا عن أنها لم تجد أبدا ما يمكن لبشار الأسد أن يقدّم لها.
قطار التطبيع إلى أين؟
الأردن فشل سابقا في الحصول على ضمانات من دمشق، لمكافحة تهريب المخدرات على الحدود السورية الأردنية وضمان أمن الشريط الحدودي، كذلك فشلت الإمارات وبعض الدول الخليجية في الحصول على أيّة مكاسب متعلقة بالتصدي للنفوذ الإيراني في سوريا والمنطقة، في مقابل إعادة سوريا إلى الدائرة العربية.
وفضلا عن فشل دمشق في تقديم أي مبادرات لبعض لدول العربية التي ترغب بعودة العلاقات، يبدو أن فشل التطبيع العربي مع دمشق مرتبط بعوامل عديدة، أبرزها الفيتو الأميركي، الذي يقتضي بالضرورة معارضة حلفائه في المنطقة لهذا التطبيع، ويُعتقد أن الدول العربية الأكثر اعتراضا على عمليات التطبيع تلك هي قطر والكويت وربما بدرجة أقل السعودية التي بدأ فيها الحديث مؤخرا عن هذا الموضوع.
إذاً فمن البوابة الإنسانية، تتجدد جهود إعادة سوريا إلى الحضن العربي، ذلك ما تؤكده تصريحات الوفد العربي، حيث أكد الحلبوسي أن “موقف الاتحاد البرلماني العربي داعم لعودة سوريا لمحيطها العربي”، تصريحات دعمها رئيس “مجلس النواب” المصري حنفي الجبالي بالقول إن “سوريا ستعود إلى مكانها الطبيعي في الجامعة العربية، وأن هذه الزيارة هي لدعمها قيادة وحكومة وشعبا”.
لكن هذه الجهود وفق مراقبين لعمليات التطبيع مع دمشق، ستصطدم لاحقا بالعديد من العوائق، خاصة مع انتهاء فورة المساندة الإنسانية في سوريا، وخروج العقبات المتمثلة بالهيمنة الإيرانية على جزء كبير من القرار السياسي في سوريا، واستمرار تمدد النفوذ الإيراني على الأراضي السورية.
كذلك وفيما إذا تأكّد وجود أجندة إيرانية في هذه المساعي، فهذا يقود إلى فشل المساعي العربية الحالية، خاصة وأن معظم الدول الخليجية، فيما إذا رغبت بإعادة العلاقات مع دمشق، فإن محفّزها الرئيسي سيكون محاولة التصدي للتمدد الإيراني على الأراضي السورية، والذي يهدد بطبيعة الحال بتمدد مستقبلي في كل أنحاء المنطقة.
بالاعتماد على ما سبق، لا يمكن التعويل على وفد “الاتحاد البرلماني العربي” للقول إن قطار التطبيع مع دمشق يسير بدون عوائق، فالوفد لم يمثّل جميع الدول، وحتى الدول التي مثّلها فشلت سابقا في فتح قنوات ناجحة مع دمشق، هذا كله ولم نتحدث عن الفيتو الأميركي الذي يمكن له أن يظهر في أي لحظة ليجدد رفضه جميع محاولات التطبيع مع الأسد وحكومته.
- اليابان ترفع العقوبات عن 16 كياناً سورياً.. وتبقي “الأسد” على القائمة
- شبهات تزوير حول قطع أثرية استعادتها سوريا.. ما القصة؟
- النفط الخليجي يقترب من مستويات ما قبل الحرب.. هل نجح الحصار في خنق إيران؟
- ثاني استهداف خلال أسابيع.. تفجير خط غاز الجبسة يوقف الإمدادات إلى محطات التوليد
- مفوضية اللاجئين: نقص التمويل يهدد مساعدات 162 ألف مهجر وعائد في سوريا

