آثار سلبية كبيرة باتت تظهر على الاقتصاد الروسي، في ظل استمرار العقوبات الغربية ضده، رغم أن موسكو تسعى إلى إخفاء كل ذلك بأساليب متعددة، وهذا التدهور الاقتصادي ليس إلّا نتيجة للعقوبات الغربية على خلفية غزوها لأوكرانيا قبل نحو عام وليس لأمر آخر.
موسكو التي تدّعي وتتظاهر بأن اقتصادها قوي ولم يتأثر بشكل كبير بالعقوبات الغربية، ويمكنها التعايش مع هذه العقوبات، إلا أن المعطيات تشير إلى عكس ذلك، وقد ظهر ذلك في عدّة تقارير سابقة، أظهرت مساعدة حلفائها لها مثل إيران والصين لجهة صمود اقتصادها من السقوط.
غير أن إعلان “بورصة موسكو” عن بدء تداول الليرة التركية ودولار هونغ كونغ، اعتبارا من الأول من آذار/مارس الجاري، بالتزامن مع خفض روسيا لإنتاج الغاز، يفتح الباب لكثير من التساؤلات، حول هذا الإعلان وما يعنيه من شبه إفلاس اقتصادي لروسيا، واحتمالية حدوث إفلاس للمؤسسات المالية الروسية بالفعل، إلى جانب تساؤل حول مصير ومسار “بورصة موسكو” والاقتصاد الروسي ككل وسط استمرار العقوبات الدولية، وفيما إذا ستلجأ روسيا لإنشاء قنوات مالية سرّية كحليفتها إيران لتفادي العقوبات الغربية.
هل موسكو تدّعي؟
قبل نحو يومين، أعلنت “بورصة موسكو” عن بدئها بتداول الليرة التركية ودولار هونغ كونغ، اعتبارا من 1 آذار/مارس الجاري، وقالت إن إطلاق عقود جديدة بالليرة التركية ودولار هونغ كونغ، نابع من الاهتمام المتزايد من العملاء بتداول هاتين العملتين. وسيتمكن المستثمرون من الوصول إلى العقود الآجلة التي تنتهي في حزيران/يونيو وأيلول/سبتمبر وكانون الأول/ديسمبر 2023 وآذار/مارس 2024، بالليرة التركية ودولار هونغ كونغ.

في حديثه حول هذا الإجراء قال فلاديمير ياروفوي، العضو المنتدب للمشتقات في “بورصة موسكو”، “تعد العقود الآجلة للعملات من أكثر الأدوات شيوعا لدى المستثمرين حول العالم، وسوقنا ليس استثناءً. وأكثر من 50 بالمئة من حجم المعاملات في سوق المشتقات اليوم هي مشتقات العملات. وهذه أدوات ملائمة تسمح بتنفيذ مختلف الاستراتيجيات بشأن التغيرات في أسعار الصرف، وأخذ الحيطة من مخاطر العملات بتكلفة منخفضة”، مضيفا أن الطلب على الليرة التركية في بورصة موسكو ارتفع بمقدار 17 ضعفا، وفق تقارير صحفية.
الباحث في الاقتصاد السياسي، ومستشار “المركز العربي للدراسات والبحوث”، أبوبكر الديب، يقول إن العقوبات الغربية دون أدنى شك أثّرت على الاقتصاد الروسي بشكل كبير. وهذه العقوبات التي زادت عن 14 ألف عقوبة شملت جميع أنشطة الاقتصاد الروسي، من بنوك وشركات ومجال الطاقة والصادرات والتكنولوجيا والصناعات العسكرية والمدنية الروسية، فكل ذلك استهدف انهيار القاعدة الصناعية الروسية، فاليوم هناك 12 دولة أوروبية تضغط على 40 دولة أخرى لتشديد العقوبات على روسيا.
الديب بيّن لموقع “الحل نت”، أن إعلان “بورصة موسكو” للأوراق المالية عن بدء تداولها بالليرة التركية ودولار هونغ كونغ، وتحجّجها بأنها تنوّع عملاتها لكنها في الحقيقة هذه إحدى نتائج العقوبات الغربية على موسكو، حيث حرمانها من التعامل باليورو أو الدولار الأميركي أو العملات الرئيسية المرتبطة بالغرب. وهذا يُعدّ مؤشرا سلبيا قويا على دخول الاقتصاد الروسي في مرحلة الانهيار.
“بروباغندا” روسية
في خضم ذلك، يبحث “الاتحاد الأوروبي” وواشنطن حاليا على فرض عقوبات جديدة ضد روسيا يُفترض تم تطبيقها، بمناسبة مرور عام على الحرب، وتشمل قيودا تجارية تزيد قيمتها عن 10 مليارات يورو، بما في ذلك فرض حظر على واردات “الاتحاد الأوروبي” من المطاط الروسي، كما تتضمن منع صادرات التكتل إلى روسيا من المعدات التقنية وقطع الغيار التي قد تستخدمها موسكو في معركة أوكرانيا.
قد يهمك: أججوا سوق العقار.. لماذا ينجذب المستثمرون الروس إلى الإمارات؟
الديب يقول إن الاقتصاد الروسي تأثر كثيرا لدرجة أنه تحول إلى اقتصاد عسكري بالكامل لدعم غزوها لأوكرانيا، وتحاول روسيا الالتفاف على العقوبات بعدة طرق، لكن حتى لو حاولت فإن الاقتصاد سيبقى يعاني كثيرا. من جانبهم الغرب والولايات المتحدة لا يصدّقون ويشككون في الإحصاءات الرسمية الصادرة عن موسكو، ويعتبرونها مسألة دعاية وبروباغندا وليس إلا.
حيث إن الأرقام الرسمية بانخفاض الناتج المحلي الروسي بنسبة 1-2 بالمئة في عام 2022، يشكك فيها الدول الغربية التي تقول إن الانخفاض أكثر من ذلك بكثير. لكن طبعا روسيا لديها على الجانب المقابل كميات كبيرة من النفط والغاز، وهي مصدر رئيسي في إنتاج النفط وتصديره للعالم، فإذا استغنت الدول الأوروبية عن الغاز الروسي، يوجد لديها أسواق بديلة، مثل الأسواق الهندية والصينية، وإن كانت تبيع بأسعار أقل، وفق تعبير الديب.
روسيا في الوقت نفسه تقول إن اقتصادها ذو صلابة وتخطى خطر التدمير، وإن القطاع المصرفي الروسي حقّق أرباحا بلغت 203 مليارات روبل روسي في عام 2022، وأن حجم التبادل التجاري بالعملة الروسية تضاعف منذ كانون الأول/ديسمبر الماضي وتراجعت البطالة إلى مستوى تاريخي، إضافة إلى ارتفاع إنتاجية محصول الحبوب بأكثر من 150 مليون طن، وتصدير كمية غير مسبوقة من الحبوب بنحو 60 مليون طن في السنة وفق الديب.
لكن كل ذلك ليس بالأمر المؤكد فهي تبقى مجرد إحصاءات تصدر من الجانب الروسي ليوهم الغرب بأن اقتصاده صامد ويتعايش مع العقوبات الغربية وهذا ليس صحيحا وفق المعطيات.
العقوبات الغربية تضمنت تجميد الأصول الروسية في الخارج وفرض حظر على تصدير التقنيات الرئيسية إلى روسيا، وتم تصعيد العقوبات بشكل كبير حيث بدأ “الاتحاد الأوروبي” في نهاية المطاف في خفض جذري لشراء النفط والغاز الروسي، كما وأغلقت أكثر من 1200 شركة غربية عملياتها في روسيا، لكن الجانب الروسي يزعم بأن اقتصاده امتص الصدمة واستطاع تجنب الانهيار.
احتمالات حدوث إفلاس
في سياق احتمالية إفلاس لـ”المؤسسات المالية الروسية”، يرى الديب أن ذلك مرهون بعدة عوامل، من بينها مدى توسّع إجراءات الحظر المالي الغربي الصارمة على روسيا. وإذا ما اشتدت فإن هذا ينذر بحدوث إفلاسات كبيرة في البنوك الروسية، خاصة وأن أكبرها طُرد من “نظام التحويلات الدولية” (سويفت) وحُظرت تعاملاته الخارجية في العام الماضي.
كما أن هذه الإجراءات الغربية، والتي تضمنت حظر “البنك المركزي الروسي” من التداول بالدولار واليورو والعملات الرئيسية في أسواق الصرف، بجانب حظر “صندوق الاستثمار الروسي”، وطرد العديد من المصارف التجارية الروسية الكبرى من النظام المالي العالمي، جعلت روسيا تلجأ إلى عملات أخرى مثل اليوان الصيني والليرة التركية، وحتى بعض العملات العربية مثل الجنيه المصري، وهذا أيضا عامل ربما قد يؤدي إلى إفلاس المصارف الروسية في وقت لاحق.

لكن ثمة عوامل يمكن أن تحمي الاقتصاد الروسي من الانهيار والإفلاس، بحسب تقدير الديب، وهي دولة الصين، التي لم تغادر منطقة الحياد إلى حد كبير بعد. فإذا انضمت الصين والهند وبعض الدول الأخرى للتضامن مع روسيا، فإنهم سيحمونها من الانهيار.
إلى جانب ذلك هناك احتمالية لجوء موسكو إلى إنشاء طرق مالية سرّية للتهرب وتفادي العقوبات الدولية مثل حليفتها إيران. وقد بدأت إيران وروسيا في إنشاء ما يُعرف بـ”ممر الشمال ـ الجنوب”، إذ تلتقي أهداف الدولتين الخاضعتين لعقوبات غربية واسعة، في البحث عن مسارات آمنة لتجارتهما، بل واستقطاب دول طامحة في نفوذ أكبر وتكاليف أقل لتجارتها للانضمام إلى هذا الممر، الذي يرى محللون أنه قد يؤثر على “قناة السويس” المصرية، التي تُعدّ أحدى أهم الشرايين الملاحية عالميا، وفق مراقبين.
اقتصاد “متهالك”
رغم صمود الاقتصاد الروسي أمام العقوبات لكن الصورة تبدو مغايرة فيما يخص سوق الأسهم، فقد استُبعدت الأسهم الروسية من المؤشرات العالمية، وجُمدت أو أغلِقت الصناديق المتداولة في البورصة التي تتعقب أسهم الدولة. ولم يتمكن المستثمرون المحليون من إنقاذ السوق المحلية من الركود الناجم عن الغزو الروسي لأوكرانيا، رغم أن معظم الأجانب لا يزالون ممنوعين من بيع الأسهم المحلية التي يمتلكونها، وفق تقدير الديب.
قد يهمك: مسار الذهب الأصفر.. كيف توظف طهران معادنها لخدمة “حزب الله” عبر فنزويلا؟
حتى أن سوق موسكو أغلقت لفترة ما وانخفض “مؤشر نظام التداول الروسي” (آر تي أس) المقوّم بالدولار بنسبة 35 بالمئة منذ بداية العام الماضي وإلى اليوم، ما يجعله المؤشر الأسوأ أداء بين 92 مؤشرا تتبعها مؤسسة “بلومبرغ” عالميا من حيث القيمة بالعملة المحلية، وثالث أسوأ مؤشر من حيث القيمة بالدولار. كما انخفض “مؤشر بورصة موسكو- روسيا” (مويكس أند روسيا) المسعّر بالروبل، بنسبة 44 بالمئة، وهو في طريقه لتسجيل أكبر انخفاض سنوي منذ عام 2008. وفي حال تزايدت الضغوط، قد تخلّف خسائر أخرى. وهذا ما أثّر بشكل كبير على سوق الاستثمار.
المتابع لـ”بورصة موسكو” خلال العام المنصرم من الحرب الروسية الأوكرانية، سيقول إن انتعاش الفرصة مازال بعيد المنال بسبب العقوبات الغربية، حيث تم نزوح العديد من المستثمرين من السوق الروسية وكذلك الشركات الكبرى، ما جعل الأسهم الروسية الأسوأ أداءً في العالم خلال العام الماضي، وفق تحليل الخبير الاقتصادي، الديب.
موسكو قالت إن الطلب على الليرة التركية في بورصة موسكو ارتفع بمقدار 17 ضعفا خلال العام الماضي، بالطبع العقوبات الغربية غيّرت من الخريطة الاقتصادية العالمية، فعلى سبيل المثال دولة مثل الهند لم تكن تشتري النفط الروسي من قبل، ولكن الآن تشتري بسبب سعرها المنخفض وإن كانت بكمية نسبية، ورغم قدرة الصين على شراء كمية كبيرة من النفط الروسي، إلا أنها لا تفعل ذلك، وفقا لمجموعة اعتبارات سياسية.
لكن إذا ما ذهبت الصين والهند لشراء النفط الروسي بكميات كبيرة فإن هذا سيساعد الاقتصاد الروسي من الانهيار ولكن بنسب معينة فقط. وإذا ما اشتدت العقوبات الغربية، فقد تلجأ موسكو إلى أساليب التحايل لتجنب العقوبات قدر الإمكان، كما تفعل إيران في الوقت الحالي.
- سليمان الأسد بين القضاء اللبناني وطلب سوري محتمل.. هل تعيق عقوبة الإعدام استرداده؟
- الشرع والانخراط في لبنان.. رفض الحرب أم تفاوض على ثمن الدور؟
- القوات اليمنية تتقدم نحو باب المندب.. وتصعيد واسع ضد الحوثيين
- المقاتلون الأويغور وأبو مريم الأسترالي.. ملفان يلاحقان المرحلة الانتقالية في سوريا
- بعد تلميح وزير الطاقة أمام مجلس الشعب.. هل تطرق زيادة تعرفة المياه باب السوريين؟

