شركات خاصة تهدد بتوقيف أعمال المهندسين السوريين

خصخصة القطاع العام
خصخصة القطاع العام

في تطور يثير القلق ويشعر بالرهبة، كشف مدير النقل بمحافظة طرطوس، نضال بركات، عن خطر قادم يهدد استقرار وظائف المهندسين السوريين عبر خصخصة القطاع العام. فقد تعاقدت شركة “الدروب الآمنة” مع وزارة النقل لإنشاء مراكز فحص فني خاصة بالمركبات في جميع المحافظات، ما سيؤدي إلى توقف عمل مديريات النقل في هذا المجال.

وفقا لبركات، سيبدأ عمل الشركة خلال الأشهر القليلة المقبلة، وستتولى المهام التي كانت تقوم بها المديريات الفرعية للنقل في فحص المركبات. وبالتالي، سيتعرض ما يقارب من 30 مهندسا متخصصا في الكهرباء والميكانيك، العاملين في ستة دوائر فرعية بالمحافظة، لتوقف عملهم بعد بدء عمل الشركة الخاصة، مما يتركهم بدون عمل وفرص مهنية ضمن المديرية.

إن هذا التطور يطرح تساؤلات كثيرة ويسبب قلقا كبيرا لدى المهندسين السوريين، الذين يجدون أنفسهم مهددين بفقدان وظائفهم وفرص العمل في هذا المجال الحيوي.

رهبة من خسارة مهنية محتملة

الاستثمار في الكوادر السورية المهنية يُعد أمرا حيويا لتعزيز التنمية والاستقرار الاقتصادي في البلاد، وإذا لم يتعامل مع خصخصة القطاع العام الذي يهدد الموظفين بأنه مشكلة من قبل الجهات المعنية، فإن ذلك سيؤثر سلبا على القطاع الهندسي في سوريا.

الحكومة السورية طرحت 50 شركة لمشاركتها مع القطاع الخاص - إنترنت
الحكومة السورية طرحت 50 شركة لمشاركتها مع القطاع الخاص – إنترنت

خصخصة القطاع العام في سوريا، حجر عثرة يهدد موظفي الدولة، حيث يواجه الموظفون في القطاع العام في سوريا تحديا خطيرا يهدد استقرارهم ومستقبلهم المهني. فعلى الرغم من الأهمية الكبيرة للقطاع العام في توفير فرص العمل والخدمات الأساسية للمواطنين، إلا أن خصخصة هذا القطاع قد تجاوزت حدودها المنطقية وأصبحت تشكل تهديدا مباشرا لحياة الموظفين.

لقد تم تطبيق سياسة الخصخصة في العديد من الوزارات والمؤسسات الحكومية، حيث يتم تحويل أجزاء من هذه المؤسسات إلى شركات خاصة أو جهات ذاتية الإدارة. ورغم أن الهدف المعلن من هذه الخطوة هو زيادة الكفاءة وتحسين إدارة القطاع العام، إلا أن الواقع يكشف تبعات سلبية كبيرة على الموظفين.

أحد التحديات الرئيسية التي يواجهها الموظفون هو تدهور شروط العمل وحماية الحقوق العمالية. فبموجب نظام الخصخصة، تعتبر الشركات الخاصة المتولية للمؤسسات الحكومية كيانات منفصلة، مما يجعلها غير ملزمة بالتزامات القانونية والعمالية المتعلقة بحقوق الموظفين. وبالتالي، يتعرض الموظفون لتهديدات مستمرة لفقدان وظائفهم، تخفيض الرواتب، وسوء المعاملة دون وجود آلية للحماية.

علاوة على ذلك، وبحسب حديث المهندس علي عبد اللطيف، لـ”الحل نت”، فإن خصخصة القطاع العام أدت أيضا إلى تراجع فرص الترقية والتطوير المهني للموظفين. حيث تُعتبر الشركات الخاصة أكثر اهتماما بتحقيق الربحية وتحقيق أهدافها الخاصة، مما يعني أن الاستثمار في تطوير وتدريب الموظفين ليس أحد أولوياتها. وبالتالي، يجد الموظفون أنفسهم محبوسين في وظائف دون فرصة للنمو والتطور المهني.

الحكومة تحيزت للقطاع الخاص؟

في ضوء هذا الوضع المقلق، لفت موقع “غلوبال” المحلي، أول أمس الاثنين، إلى أن هذه العوامل مجتمعة أدت إلى نتائج غير مقصودة شكلت تحيزا للحكومة خصوصا ضد القطاع الزراعي وساهمت في انخفاض أسعار منتوجات المزارعين وربحيتهم، الأمر الذي أدى إلى تقليل حوافز الاستثمار في هذا النشاط الإنتاجي الاقتصادي الأكثر أهمية.

الحكومة السورية طرحت 50 شركة لمشاركتها مع القطاع الخاص - إنترنت
الحكومة السورية طرحت 50 شركة لمشاركتها مع القطاع الخاص – إنترنت

هذا بدوره أدى أيضا إلى القضاء على حوافز نمو الصناعات الزراعية، و الاتجاه نحو تصدير المنتجات الأولية للسلع الزراعية، كما أنه ألحق ضررا بالنمو الاقتصادي حيث تبقى حصة المتحصلات من تصدير تلك المنتجات في إجمالي ميزان المدفوعات منخفضة وليست ذات تأثير كبير، علما بأن زيادة الصادرات من السلع الزراعية المصنّعة يزيد من قدرة القطاع الزراعي على استيعاب مزيد من اليد العاملة حيث لا يزال يعتبر من القطاعات كثيفة العمالة.

من الوقائع السابقة يظهر أن السياسات التي تهدف إلى تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص في سوريا كانت تحمل آمالا كبيرة في تحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز الاستثمار في القطاعات الحيوية مثل الطاقة والبنية التحتية. ومع ذلك، هناك قلق متزايد بشأن تلك الشراكات وتأثيرها على الموظفين في القطاع العام. 

بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي التركيز على الاستثمار الخاص في الأصول العامة إلى تقليل السيطرة الحكومية على هذه الأصول والتراجع عن الدور الذي يمكن أن يلعبه القطاع العام في تحقيق المصلحة العامة وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين.

في تموز/يوليو 2015، وافقت الحكومة على قانون يسمح لمجالس المدن والوحدات الإدارية المحلية الأخرى بتأسيس شركات قابضة في القطاع الخاصّ لإدارة الخدمات والأصول العامة؛ خالقة مساحة للمتنفذين توليد أعمال تجارية عبر الاستفادة من الأصول العامة.

كذلك، جرى تمرير قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص في سوريا في كانون الثاني/يناير 2016، بعد ستّة أعوام على صياغته.و يسمح القانون للقطاع الخاص بإدارة أصول الدولة وتطويرها في جميع قطاعات الاقتصاد، باستثناء النفط، لكن ذلك شدد تحكم رأسمالية المحسوبيات بالأصول العامة على حساب مصالح الدولة والمصلحة العامة.

فشل التشاركية

في عام 2022، طرحت الحكومة 38 شركة عامة للخصخصة بذريعة الخسائر، كانت البداية بمؤسسة توزيع المطبوعات الحكومية، وامتد مشروع الخصخصة إلى الشركات الصناعية وإدارة بعض المواقع السياحية.

الحكومة السورية طرحت 50 شركة لمشاركتها مع القطاع الخاص - إنترنت
الحكومة السورية طرحت 50 شركة لمشاركتها مع القطاع الخاص – إنترنت

أيضا ارتفع عدد الشركات الصناعية المدرجة على قائمة الخصخصة إلى 50 شركة؛ منها 6 شركات تتبع للمؤسسة الهندسية، و 8 شركات لمؤسسة الصناعات الكيميائية، و7 شركات تتبع لمؤسسة الصناعات الغذائية.

في السياق الحالي، اعتبرت الحكومة تعاون بعض الدول الأجنبية معها في إطار سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص بمثابة فرصة للمستثمرين الأجانب، وهنا كانت تشير إلى الشركات الروسية والإيرانية التي تعمل في سوريا.

روسيا، بصفتها حليفا للحكومة السورية، استولت على العديد من المشاريع الاقتصادية والاستثمارية في سوريا، وخاصة في قطاع الطاقة والبنية التحتية، ودخلت شريكا رئيسيا في تطوير مشاريع الطاقة في سوريا، مثل بناء محطات توليد الكهرباء وتوسيع شبكات الكهرباء.

من ناحية أخرى، إيران أيضا دخلت في مجال الاستثمار والتعاون الاقتصادي عبر قانون خصخصة الشركات، وتم توقيع مذكرات تفاهم بين البلدين لتعزيز التعاون في مجالات مختلفة، مثل عقد مجموعة الشركات الإيرانية “مبنا” التي تُعنى بتطوير الطاقة الحرارية والمتجدّدة وتطبيق خططها. ووُكّلت “مبنا” ببناء محطّة لتوليد الطاقة في مدينة اللاذقية الساحلية.

وفقا لحديث عبد اللطيف، فإن أضرار القطاع العام الصناعي حتى نهاية عام 2022 بسبب التشاركية بلغت 200 مليار و509 مليون ليرة سورية حوالي 1.2 مليار دولار، ما أدى إلى ازدياد كبير في أعداد الموظفين الراغبين في الاستقالة خلال الأشهر القليلة الماضية.

“اتحاد العمال العام لشؤون الموظفين” في سوريا، كشف سبتمبر/أيلول الماضي، عن ارتفاع أعداد المستقيلين ومقدّمي طلبات الاستقالة من القطاع العام خلال النصف الأول من 2022، مسجلا استقالة 400 موظف في محافظة السويداء، و 300 آخرين في محافظة القنيطرة.

في حين تم تقديم 516 طلب استقالة في محافظة اللاذقية، بينها 230 طلبا من عمال في شركات الغزل، و149 من عمال في مؤسسة التبغ، و58 من عمال في قطاع الزراعة، و31 من عاملين في مديرية الصحة، و 48 طلبا من موظفين في مختلف القطاعات الأخرى.

إعادة تجديد خصخصة القطاع العام في سوريا تثير مخاوف جدّية بشأن مصير المهندسين السوريين واستمرارية أعمالهم، حيث تشكل هذه السياسة تهديدا حقيقيا لمستقبل هؤلاء المهندسين وللقطاع الهندسي ككل. وإذا لم تتم معالجة هذه المسألة بحذر وتوجيه الجهود نحو الحفاظ على حقوق ومصالح المهندسين السوريين، فستواجه البلاد خطر فقدان الخبرات والكفاءات المحلية التي تعتبر أساسية لإعادة إعمار سوريا وتحقيق التنمية المستدامة.

رامز الحمصي

رامز الحمصي

الرئيس السابق لتحرير موقع "الحل نت"، صحفي مختص بالمواجز التحليلية والتحقيق في القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الشّأن السّوري وسياسات الشّرق الأوسط….

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم