“العيد الكبير” في سوريا.. “معلاق” و”شرحات” وعادات أخرى

العيد الكبير في سوريا

فرحة “العيد الكبير” أو “عيد الأضحى” في سوريا تتميز بمذاقها الخاص وروحها الفريدة، إذ إن عادات وتقاليد العيد في هذا البلد العريق تجعلها تحمل معها أعماق التراث وموروثات الأجداد، مما يضفي عليها طابعا فريدا يمزج بين السعادة والحنين إلى الماضي.

رغم التحديات الاقتصادية الصعبة التي يواجهها الشعب السوري، إلا أن طقوس الاحتفال بالعيد لم تندثر، بل استمرت في إضفاء البهجة والأمل على قلوب الناس. ففي هذا اليوم المميز، تتنوع العادات والتقاليد في سوريا، حيث تبرز عادة أكل “معلاق” و”شرحات” كأحد العادات البارزة في هذه المناسبة خصوصا أن الذبائح فيه تُكثر.

الأضاحي والمنافسة بين المعلاق والشرحات

العائلات السورية تشتهر بتقاليدها الدينية والاجتماعية الفريدة في احتفالات العيد. حيث يبدأ اليوم الأول من العيد منذ الصباح الباكر، حيث يتوجه الناس إلى المساجد أو المصليات لأداء صلاة العيد. ويصطحب الآباء أبناءهم معهم ليشاركوا في هذه المناسبة الدينية المميزة. فتنعم هذه الأماكن بالحياة والحضور الكثيف، حيث يجتمع الأهالي ليشعروا بروح الألفة والترابط في هذا اليوم المبارك.

أشخاص يختارون الأغنام من سوق للماشية من أجل عيد الأضحى - إنترنت
أشخاص يختارون الأغنام من سوق للماشية من أجل عيد الأضحى – إنترنت

بعد انتهاء صلاة العيد، يتجه الجميع لزيارة القبور، حيث يراودهم الشوق والحنين للأحباب الذين فقدوهم. ويقفون بجانب القبور، يدعون للموتى بالرحمة والمغفرة، ويقرأون الآيات القرآنية ليزرعوا في قلوبهم السكينة والسلام. كما تزين القبور بنبات الآس الأخضر، رمزا للحياة الأبدية والأمل في الآخرة.

وعلى غير العادة المتعارفة بـ”عيد الفطر”، حيث يبدأ الناس بالاستعداد لزيارة الأقارب، إذ تتوجه العائلات لزيارة الجد والجدة وتبادل التهاني والتبريكات، إلا أن “عيد الأضحى” يمتاز بعادة متأصلة وهي الذهاب إلى تجمعات بيع المواشي من أجل شراء الأضاحي وذبحها كقرابين.

بعد الذبح الذي إما أن يكون في باحة البيت وهي العادة المتوارثة والمشهورة بين السوريين أو في المسلخ وقلة من يقومون بذلك، من المظاهر التي تتميز بها سوريا في العيد هي اجتماع العائلة على سفرة واحدة صبيحة العيد ولابد أن يجتمع جميع أفراد الأسرة حول هذه المائدة.

لكن هنا يبرز دور النساء في المنافسة بين من تريد أن تخصص وجبة الإفطار من “المعلاق” وهي وجبة مكونة من قلب وكبد ورئة وطحال وكليتي الذبيحة، أو طبق الـ “شرحات” المكون من قطع اللحم الطازجة والتي تطبخ على الحطب.

رغم الانخفاض غير مسبوق على “أضاحي العيد” في ظل الغلاء الذي ضرب المواشي وضعف القدرة الشرائية للمواطنين، تعتبر هذه العادات الموروثة من الأجداد جزءا لا يتجزأ من احتفالات العيد، حيث يتجمع الأهل والأصدقاء للتبادل بالتهاني وتقديم التبريكات، وتقديم الهدايا والحلوى، ما يعزز الترابط الاجتماعي والروابط العائلية.

حلويات العيد من درعا إلى حلب

في الأيام الأخيرة قبل حلول “عيد الأضحى” في سوريا، تنبض العائلات بالنشاط والحماس لصنع حلوى العيد، فمنذ الصباح الباكر، تمتلئ المنازل برائحة العجين والحلوى التي يسيل لها اللعاب حسب وصف أم محمد لـ”الحل نت”، حيث تشتهر سوريا بمجموعة متنوعة من الحلويات التي تُعد خصيصا للاحتفال بالعيد.

صناعة حلويات العيد في المنازل - إنترنت
صناعة حلويات العيد في المنازل – إنترنت

طبقا لما ذكرته أم محمد المنحدرة من مدينة درعا، فإن الحلويات المشهورة جنوبا والتي تصنع في المنزل هي الغريبة والبرازق وكعك العيد والمعمول، والأخير هو واحد من أشهر أنواع الحلويات. حيث يتم إعداد المعمول عن طريق عجن العجين بالسمن الطازج وتحشيته بالتمر الطري أو الفستق أو الجوز الذي يضفي نكهة مميزة.

صناعة الحلوى في المنزل تُعتبر من العادات القديمة التي تحظى بشعبية كبيرة في الأوساط السورية. ومع ذلك، يتجه بعض الأشخاص إلى شراء الحلوى من المحلات المتخصصة التي تعمل على تحضيرها بمهارة وجودة عالية.

أنواع الحلويات السورية تختلف من منطقة إلى أخرى في البلاد، ففي المناطق الشرقية، تشتهر الكليجة والمعمول، بينما في مدينة حلب تعد البقلاوة والمهنا بأشكالها المتعددة أساسا في ضيافة العيد، أما في مدينة حمص، تعتبر الحلاوة الحمصية من أشهر الأطباق المقدمة في العيد.

إن تحضير حلوى العيد في سوريا بحسب حديث أم محمد يعكس حب العائلات للتقاليد والتراث، ويعد فرصة للتجمع وتبادل الابتسامات والفرح في جو من المودة والسعادة. وتلك الحلويات التي تشع بألوانها ونكهاتها المتنوعة، تجسّد محبة الأهل والأصدقاء، وتضفي طابعا خاصا على الاحتفالات في سوريا.

محليا وصل سعر كيلو البقلاوة في دمشق إلى 280 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 34 دولارا أميركيا حسب السعر الرسمي، فيما ينخفض في سوق الميدان الشهير شرق دمشق إلى 200 ألف ليرة، ويتراوح بين 170 و180 ألف ليرة في أسواق ريف دمشق.

كما وصل سعر كيلو المعمول المحشي بالجوز إلى 140 ألف ليرة، أما الهريسة فيتراوح سعرها بين 75 و80 ألف ليرة، والبرازق والغريبة، وهي حلوى شعبية معروفة لدى السوريين، فسجلت أسعارها 65 ألف ليرة للكيلو الواحد.

لا شاكرية في حمص أو سماقية بحلب

عادات وطقوس “عيد الأضحى” تناقصت في سوريا هذا العام بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها السوريون. ورغم ذلك، استطاع الناس الحفاظ على جزء من تلك العادات التي تحمل قيما إنسانية عميقة في ذاكرتهم.

مشاركة الأطفال في ألعاب العيد - إنترنت
مشاركة الأطفال في ألعاب العيد – إنترنت

كانت هذه المناسبات فرصة لتعزيز روابط الجيرة وتعزيز الترابط الاجتماعي، وكان للفقراء والمحتاجين نصيب من تلك الوجبات اللذيذة، إذ يخصص كل بيت جزءا من أضحيته وحلوياتهم لتوزيعها على الجيران والأقارب والمحتاجين في كل حي.

لكن اليوم، تغيبت هذه العادات عن معظم المحافظات السورية بسبب الأوضاع الاقتصادية وعدم قدرة الناس على تحمل تكاليف إعدادها، لم يعد للعيد نفس الطابع والنكهة.

في بلدة تل منين بريف دمشق، يروي عبد الرحمن حجازي، لـ”الحل نت”، أن البلدة شهدت تغيرا كبيرا في عاداتها وتقاليدها، حيث ما تبقى من تلك العادات والتقاليد في المنطقة لا يتجاوز 5 بالمئة من ما كانت عليه في الماضي، وقد غاب الكثير منها.

في السابق، كان الناس في سوريا يهنئون بعضهم البعض بمناسبة العيد مباشرة بعد صلاة العيد، حيث كانوا يتبادلون التهاني والتبريكات مع رجال الدين والشيوخ والأهل والأقارب. ومع تطور التكنولوجيا، تغيرت هذه العادات الجميلة، حيث أصبح التواصل وتبادل المعايدات يتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. 

كما لم تقتصر طقوس العيد فقط على الاجتماع في المنازل، بل كانت تتضمن أيضا حلقات الدبكة في الساحات وتركيب أراجيح للأطفال وذبح الأضاحي.

أيضا تغيبت أطعمة العيد عن معظم المنازل، إذ تعتبر أطعمة مثل “السماقية” و”أرمان” و”الشيش برك” و”السفرجلية” و”الكبب” جزءا لا يتجزأ من تلك المأكولات التي تسعد العين والمعدة وفق وصف حجازي. ومع ذلك، فإن تحضير هذه الأطعمة يتطلب ميزانية باهظة تصل إلى 300 ألف ليرة سورية كحد أدنى، وليس لدى جميع العائلات القدرة على تحمّل تلك التكاليف.

بالإضافة إلى ذلك، فقد اختفت رائحة تحميص حبوب البن التي كانت تُعلن بدء طقوس “عيد الأضحى”، فقد تأثرت عادات العيد لدى أهل البلدة بسبب الحرب والتغيرات التي جلبها الزمن. وبالتالي، أصبحت تحضير القهوة المرة من التحميص والطحن والغلي قبل العيد بيوم شيئا من الماضي، حيث استبدلت بالقهوة المحضّرة مسبقا أو القهوة الجاهزة المتوفرة في الأسواق.

إن فرحة العيد في سوريا تجسد روح التضامن والبساطة، حيث يتشارك الناس الفرحة والأمل رغم الصعاب. واستمرار هذه الطقوس الاحتفالية يعكس عزيمة الشعب السوري على الحفاظ على هويته وتراثه، وتجعل من العيد الكبير فرصة لتعزيز الترابط الاجتماعي وتجاوز التحديات التي يواجهونها.

رامز الحمصي

رامز الحمصي

الرئيس السابق لتحرير موقع "الحل نت"، صحفي مختص بالمواجز التحليلية والتحقيق في القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الشّأن السّوري وسياسات الشّرق الأوسط….

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم