الاحتكاك وبائع الطوابع.. بلاء تخلص منه السوريون بسبب القرار الجديد؟

خدمة الدفع الإلكتروني وزارة الداخلية الطوابع
خدمة الدفع الإلكتروني وزارة الداخلية الطوابع

إعلان وزارة الداخلية عن قرار جديد يتعلق بالبدء بخدمة الدفع الإلكتروني للحصول على البطاقة العائلية، بعد أيام من إطلاق خدمات البطاقة الشخصية وواقعات الولادة والزواج والطلاق، أثار موجة استنكار داخل المجتمع السوري، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي.

رغم أن هذه الخطوة تُعد من أهم الإجراءات التي اتخذتها الوزارة، حيث أنها تسهم في التخلص من مشكلة الاحتكاك المستمرة بين المواطنين وبائعي الطوابع خارج مراكز الأحوال المدنية. فقد كانت تلك التجربة السابقة تسبب الكثير من الإزعاج والابتزاز، حيث كان بعض البائعين يبيعون الطوابع بأسعار مرتفعة تفوق السعر المحدد للمواطنين. وبالتالي، يُعتبر هذا القرار خطوة مهمة في الحد من ظاهرة الابتزاز التي كان يتعرض لها المواطنون على يد بعض بائعي الطوابع؛ إلا أن الآراء كانت تنظر إلى جانب آخر.

قرارات لا تراعي حالة المواطن

وفقا لبيان صادر عن وزارة الداخلية على صفحتها الرسمية، أمس الثلاثاء، ستبدأ الشؤون المدنية تدريجيا في تفعيل خدمات الأحوال المدنية عبر نظام الدفع الإلكتروني، من خلال تقديم خدمة البطاقة العائلية، وبعد مرور عشرة أيام، سيتم تفعيل خدمة البطاقة الشخصية.

دائرة الشؤون المدنية في دمشق - إنترنت
دائرة الشؤون المدنية في دمشق – إنترنت

عقب ذلك، سيتم تفعيل خدمات أخرى من الشؤون المدنية مثل وثائق الزواج والطلاق والولادة، وسيتم التدرّج في تفعيل باقي وثائق الأحوال المدنية. حيث وصفت الوزارة أن التدرّج في تفعيل الخدمات يهدف إلى تجنب إحداث الارتباك لدى المواطنين وضمان عدم تعرض الموظفين لضغوطات بسبب جديد هذه الخدمات.

كما ذكرت الوزارة أنه سيتم دفع الرسوم المتعلقة بكل وثيقة بشكل إلكتروني، مما يعني أن المواطن لم يعد مضطرا للوقوف في طوابير لدفع تلك الرسوم. ولفتت إلى أن الدفع يمكن أن يتم عبر حساب مصرفي شخصي أو من خلال خدمة الدفع النقدي المتاحة من خلال شركتي الاتصالات الخلوية. وبالتالي، يتم التخلص من الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف في هذا السياق، مما يوفر سهولة ويسر في إجراءات الدفع.

خلال قراءة “الحل نت” لصدى القرار على المواطنين، أظهرت ردود الأفعال أنه لا يمكن تجاهل تعليقات وتفاعلات الناس حول هذا القرار. فقد تراوحت التعليقات بين الفرحة والتخفيف بعد التخلص من ابتزاز بائعي الطوابع، وتعبيرات ساخرة عن الرغبة في القضاء على الاحتكاك المستمر مع الموظفين. 

حساب أبو ميشيل، علّق على القرار بقوله “فعلا بائع الطوابع أساس البلاء كله، أشعر بسعادة بعد تخلصي من ابتزاز بائع الطوابع”. فيما ذكر فراس فراس بلهجة متهكّمة “إجباري يمنعوا الاحتكاك مع الموظف، لأن الاحتكاك يولد الحرارة، والحراره بدها سكر، والسكر معدوم بالأسواق”. 

أما رضا قنواتي أبرز المعجبين بصفحة الوزارة، فكان تعليقه “قطعولنا النت من ورا الدفع الإلكتروني، إن شاء الله باقي المصالح ما تتعطل، لأن التكنولوجيا فاشلة ما بتلبق لنا بهي البلد”، في حين كان عروة له ذات الرأي ولكن زاد بكلامه “متى ستطلق رصاصة الرحمة ويصير راتبنا مليون ليرة، مشان نصير نقدر نفتح حساب لندفع إلكتروني، الدفع الإلكتروني شو بدي ساوي إذا ما معي حق بطارية جهاز من الإصدار القديم”.

محاربة التضخم بخدمات لا تنفع المواطن

بحسب بيان الوزارة، فإن أهمية هذه الخطوة تأتي في إطار تبسيط الإجراءات للمواطنين والحصول على الوثيقة التي يريدها من الشؤون المدنية بوقت قصير، إضافة إلى أن الخدمة الإلكترونية تحدُّ من حالات الفساد في حال وجدت باعتبار أن المواطن لم يعد يحتك بالموظف أثناء الدفع كما أنه يدفع المبلغ المحدد من دون زيادة أو نقصان.

دائرة الشؤون المدنية في دمشق - إنترنت
دائرة الشؤون المدنية في دمشق – إنترنت

وتكمن أهمية هذه الخطوة من ناحية أخرى، هو أن المواطن لم يعد يضطر لشراء الطوابع من بائعي الطوابع الموجودين خارج الأحوال المدنية حيث أن الكثير منهم يبيعون الطوابع بسعر أعلى من سعرها المحدد للمواطنين؛ وبالتالي فإن هذه الخطوة تحدّ من عمليات الابتزاز التي يمكن أن يتعرض لها المواطن من قِبل الكثير من هؤلاء بائعي الطوابع.

من جهة أخرى، يعبّر البعض عن تساؤلاتهم حول متى ستتحقق الظروف الملائمة لرفع الرواتب وتحسين الأجور، حيث يشير البعض إلى ضرورة توفير دخلٍ كاف يمكّن المواطنين من الاستفادة من الدفع الإلكتروني. فعلى سبيل المثال، بعض المواطنين يتساءلون كيف يتمكنون من استخدام الدفع الإلكتروني إذا كان لديهم هواتف قديمة لا تدعم هذه التقنية.

هذا القرار الجديد يُعد خطوة إيجابية من وجهة نظر الوزارة نحو التحول الرقمي وتبسيط الإجراءات الإدارية في سوريا. ومع ذلك، يرى المواطن الذي تقدّم له الخدمة أن هناك حاجة ملحّة لدراسة الظروف الاقتصادية وتحسين الأجور والرواتب لضمان استفادة جميع المواطنين من هذه الخدمات الحديثة. إن الحصول على راتب يتناسب مع تكاليف المعيشة سيمكّن المواطنين من الاستفادة الكاملة من التقنيات الحديثة وتحسين مستوى حياتهم.

قد تكون الخدمات الجديدة التي تقدمها وزارة الداخلية لمحاربة التضخم وتسهيل الإجراءات أملا بتحسين الإجراءات الحكومية، بحسب حديث المهندس عبد اللطيف زرزور لـ”الحل نت”. ولكن يبقى السؤال المهم، هل تنفع حقّا المواطن العادي، فالتّحدي الرئيسي الذي يواجهه المواطن اليوم هو تدهور القدرة الشرائية وارتفاع أسعار المعيشة بشكل متزايد.

بالرغم من توفير خدمة الدفع الإلكتروني وتقديم البطاقات الرسمية بشكل أكثر سهولة، إلا أن هذه الخدمات برأي زرزور، لا تؤثر بشكل مباشر على مشاكل المواطن المالية اليومية. فالتضخم العالي يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية والمنتجات الضرورية، مما يجعل الحياة صعبة على المواطنين ويضعف قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

إن الإجراءات الجديدة قد تسهم في تحسين الكفاءة الإدارية وتقليل البيروقراطية طبقا لحديث المهندس زرزور، ولكن هذا لا يكفي لمساعدة المواطن في مواجهة الضغوط المالية. فالحلّ الأكثر أهمية هو التركيز على تخفيض التضخم واستقرار الأسعار، وتعزيز الدعم الاجتماعي للفئات الأكثر احتياجا.

بالتالي، يجب على الحكومة أن تعمل على مجموعة شاملة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تستهدف تحسين الظروف المعيشية للمواطنين. ويجب أن تُركّز الجهود على تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير فرص عمل مناسبة وتعزيز قدرة المواطنين على تحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي. فقط من خلال معالجة جذور المشكلة.

استغلال جديد للمواطن عبر مكاتب الإنترنت

مع إطلاق الخدمات الجديدة من وزارة الداخلية، باتت هناك مخاوف مشروعة لدى العديد من المواطنين من أنها قد تؤدي إلى استغلال جديد للمواطن عبر مكاتب الإنترنت. وذلك يعود إلى توقف الحكومة عن توظيف العديد من الخبرات الهندسية المعلوماتية في الوظائف الحكومية، مما يعزز دور مكاتب الإنترنت في تقديم هذه الخدمات وزيادة تبعيتها.

دائرة الشؤون المدنية في دمشق - إنترنت
دائرة الشؤون المدنية في دمشق – إنترنت

طبقا لحديث إيلي وسوف لـ”الحل نت”، فمن المحتمل أن تتحول هذه الخدمات الجديدة إلى فرصة لبعض مكاتب الإنترنت للتحكم في العملية وفرض رسوم إضافية على المواطنين من أجل الحصول على خدمات أساسية. وقد يجد المواطن نفسه مضطرا للتوجه إلى هذه المكاتب ودفع مبالغ مالية إضافية للحصول على وثائقه الرسمية أو إنجاز معاملاته الحكومية.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن لهذا التحول في تقديم الخدمات أن يُزيد من الاعتماد على التكنولوجيا، مما يعني أن المواطنين الذين ليس لديهم الوصول السهل إلى الإنترنت أو الخبرة التقنية قد يجدون صعوبة في الوصول إلى هذه الخدمات أو فهمها بشكل كامل.

هذه المخاوف جاءت بعد مطالبة نقابة المهندسين باعتماد نظام مزاولة مهنة الهندسة المعلوماتية، وذلك ضمن مؤتمرها العام بدورته العادية الرابعة والأربعين الذي عُقد خلال شهر حزيران/يونيو الفائت في دمشق، حيث بسبب الرواتب المنخفضة اضطر العديد من مزاولي المهنة إلى الاستقالة أو الهجرة. 

خدمة الدفع الإلكتروني وزارة الداخلية الطوابع
سرعة الإنترنت في سوريا حتى عام 2019 – إنترنت

لذلك يرى وسوف أنه ينبغي أن تكون الخدمات الحكومية الجديدة هدفها الأساسي تسهيل حياة المواطنين وتقديم خدمات عادلة ومنصفة للجميع، وليس زيادة الاعتماد على قطاع الإنترنت ومكاتب الإنترنت وتحويل المواطن إلى مصدر إيرادات جديد للجهات الخاصة. يجب أن تكون هناك دراسة متأنية للتأثيرات المحتملة لهذه الخدمات الجديدة على المواطن وتوفير آليات حماية لضمان عدالة وشفافية العملية الحكومية.

كما هو معلوم، فإن التحول الرقمي يُعتبر ضرورة حتمية في العصر الحديث، ويمكن أن يسهم في تسهيل الإجراءات الإدارية وتحسين جودة الخدمات المقدّمة للمواطنين. ومع ذلك، فإن نجاح هذا التحول يعتمد أيضاً على توفير بيئة اقتصادية ملائمة.

لذلك، ينبغي أن تعمل الحكومة على تقديم دعم اقتصادي للمواطنين من خلال تحسين الأجور والرواتب، وضمان توافر فرص العمل الكافية. ويجب أن يكون لدى المواطنين دخلاً يتناسب مع تكاليف المعيشة الحالية والمتزايدة، حتى يتمكنوا من استغلال هذه الخدمات الجديدة والتقنيات الحديثة بشكل فعّال، بعيدا عن الحديث الخلاص من الاحتكاك وابتزاز بائعي الطوابع.

رامز الحمصي

رامز الحمصي

الرئيس السابق لتحرير موقع "الحل نت"، صحفي مختص بالمواجز التحليلية والتحقيق في القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الشّأن السّوري وسياسات الشّرق الأوسط….

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم