في عام 2021، سجلت سوريا المرتبة 101 على “مؤشر الأمن الغذائي” التابع لمجلة “إيكونوميست” البريطانية، حيث تعاني النسبة العظمى من السكان من انعدام الأمن الغذائية، تزامنا مع تراجع قطاع إنتاج الغذاء في البلاد وعدم قدرة السوريين على تحمّل تكاليف الحد الأدنى من متطلبات الغذاء.
خلال السنوات الماضية تحولت سوريا من تصدير العديد من المواد الغذائية وأبرزها القمح إلى استيرادها، ورغم عمليات الاستيراد الكبيرة التي أشرفت عليها الحكومة، إلا أنها فشلت في تحقيق متطلبات الغذاء للسوريين، هذا فضلا عن تهديد ما تبقى من القطاع الزراعي في البلاد لأسباب عديدة.
الحكومة السورية العاجزة عن ايجاد الحلول، دائما ما تذهب للتبريرات المتعلقة بآثار الحرب، ورغم أن هذه التبريرات صحيحة إلى حدّ ما فضلا عن التغيرات المناخية التي ضربت مواسم الزراعة، إلا أن خبراء يؤكدون أنا السياسات الحكومية في التعامل مع الأزمة لم تساهم أبدا في تخفيفها، بل بالعكس كان لها دورٌ في تفاقم الأزمة.
التحول لاستيراد الأغذية
وزير الزراعة السوري محمد حسان قطنا، قال في آخر تصريحاته حول الأمن الغذائي في سوريا، إن بلاده أصبحت دولة مستوردة لعدد من المنتجات الغذائية التي كانت تصدّرها بسبب “الحرب الإرهابية” التي تعرضت لها، وذلك في كلمة له قبل أسابيع أمام “المؤتمر العام لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة”.

في المقابل تؤكد تقارير متخصصة، أن هناك العديد من الأسباب الأخرى التي تسببت بتراجع الأمن الغذائي في سوريا، أهمها السياسات الحكومية في التعامل مع القطاع الزراعي، حيث أن غياب الدعم الحكومي للمزارعين وارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب السياسات الاقتصادية، فضلا عن التسعيرات المجحفة للمحاصيل، تسبب في عزوف الكثير من المزارعين عن استمرارهم في القطاع الإنتاجي وبالتالي نقص إضافي في المحاصيل.
بحسب تقارير الأمم المتحدة فإن إنتاج القمح في سوريا انخفض بنسبة 75 بالمئة مقارنة بالفترة التي سبقت عام 2011. وبحسب ما ورد، أنتجت البلاد مليون طن من القمح في عام 2022، بانخفاض ثلاثة أضعاف عن مستويات ما قبل الأزمة، وتم تحديد الحرب إلى جانب الجفاف والعقوبات الاقتصادية، على أنها الأسباب الرئيسية لانخفاض إنتاج القمح، إلا أن هذا العام لدى وزيرة الاقتصاد السابقة رأي آخر.
قد يهمك: أسعار الفروج تتهاوى في سوريا.. ما الأسباب وهل تشتريه العائلات؟
الحكومة السورية سعّرت القمح المحلي هذا العام 2023 عند 2300 ليرة سورية (0.9163 دولار) للكيلوغرام، الأمر أثار انتقادات العديد من الخبراء ومسؤولين سابقين في الحكومة، حيث يعتقدون أن هذه الخطوة غير مدروسة ويمكن أن تؤدي إلى مزيد من الانخفاض في إنتاج القمح في البلاد.
أسعار غير منطقية
بحسب وكالة الأنباء السورية، فإن قرار الحكومة ، بتحديد سعر القمح بأقل من السعر العالمي تضمن الشعير أيضا، حيث حددت سعر الكيلوغرام منه عند 2000 ليرة سورية. لكن هذه الخطوة برأي النقاد قد تثني المزارعين عن زراعة القمح، مما يؤدي إلى مزيد من الانخفاض في الإنتاج المحلي.
وزيرة الاقتصاد السابقة لمياء عاصي، قالت على صفحتها الرسمية في موقع “فيسبوك”، إن الحكومة تعمدت تسعير القمح بأقل من السعر العالمي منذ العام الفائت، ما أدى إلى انخفاض محصول القمح المسلَّم. ففي العام السابق، لم يكن المحصول كافياً لأكثر من ثلاثة أشهر، وكان لابد من استيراد الباقي.
عاصي انتقدت قرار الحكومة إعادة تسعير القمح عند 2300 ليرة سورية هذا العام، مشيرة إلى عدم استعداد الحكومة للتعلم من أخطاء العام السابق. مضيفة “وكأن الاستمرار بالاستيراد وعدم تشجيع المزارعين على زراعة القمح باتت سياسة متبناة ودائمة لصالح المستوردين”.
وفقا لما تذكره الوزيرة السابقة، فإنها ترى أن “كل الإجراءات التي نتخذها، تؤدي إلى استمرار الدخول في دوامة العجز المالي والتضخم الذي يعانيه الاقتصاد الوطني، هامش السنة الماضية كان سعر الصرف في السوق الموازية 3800 ليرة سورية، وهذه السنة ارتفع سعر الصرف وبلغ حوالي ضعف سعر السنة الماضية”.
في 2022، زادت سوريا وبشكل كبير استيراد القمح من شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا من أوكرانيا، باستخدام أسطول من سفن البلدين لتجنب العقوبات الأميركية، ما يُعد مؤشرا على أن العلاقات الاقتصادية بين سوريا وروسيا ازدادت قوة في هذا الجانب، ويبدو أن الحكومة السورية هذا العام تعتمد على ذات المصدر.
خبراء التنمية الزراعية يعتقدون أن قرار الحكومة بتحديد سعر الشراء المحلي للقمح دون المعدلات الدولية قد يؤدي إلى مزيد من التراجع في إنتاج القمح في البلاد وزيادة الاعتماد على الواردات. قد يكون لذلك عواقب وخيمة على الأمن الغذائي للبلاد، لا سيما في ضوء الأزمة الاقتصادية المستمرة والأثر المدمّر للحرب.
قرار الحكومة بتحديد سعر الشراء المحلي للقمح بسعر أقل من السعر الدولي يُنظر له على أنه تحرك قصير النظر يمكن أن يكون له عواقب وخيمة على المدى الطويل. خصوصا أن مراجعة قرارات الحكومة واتخاذ إجراءات لدعم المزارعين المحليين تشجعهم على الإنتاج المحلي للقمح.
- بعد سقوط الأسد.. مبادرة سورية تطالب بمواصلة دعوى التعذيب أمام “العدل الدولية”
- الغش والتهديدات في امتحانات سوريا.. ماذا تكشف شهادات عن نزاهة الدورة 2026؟
- 831 مليون دولار شهرياً.. لماذا تعاني سوريا فجوة كبيرة في النفط والغاز؟
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟

