سيارات حديثة وموديلات سنة 2023 منتشرة بكثرة في مناطق الحكومة السورية، كما وتعرض بعضها في مزاد علني للبيع بالعاصمة دمشق، الأمر الذي أثار العديد من التساؤلات لدى السوريين، فيما يتعلق بمسألة كيفية دخول هذه الأنواع الحديثة من المركبات إلى سوريا وهي تخضع لعقوبات دولية.
بالإضافة إلى تساؤل آخر وهو الأهم، من يستطيع شراء هذه السيارات في ظل الغلاء الفاحش وسوء الأوضاع الاقتصادية، ومن يدير عملية إدخال هذه السيارات ولمن وكيف يتم إدخالها إلى البلاد، وفي الحقيقة الإجابات على هذه الأسئلة التي يطرحها الناس داخل سوريا بشكل ساخر على منصات التواصل الاجتماعي، غير معروفة حتى الآن.
مزاد علني لـ سيارات حديثة
موقع “صاحبة الجلالة” المحلي، نشر على صفحته على منصة “فيسبوك”، منشورا تفيد بأنه سيتم بيع سيارات موديل العام بالمزاد العلني، مرفقة بصور بعض المركبات المشاركة في المزاد رقم ٧٠/ف م.س لبيع سيارات سياحية وحقلية وآليات متنوعة لدى فرع “المؤسسة العامة للتجارة الخارجية” في دمشق وذلك اعتبارا من الثلاثاء المقبل ولغاية الخميس الذي يليه.
الموقع نفسه وصفحة “المؤسسة العامة للتجارة الخارجية” على منصة “فيسبوك” أشارا إلى أن المزاد سيقام في مطعم ديونز بوليفارد ضمن مدينة الجلاء الرياضية أتوستراد المزة بدمشق. وأثار هذا الإعلان موجة سخرية وانتقادات عامة من قبل المتابعين على السوشيال ميديا، فكتب أحدهم “وزارة التجارة الخارجية ممكن توضيح كيف دخلو، يعني بتكونو متفقين مع قانون قيصر أو أحد المناطق الخارجة عن سيطرتكن”.
فيما علق آخرون بالقول “شو مصدر هي السيارات وكيف دخلت البلد، شو هي الطريقة الجديدة لإدخال سيارات حديثة للبلد.. وبتم قوننتها وإعطاءها نمرة بالمزاد، حدا يقلنا طالما في عقوبات كيف هيك سيارات بتدخل على البلد ومواد الأدوية والأكل والشرب والوقود بيشملها العقوبات، كيف فايتة هيك سيارات للبلد أكيد عن طريق الحيتان ألي بالبحر”.
انتقد أحدهم بسخرية حول وجود تواطؤ حكومي مع مجموعات تجلب هذه السيارات إلى البلاد، رغم وجود عقوبات “قانون قيصر” على سوريا، وأضاف “معقول السيارات لا يشملها قانون قيصر متل قطع الغيار لمحطات الكهرباء وكل مستلزم بحاجته المواطن المهترئة، أو غيرها من المستلزمات للخدمات العامة”.
كما سخر البعض من الواقع المعيشي الصعب وكيف يمكن لمواطن يتقاضى راتب بالكاد يساوي 15 دولارا في الشهر امتلاك مثل هذه السيارات، ويبدو أنها من نصيب حيتان البلد وأبناء كبار المسؤولين والتجار، فكبتوا “يعني متل هيك سيارات مين بيقدر يشتريها، إذا راتب الموظف يادوب يكفيه ليومين، مباعة سلف المزاد بس عالورق وعلى وجه الناس فقط لاغير، والمزادات على ما يبدو أصبحت تغطية لشراء السيارات ثم بيعها لأشخاص محددين”.
في الواقع، الإعلان عن مثل هذه المزادات للسيارات الحديثة وطراز العام الحالي يثير الكثير من الشكوك والتساؤلات حول السلطات في دمشق. فكيف تدخل هذه السيارات ومن ثم جمركتها وحكومة دمشق معاقبة دوليا نتيجة سياستها القمعية تجاه مواطنيها منذ سنوات، ومن الذي يشرف ويتاجر بهذه السيارات ولمن تابعين هؤلاء.
هذا وكانت المؤسسة أجرت عدة مزادات علنية لبيع مجموعة من السيارات آخرها في نيسان/أيار 2022، ومزاد في كانون الأول/ديسمبر 2021 ومن ثم مزاد في نيسان/أيار 2021 لبيع 149 سيارة من مختلف الفئات السياحية والحقلية والميكروباصات والشاحنات إلى جانب آليات متنوعة أخرى.
بحسب الجداول المرفقة خلال العام الفائت، تضمن مزاد المؤسسة سيارات مصنعة في عام 2022 من ماركة “كيا” وأخرى “فولكس فاغن”، حيث بدأ المزاد عليها بـ 10 ملايين ليرة سورية، إضافة إلى سيارات أخرى مصنعة في الأعوام العشرة الأخيرة.
أسعار السيارات “مريخية”
أسعار كل شيء في ارتفاع مستمر في هذا البلد. فبعد ارتفاع أسعار قطع غيار السيارات بنحو 60 بالمئة، لحقتها أسعار زيوت السيارات مثل سوق الأوراق المالية بسبب الارتفاعات الكبيرة المتتالية في ظل عدم الرقابة على أنواعها المتوفرة في الأسواق، حيث اشتكى أصحاب السيارات والآليات في كثير من المناطق السورية من ارتفاع الأسعار بعد أن تجاوزت تكلفة تغيير الزيت للسيارة الواحدة 150 ألف ليرة للزيوت المحلية المنشأ وإلى نحو 250 ألف ليرة للزيوت المستوردة.
بالتالي باتت التكاليف التشغيلية للسيارات حملا ثقيلا على أصحابها في سوريا، بالإضافة إلى غلاء أسعارها. ليس هذا فحسب بل يواجه أصحاب المركبات عقبات أخرى، تتمثل بانتشار زيوت السيارات المغشوشة في الأسواق السورية، ما يتسبب بأعطال متعددة للسيارة.
بعض أصحاب السيارات يرون أنه نتيجة للتكلفة العالية لصيانة السيارات، بالإضافة إلى ندرة الوقود مثل البنزين والمازوت، صار خيار التخلي عن السيارة هو الحل الأفضل والسبيل الوحيد لهم وسط غلاء الحياة المعيشية الذي بات يحاصر ويرهق جميع المواطنين في سوريا اليوم، فلا يُعقل أن يدفع المواطن خمس أضعاف راتبه بغية تصليح عطل في سيارته.
الأمر اللافت أن أسعار السيارات باتت تُقدّر بالملايين السورية، فبحسب تقرير محلي نُشر مؤخرا، فإن سعر “كيا ريو” موديل 2010 – 2011 يصل إلى 130 مليون ليرة سورية، وسعر “هيونداي أفانتي” و”كيا سيراتو” موديل 2007-2008-2009 يتراوح سعرها بين 125 – 150 مليون ليرة، وسعر “لانسر” موديل 83 هو 30 مليون ليرة.
أما سعر “المازدا 926″ موديل 83 يصل سعرها إلى 40 مليون، و”مازدا جوهرة 323” يصل سعرها إلى 50 – 60 مليون، أما سعر السيارة نوع “بيجو 405” هو 50 مليون ليرة، بينما سعر “هوندا سوناتا” و”كيا سيراتو” موديل 2020 وصل إلى 800 مليون، منوّها إلى أن موديلات 2010 – 2008 – 2011 هي الأكثر طلبا.
انخفاض قيمة الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي يُعدّ سببا لهذا، ويمكن شرحه من خلال معادلة أن سيارة “هيونداي آفانتي” موديل 2009 ثمنها كان 600 ألف ليرة سورية حين كان الدولار يعادل نحو 50 ليرة أي نحو 12 ألف دولار، ولكن قيمة السيارة ذاتها حاليا أصبحت نحو 150 مليون ليرة، أي ما يقارب 17 ألف دولار، وهي معادلة غير منطقية ومخالفة لأي منطق تجاري؛ لأن السيارة أصبحت قديمة ومستعملة طيلة 15 عاما، ومن المفترض أن يكون ثمنها أقل مما كان عليه في سنة 2009.
استئجار السيارات
في سياق متّصل، بالتزامن مع أزمة المواصلات الخانقة، وحالة الازدحام على وسائل النقل، والارتفاع الأخير بأسعار البنزين من قبل الحكومة السورية، بدأ عدد كبير من الموظفين بركوب “تاكسي الركاب”، أي أن إيجار الشخص الواحد يتراوح حسب المنطقة ويبدأ من 5 إلى 10 آلاف ليرة سورية.
بالإضافة إلى ذلك، يقوم المغتربون والسياح الذين يزورون سوريا منذ العام الماضي تقريبا بتأجير السيارات بشكل يومي أو شهري حسب حاجتهم، نظرا لأزمة النقل المستمرة في البلاد من جهة، ولأن تكلفتها أصبحت تعادل نفس تكلفة المواصلات العادية، وبالتالي أصبح الطلب على استئجار السيارات هو الخيار الأفضل لهم، واللافت أن أسعار الإيجارات تبدأ بأرقام “خيالية”، فمثلا في اليوم الواحد يكلف نحو 200 ألف ليرة سورية، أي حوالي 25 دولارا.
تقرير لموقع “أثر برس” المحلي نُشر مؤخرا، أشار فيه إلى أن أسعار إيجارات السيارات في سوريا تكلف أرقاما فلكية. كما أوضح صاحب مكتب لتأجير السيارات في دمشق “نؤجر سيارات في الساعة، توصيلة مع سائق، أما في اليوم والأسبوع والشهر فيتم الإيجار مقابل ضمانة وهو مبلغ من المال لنضمن ثمن السيارة إذا حدث أي مكروه أو حادث”، مضيفا “إيجارها باليوم مثلا من الساعة الثامنة صباحا وحتى موعد تسليمها الثامنة مساء يكون 200 ألف ليرة، وبعد أن يعيدها الزبون نعيد له الضمانة التي وضعها بعد فحص السيارة والكشف عنها”.
في إطار الإقبال على استئجار السيارات، وبحسب صاحب المكتب فإن الإقبال نوعا ما مقبول حاليا؛ إلا أنه يزداد في المواسم السياحية، حيث يأتي السياح من بلدان مجاورة مثل لبنان والأردن والعراق ودول أجنبية ويستأجرون سيارات حديثة مثل “كامري” التي يصل إيجارها الشهري إلى 5 ملايين ليرة سورية، والطلب على هذه السيارات يكون عادةً من السّياح وليس المغتربين السوريين، لأنهم قادرون على الدفع.

أما أبناء البلد فيطلبون سيارات موديل 2010 ــ 2011 مثل “الكيا ريو أو سيراتو أو هيونداي أكسنت” وذلك لتلائم أسعارها مع جيوبهم، فإيجار السيارة ذات الموديل القديم يختلف بنسبة 50 بالمئة، وهناك موديلات قديمة إيجارها 150 أو 200 ألف باليوم بينما في الشهر بـ 3 ملايين تقريبا لكن السيارات القديمة يتم تأجيرها بشكل يومي، وهي تناسب فئة كبيرة والإقبال عليها نسبته عالية من أهل البلد أما السّياح فيختارون ما هو جديد وفخم.
إذاً فالسياحة في سوريا لها ثمنها ومتطلباتها، ولذلك يصف السوريون السياحة ومعظم أشكال وأنواع الرفاهية داخل البلاد باتت للسياح والمغتربين فقط.

