في الآونة الأخيرة، شهدت سوريا موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، مما أدى إلى تفاقم معاناة الفقراء. فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمواد الأساسية بشكل كبير، مما جعل من الصعب على الناس الحصول على ما يكفي من الطعام والاحتياجات الأساسية.
لكن يبدو أن المسؤولين السوريين لا يهتمون بأزمة الفقر التي تعاني منها البلاد. فهم مشغولون في سباق تصريحات محموم لإثبات أن البلاد وصلت لقاع الفقر، فكل منهم يحاول أن يثبت أن حديثه الأكثر صحة، دون الوعي بحجم الأزمة التي تعاني منها سوريا. فهم يتعاملون معها على أنها مجرد مشكلة اقتصادية يمكن حلها من خلال بعض الإجراءات الترقيعية.
الدور الحكومي الغائب تماما
في سوريا، يشتعل سباق محموم بين المسؤولين والفاعلين في الحياة السياسية والاقتصادية، لكن هذا السباق ليس للوصول إلى آفاق التقدم والازدهار، بل لإثبات أن الحال وصل إلى أعماق الجحيم الاقتصادي وقعر الفقر والمعاناة. ففي تصاعد مخيف للأسعار وتفاقم البطالة، يبدو أن القرارات الحكومية ملتبسة والحلول غائبة عن المشهد. وينهار الاقتصاد وتتسع أوجاع الفقراء، وسط غياب كامل لبوصلة الأمل.

الفلتان في أسعار المواد والسلع تجاوزت كل التوقعات، وسط غياب كامل لدور حكومي يشرح ما يجري على الأقل، ويوضح لأصحاب الدخل المحدود مقولة رئيس نقابات العمال في المؤتمر الذي عقدته قبل شهرين؛ بأن راتب الموظف لا يكفي ليوم واحد.
حتى هذه الساعة، أيضا لا يعرف ما إذا كان رئيس اتحاد نقابات العمال سيبقى على ذلك القول، أم إنه سيقول إن راتب الشهر بات يكفي الأسرة نصف يوم؛ لأن بعض السلع الغذائية ارتفعت بين خمسين إلى مئة بالمئة خلال الأسابيع الأخيرة، وكأن البشر في سباق محسوم للوصول إلى قاع الفقر بعد سنوات ثلاث تحت خط الفقر، ذلك الخط الذي يتطلب دولارين للشخص في اليوم الواحد.
السوريون اليوم يعيشون في حالة من الانهيار الاقتصادي غير المسبوق، حيث ارتفعت أسعار المواد الأساسية بشكل كبير، وأصبح من الصعب للغاية على الناس تأمين قوت يومهم. ويأتي هذا الانهيار في ظل غياب تام للدور الحكومي، حيث لم تقم الحكومة بأي بادرة لمساعدة الناس على التخفيف من وطأة الأزمة.
فعلى الرغم من أن الحكومة تدعي أنها تعمل على حل الأزمة، إلا أن الإجراءات التي اتخذتها حتى الآن لم تكن كافية، ولم تسفر عن أي نتائج ملموسة. ونتيجة لذلك، يستمر الوضع الاقتصادي في التدهور، ويعيش الناس في حالة من اليأس والضياع.
القادم أكثر سوداوية
راتب الموظف الذي بات يتناقص عن عشرة دولارات في الشهر، يمكن أن يعيش أسرته المكونة من خمسة أشخاص على خط الفقر ليوم واحد في الشهر، لكنه سيبقى في الأيام الباقية ولثلاثين يوما يرتجي من البقال والسمان ليبيعه بالدين، والجميع يعلم بأن إمكانية التسديد غير متاحة على المدى المنظور.

هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى الأزمة الاقتصادية التي تعيشها سوريا، فبعيدا عن الحرب التي باتت الكلمة الأسهل على ألسنة المسؤولين، فإن سوء إدارة الحكومة السورية للاقتصاد هو السبب المباشر، حيث لم تقم الحكومة بأي شيء لتحفيز النمو الاقتصادي أو خلق فرص عمل جديدة.
ونتيجة لهذا السبب، يعيش اليوم أكثر من 80 بالمئة من السوريين تحت خط الفقر، وأصبح من الصعب للغاية على الناس تأمين قوت يومهم. ويزداد الوضع سوءا يوما بعد يوم، ولا توجد أي بوادر لحل الأزمة في الأفق.
مما يتداول على شاشة التلفزة والإذاعات السورية من تصريحات المسؤولين، يبدو أن الحكومة السورية تسير في طريق مسدود، ولا توجد أي خطط واضحة لمعالجة الأزمة الاقتصادية. ونتيجة لذلك، سيستمر الناس في العيش في حالة من الفقر والضياع، وسوف تزداد الأزمة سوءا في السنوات القادمة.
تثبيت سعر البصل بدل الدولار
بات السوريين في الداخل يعرفون معدلات ارتفاع الأسعار وأسبابه وحتى مبررات الجهات الحكومية حيال ذلك، وما سيواجهونه في حياتهم اليومية، وذلك من خلال تنبؤات وتوقعات لمسؤولين حكوميين حول زيادة الأسعار بشكل دوري، أو عبر توقعات الأبراج اليومية على صفحات المواقع المحلية.

من المفارقة العجيبة وبسبب تبدل أسعار الدولار بشكل يومي في سوريا، لجأ بعض السوريين إلى مراقبة صفحات الحظ اليومية وتوقّعات الأبراج على جميع الأصعدة، الصحية والعاطفية والمهنية، لمواليد كل الأبراج للتنبؤ بسعر صرف الليرة السورية.
بحسب ما رصده “الحل نت”، فإن الجميع يسأل عن الدور الحكومي الغائب تماما، ولم يعد أحد يريد من الطاقم الاقتصادي تثبيت سعر الصرف أو تثبيت أسعار السكر والشاي والرز والمتة أو أي سلعة مستوردة، على اعتبارها تتعلق بالبورصة وبملوك لاستيرادها وتحديد أسعارها وباتت رفاهية، وما يدور ببال المواطن هو ألا يستطيع الفريق الحكومي تثبيت سعر البصل والثوم والبقدونس والنعنع والبطيخ بألوانه المختلفة.
الصحفية السورية، رحاب الإبراهيم، تصف الوضع من وجهة نظرها، بأن المواطن المغلوب على أمره في هذه الأيام القاحلة يضع يده على قلبه وليس في جيبه الفارغة تماما بفعل “الخبصة” المتبعة في معالجة الأزمات المعيشية والاقتصادية، تخوفا من رفع أسعار السلع كالمشتقات النفطية أو الخبز، الذي أصبح الغذاء الوحيد للكثير من العائلات.
فيما يبدو أن الدور الحكومي قد وصل إلى مرحلة غيبوبة كاملة، ويتلاشى الأمل تدريجيا ويتحوّل إلى حالة من الموت السريري. فالحكومة لم تعد تستجيب لنداءات الإنقاذ، بل أصبحت مثل مريض عليل يفقد تفاعله وحيويته، ويتعذر عليه التحرك للتصدي لأزماته الحادة.
الأوضاع المروعة باتت واضحة كالنهار أمام أكثر من تسعين بالمئة من الشعب السوري، الذين يعيشون تحت خط الفقر ويترنحون تحت وطأة الحاجة والمعاناة. وأصبحت معدلاتهم الحياتية تخضع لتصنيف المنظمات الدولية بالفعل، مؤكدة بلا شك أن الحكومة أضاعت فرصة مهمة للتصدي لهذه الأزمة الاقتصادية والاجتماعية العميقة.
- اليابان ترفع العقوبات عن 16 كياناً سورياً.. وتبقي “الأسد” على القائمة
- شبهات تزوير حول قطع أثرية استعادتها سوريا.. ما القصة؟
- النفط الخليجي يقترب من مستويات ما قبل الحرب.. هل نجح الحصار في خنق إيران؟
- ثاني استهداف خلال أسابيع.. تفجير خط غاز الجبسة يوقف الإمدادات إلى محطات التوليد
- مفوضية اللاجئين: نقص التمويل يهدد مساعدات 162 ألف مهجر وعائد في سوريا

