في خضم ارتفاع أسعار كل شيء تقريبا، خاصة حوامل الطاقة من المحروقات والكهرباء وغيرها في البلاد، ووسط غياب الرقابة وسيطرة المتنفذين والحيتان على الأسواق السورية عموما، يبدو أن سوق السيارات أيضا بات تحت سيطرة هؤلاء، إذ يتحكمون فيها كيفما يشاؤون، من استيراد السيارات الحديثة والفارهة إلى السيارات المستعملة وما إلى ذلك، وبيعها بأسعار خارج مقدرة عموم السوريين في الداخل.
في الواقع، غير معروف مَن يدير عملية استيراد أو تهريب السيارات والاتجار بها ولصالح مَن، ولكن المعروف حتى الآن أن أسعارمعظمها توصف بـ”الخيالية”، فقد أصبح شراء السيارات بعيدا عن متناول معظم السوريين اليوم، وكأن الحصول على سيارة خاصة ضربٌ من الخيال، فيما يبدو أنه أصبح حكرا على الطبقة المخملية من التجار الكبار والأثرياء الذين يشكّلون النسبة الأقل في سوريا.
السيارات للمتنفذين والأغنياء
وسط الغلاء الجامح، عاد موضوع السيارات وأسعارها إلى الظهور مجددا، خاصة مع أزمات النقل الخانقة في عموم المحافظات السورية ووعود الجي بي إس “الكمونية”. واستطلع موقع “غلوبال نيوز” المحلي يوم أمس الإثنين آراء عدد من المواطنين وتجار وأشباه تجار السيارات في مدينة حمص وريفها للوقوف على واقع هذا السوق.

حيث طالب أحدهم بإعادة تفعيل مصانع السيارات داخل البلاد، والتي يبلغ عددها ثمانية، ثم انقطعت فجأة بقرارات حكومية متعثرة، ووعود حكومية بإنشاء مصانع للسيارات الكهربائية أصبحت حبيسة الأدراج على الرغم من مرور أكثر من عام ونصف العام على صدور القرار الأخير.
في إطار ذلك، يرى البعض أن الحل هو باستيراد المستعمل كونه يُباع بـ “تراب المصاري” خارج القطر، في حين أرجع تاجر سبب الغلاء إلى سيطرة بعض المتنفذين والمضاربين على أسعار سوق السيارات والمزادات.
بمعنى أنه ثمة بعض المجموعات هي من تسيطر على هذا السوق ويتحكمون فيها وفق أهوائهم ويرفعون الأسعار حسب ما يريدون، دون وجود رقابة أو أي دورٍ للحكومة في تسهيل حصول المواطنين على السيارات، سواء عبر استيرادها ووضع شروط تتناسب مع الواقع المعيشي، من تقسيط وما إلى ذلك، أو بمنح قروض تمكّنهم من الحصول على سيارة خاصة بهم، لاسيما وأن أزمة المواصلات والنقل تتفاقم يوما بعد الآخر.
بدوره خبير الأسواق والسيارات عامر ديب، أكد في حديث للموقع المحلي بأن قطاع السيارات يكتنفه فوضى مزمنة لجهة التسعير وتنظيم العمل، وباتت وسائل التواصل الاجتماعي مَعارضَ افتراضية لسيارات بعضُها “مجهولة المصدر”، واستخدمت بطريقة هدامة.
ديب، نوّه إلى وجود سلبيات تتعلق بتعامل الكثير من تجارها بالدولار عوضا عن الليرة السورية، رغم أن المرسوم رقم /8/ يشمل مكاتب السيارات والعقارات، مبيّنا بأن “وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك” لم تتخذ الخطوات اللازمة بحق مكاتب السيارات وتجارها لردعهم.
غياب الدور الحكومي
في المقابل، طرح البعض فكرة فتح استيراد السيارات بالتعاون مع الدول الصديقة، مشيرين إلى أنه حتى السيارات الحكومية قديمة وتعود لثمانينيات أو تسعينيات القرن الماضي، وهي مرهقة جدا لميزانية الجهات العامة، إذ إن تصليحها بات يكلّف أكبر من قيمتها.
فيما تساءل البعض ”أليست مؤسسة التجارة الخارجية واحدة من المنصات التي باعت سيارة بقيمة وصلت إلى 3,8 مليارات ليرة سورية مؤخرا، عدا عن الرسوم والجمركة وغيرهما، فكيف سيلتزم التاجر والمواطن بسقف منطقي للأسعار“.
ديب أوضح أن طريقة حساب قيمة السيارات هي من أكبر الأخطاء الشائعة في الأسواق السورية، محذرا من أن تقييم البضائع والسيارات والعقارات وفق أسعار صرف الدولار في السوق الموازية يشبه السرطان المستشري في الجسد بالنسبة لاقتصاد البلاد، ويجب تشديد المحاسبة على هذا الموضوع.
على سبيل المثال، فإن سيارة نوع “كيا” طراز “ريو- 2010″، كاملة المواصفات، كان سعرها قبل عام 2011 ما يعادل عشرة آلاف دولار في السوق الموازية، فكيف تباع في عام 2023 بسعر يعادل عشرة آلاف دولار، رغم أن كل قوانين الكون الاقتصادية تفيد بأن أسعار الأصول ولاسيما السيارات التي تخسر نسبة كبيرة من قيمتها السعرية مع مضي كل عام، لأنها ببساطة تخسر من قوتها وتتعرض للاهتراء وتحتاج مصاريف أكثر للصيانة، ناهيك عن زيادة صرفيات الوقود والزيت.

بالتالي فإن السعر المنطقي يجب ألا يتجاوز نصف قيمتها، أي ما يعادل خمسة آلاف دولار على الأكثر. والأسوأ هو استمرار تسعيرها بهذه الطريقة، حيث يمثل غبنا ومخالفة للقانون، وحمّل ديب، هذه الفوضى للجهات المعنية، ففي الأزمات يزداد النّهم والإقبال على شراء السيارات مهما ساءت الظروف، ما يجعل الطلب عليها يفوق العرض. ودعا ديب الحكومة للتدخل بعملية ضبط الأسواق وتسعير السيارة بشكل حقيقي يتناسب وعمرها الافتراضي.
مزادات للسيارات بسوريا
مع ارتفاع الأسعار وموجة الغلاء في سوريا، هناك بعض الأحداث التي تشغل الرأي العام وتثير التساؤلات والاستفهامات حول طبيعة بعض الصفقات التي تُعقد على العلن وأهميتها.
من بين هذه الأحداث، أثار بيع سيارة “بي إم دبليو” بمبلغ يصل إلى 4 مليار ليرة سورية حفيظة الكثيرين، لا سيما وأن 70 بالمئة من السوريين يعتمدون في شراء المواد الغذائية والمحروقات على “البطاقة الذكية”، والتي تدل على أن حاملها من الطبقة الفقيرة.
إلا أن هناك العديد من المناطق في سوريا التي تتمتع باقتصاد أقوى من غيرها. على سبيل المثال، تتمتع مدينة طرطوس باقتصاد قوي، مما يسمح للكثير من سكانها بالعيش في ظروف معيشية أفضل من سكان المناطق الأخرى، ولكن هل ذلك يسمح لهم باقتناء سيارة بمليارات الليرات.
مؤخرا، بيعت في مزاد علني بدمشق، سيارة “بي إم دبليو” موديل “740i” والتي تعتبر سيارة كاملة الحجم فاخرة ألمانية المنشأ، يتم تصنيعها وإنتاجها بالكامل في ألمانيا، بقيمة 3 مليارات و850 مليون ليرة سورية، والذي يُعدّ ضعف سعرها المتعارف عليه دوليا والذي يُقدر بـ 93 ألف دولار أي ما يعادل مليار ونصف ليرة.
سكان العاصمة دمشق تفاجؤوا بظهور سيارات سياحية حديثة من طراز 2023 في شوارع المدينة مع بداية فصل الصيف. ولكن هذا المشهد لم يكن مجرد استعراض للأناقة والتطور التكنولوجي، بل أثارت هذه السيارات التساؤلات لدى شرائح متعددة من السوريين، ولا سيما الفئات الفقيرة والمعدمة، حيال كيفية دخول هذه السيارات الحديثة إلى سوريا، رغم حديث الحكومة أن الغلاء والظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد لأنها تخضع لعقوبات دولية، بما في ذلك قانون “قيصر”.
لم يقتصر هذا الظهور المثير للجدل على الشوارع فقط، بل نشر موقع “صاحبة الجلالة” المحلي مؤخرا، إعلانا يكشف عن إقامة مزاد علني لبيع سيارات موديل العام 2023، وذلك في مدينة “الجلاء” بالصالة الرياضية على أوتوستراد المزة. وأضيف إلى ذلك الإعلان صور بعض السيارات الفاخرة المشاركة في المزاد.
من جهة أخرى، فبعد ارتفاع أسعار قطع غيار السيارات بنحو 60 بالمئة، لحقتها أسعار زيوت السيارات مثل سوق الأوراق المالية بسبب الارتفاعات الكبيرة المتتالية في ظل عدم الرقابة على أنواعها المتوفرة في الأسواق.
حيث اشتكى أصحاب السيارات والآليات في كثير من المناطق السورية من ارتفاع الأسعار بعد أن تجاوزت تكلفة تغيير الزيت للسيارة الواحدة 150 ألف ليرة للزيوت المحلية المنشأ وإلى نحو 250 ألف ليرة للزيوت المستوردة.
بالتالي باتت التكاليف التشغيلية للسيارات حملا ثقيلا على أصحابها في سوريا، بالإضافة إلى غلاء أسعارها. ليس هذا فحسب بل يواجه أصحاب المركبات عقبات أخرى، تتمثل بانتشار زيوت السيارات المغشوشة في الأسواق السورية، ما يتسبب بأعطال متعددة للسيارة.
- محمد بن سلمان: ندعم الحكومة اليمنية لبسط سلطتها على اليمن
- رويترز: محادثات سرية جمعت مسؤولين سوريين و”حزب الله” في تركيا
- جدل حول حصر القبول في كليات ومعاهد التعليم العالي السورية بـ”الطلاب الذكور”
- مطالبات حقوقية بتعويض ضحايا التدخل العسكري الروسي في سوريا
- تعز تحت الهجوم.. القوات الحكومية تصد محاولة “حوثية” لتطويق المدينة

