الأزمات الاقتصادية والخدمية في سوريا تزداد حدّتها يوما بعد الآخر، ولا يوجد بصيص أمل لحل أيّ منها. ولعل أبرزها أزمة المحروقات والمواصلات التي أصبحت أجورها تغلي كل يوم مثل غليان الغضب الشعبي السائد في الشارع السوري، إذ تفرض هذه الأزمات واقعا مريرا على السوريين الذين يعانون الأمرّين حتى يأمنون قوت يومهم.
هذا ويوجد في سوريا ما يقارب مليونين ونصف مليون سيارة، واللافت أن نحو نصفها للادخار والنصف الآخر للضروريات، وسط ركود في حركة البيع والشراء في سوق السيارات السورية، بحسب تقرير محلي حديث.
2.5 مليون سيارة في سوريا
في السياق، كشف تقرير لصحيفة “تشرين” المحلية، يوم أمس الثلاثاء، عن وجود أكثر من 2.5 مليون سيارة في سوريا. وفيما يتعلق باستخدام السيارات من قبل السوريين، قالت إحدى المواطنات إنها تنازلت عن الذهب الذي كانت تملكه مقابل شراء سيارة من نوع “كيا ريو” موديل 2009 كوسيلة للادخار بعد أن قررت تشغيل السيارة على أحد برامج طلبات التوصيل الخاصة.

تضيف الخمسينية للصحيفة المحلية “ورثت من والدتي حوالي 250 غراما ذهبا ووضعت فوقه القليل من المال بهدف شراء سيارة، ولو لم أفعل ذلك لما حصلت عليها”، مبررة أن السيارة تدرّ لها أكثر من مليوني ليرة سورية في الشهر الواحد بعدما قررت تشغيلها.
فيما قال مواطن آخر وهو مهندس معلوماتية، إنه حالفه الحظ وقام بشراء سيارة بالتقسيط قبل عام 2011، وأن الكثير من أفراد العائلات ذوي الدخل المحدود، الذين اشتروا سياراتهم بالتقسيط، أصبحوا عاجزين عن استخدامها وتحريكها بسبب ارتفاع أسعار البنزين وتخفيض الدعم عن البنزين، فسعر 25 ليترا أصبح يكلف 200 ألف ليرة سورية، وهذا يُعتبر راتب موظف في القطاع العام.
المواطن ذاته أكد أن أسعار السيارات داخل البلاد زادت من تفاقم التحديات التي يواجهها المواطنون بالنسبة للمواصلات ومن لم يشترِ سيارةً في السابق لن يستطيع اليوم ركوب “تكسي” أجرة، فما كان يُعد في يوم من الأيام رمزا للرفاهية أصبح الآن يذكّر بالفوارق الاقتصادية التي يعيشها هذا البلد.
طبقا للتقرير المحلي، يُقدر عدد السيارات في سوريا بنحو 2.5 مليون سيارة، وارتفع عدد المركبات خلال عام 2022 لأكثر من 45 ألف سيارة سياحية قياسا بالعام الذي سبقه، وارتفع عدد السيارات السياحية العامة 700 سيارة للفترة ذاتها، وبينت إحصائيات مديرية الإحصاء والتخطيط في “وزارة النقل” أنه حسب توزع هذه المركبات في المحافظات فقد جاءت محافظة دمشق في المرتبة الأولى بعدد السيارات المسجلة وجاءت محافظة حلب في المرتبة الثانية ومحافظة ريف دمشق في المرتبة الثالثة وحلت محافظة حمص رابعا ومحافظة حماة حلت في المرتبة الخامسة وحلت محافظة طرطوس في المرتبة السادسة وجاءت محافظة اللاذقية سابعا في عدد المركبات المسجلة.
في سياق متّصل، وضع أسعار السيارات يتم كما كل المواد في البلاد، وهو على أساس سعر الصرف، فكلما ارتفع زادت قيمة السيارة، وكما يعلم الجميع كانت 500 ألف ليرة تشتري سيارة “كيا ريو” قبل عام 2011، أما الآن فلا تشتري دولابا واحدا للسيارة حسب ما أكده مجد شواط، تاجر سيارات في شارع بغداد بالعاصمة دمشق.
شواط، لفت إلى أن حركة البيع والشراء قليلة جدا وهي لا تتعدى 10 بالمئة، فالمقبلون على الشراء يفعلون ذلك غالبا بداعي الادخار لأموالهم، وهم من الشريحة التي تتوفر لديها سيولة، في حين الأنواع التي يوجد عليها طلب من بعض الأسر هي السيارات الرخيصة المتهالكة لأن سعرها أقل.
أسعار السيارات
بالنسبة لأسعار السيارات، فقد وصلت أسعار السيارات الكورية كـ”كيا ريو” موديل 2008-2011 إلى 190 مليون ليرة سورية، وسعر “هيونداي أفانتي” و “كيا سيراتو” إلى 250 مليونا.
أما سعر “لانسر” موديل 83 فيصل إلى 50 مليونا، أما عن سعر “المازدا ” موديل 83 فيبلغ سعرها 65 مليونا، فيما بلغ سعر “هونداي سوناتا” و“كيا سيراتو” موديل 2020 حوالي 800 مليون، وموديلات 2010-2008-2011 هي الأكثر طلبا.
خلال الفترة الماضية دخل سوق السيارات في ماراثون الارتفاع غير المسبوق ليتفوق هذا السوق على سوق العقارات لجهة ارتفاع نسبة زيادة أسعار جميع السيارات. وتقول تقارير محلية إن الحسبة في هذا السوق لا تتوقف فقط على ارتفاع سعر الصرف الذي تُسعّر عليه السيارات اليوم علنا ليُضاف إليه العديد من الأسباب والحجج التي جعلت شراء هذه الآلية حكرا على فئة قليلة من المواطنين وفئة التجار والأغنياء.
أسعار السيارات في سوريا الأغلى عالميا بسبب الضريبة الجمركية المفروضة على أي سيارة تدخل البلد ما يؤدي إلى مضاعفة السعر أربع مرات من سعرها الحقيقي في بلد المنشأ، حسب ما أكده الخبير الاقتصادي شادي الحسن للصحيفة المحلية.
الحسن، أكد انعدام القدرة الشرائية للسوريين وارتفاع نسبة الجمارك على السيارات إلى 300 بالمئة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار، لافتا إلى أن 50 بالمئة من الذين لديهم سيارات باتوا يستخدمونها للضرورة القصوى بسبب غلاء البنزين حتى أن الأغلب بات يسافر عبر وسائل النقل العامة بحكم التكلفة الكبيرة، فالحدّ الأدنى للسفر من دمشق إلى حمص أصبح يكلّف مليون ليرة ذهابا وإيابا، أمّا 50 بالمئة من المُلّاك الباقين فيستخدمونها للادخار.

الخبير الاقتصادي يرى أن السيارة اليوم باتت عبارة عن نوع من الادخار مثل الذهب أو الدولار أو المنزل، يقوم الشخص بشراء سيارة لكي لا يصرف المال الذي يملكه، علما أن الأسعار الرائجة بين تجار السيارات مرتفعة جدا وتختلف بين تاجر وآخر، مبيّنا أن الموظف في القطاع العام يحتاج إلى جمع رواتب 50 عاما على الأقل لكي يتمكن من شراء سيارة من النوع المستعمل.
بدوره لم ينكر مدير جمعية صيانة السيارات يوسف الجزائري أن امتلاك سيارة أصبح مستحيلا بحكم الأسعار الجنونية، مشيرا إلى أن معظم الذين يشترون السيارات تكون قديمة وبهدف ادخار الأموال أو لتشغيلها في توصيل الزبائن.
أجور المواصلات تفرض واقعا مريرا
في أعقاب قرار حكومة دمشق بزيادة أسعار المشتقات النفطية، بالإضافة إلى تدهور الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، ارتفعت أجور المواصلات بشكل كبير في عموم البلاد، وسط استمرار أزمة المواصلات التي يعاني منها الأهالي بشدة.
فقد وصلت شكاوى لإذاعة “المدينة إف إم” المحلية يوم أمس الثلاثاء، حول وجود ندرة في أعداد “السرافيس” على بعض الخطوط الحيوية في العاصمة دمشق كخط مزة جبل، ومهاجرين صناعة، وفي خطوط برامكة- جديدة عرطوز، إضافة إلى كافة خطوط المزة 86.
هذا الأمر حقق فرصة ذهبية لسائقي “التكاسي” من حيث الإقبال عليها، علما أنها أصبحت تتقاضى 7 آلاف ليرة للخطوط القصيرة، و10-15 ألف ليرة لبعض الخطوط التي تربط المدينة بالريف الملاصق.
على إثر ارتفاع أجور المواصلات، اتجه الكثير من الناس، وخاصة فئة الطلاب، نحو تقنين استخدام وسائل النقل. وهنا، تقول رنيم 22 عاما، طالبة في السنة الرابعة في كلية هندسة المعلومات في جامعة “تشرين”، إنها قررت تقنين أيام سفرها إلى منزلها في السويداء، نتيجة ارتفاع رسوم النقل.
رنيم تردف لموقع “سناك سوري” المحلي مؤخرا، أن عاما واحدا كان كفيلا بقلب الموازين بالنسبة لها. حيث ارتفعت الأجرة 5 أضعاف تقريبا، وتقول “أول سنة كانت الأمور ميسرة كنت أدفع 3000 قبل ما تنطّ الأجرة للـ 15 ألف عام 2020. واستقرت الأمور فترة لحتى وصلنا لليوم وصارت الأجرة خيالية”.
في بداية دراستها الجامعية عام 2019، كانت رنيم تغادر إلى منزل أهلها كل شهر مرة، وكذلك في العطل الرسمية والمناسبات، لتشارك أهلها جمعاتهم أو تستقبل معهم السنة الجديدة. وتضيف هنا “شوي شوي صرت قضي العطلة بالسكن أكتفي بمكالمة فيديو وأسمع صوتن من بعيد وكأني ببلد تاني”.
الطالبة الجامعية أشارت إلى أنه “قبل نحو 10 أيام إجيت عالسويدا مع انتهاء السنة الدراسية كانت الأجرة 41 ألف ولدمشق 30 ألف ليرة واليوم سمعت من زملائي إنهم دفعوا 45 ألف، وإذا بقيت هيك لبداية الفصل رح توصل لـ50 ألف ورح يصير حلم إنو ننزل ع البيت من السنة للسنة، علما أن الرحلة الواحدة تكلف اليوم 90 ألف للذهاب والإياب”.
لم تعُد الرحلة بين المحافظتين الجارتين حمص وحماة، سهلة ويسيرة لطلاب الجامعات الذين تبدّلت أحوالهم بتبدّل الأسعار وزيادة الأجور. فأجرة “الميكرو” من مدينة حماة إلى مدينة حمص ارتفعت من (3000) إلى (5000) ليرة سورية. حسبما أوضح عمار وهو طالب كلية العلوم قسم رياضيات في جامعة “البعث” بمدينة حمص.

يعتبر الشاب الذي يعمل ليؤمن مصاريف جامعته، أن 6000 ليرة في اليوم كانت ترهقه بالرغم من أنه لم يحضر جميع المحاضرات باعتباره طالبا في كلية نظرية، منوّها إلى أن العديد من أقاربه وأصدقائه مضطرّون للحضور اليومي في الكليات التي تولي الحضور أهمية قصوى. وبالتالي صاروا مضطرين لدفع حوالي 50 ألف ليرة أسبوعيا بفرض أنهم يداومون يوميا أي حوالي 200 ألف ليرة سورية للمواصلات فقط. أما هو فأموره أكثر يُسرا ولن يرهق نفسه ويحتمل عناء الحضور إلا أيام الامتحانات.
بالنظر إلى الواقع المعيشي المتردي، تُعتبر شريحة الطلاب الأكثر تضررا من رفع أجور النقل، خاصة وأن غالبيتهم لا يملكون أي دخلٍ سوى ما يحصلون عليه من مصاريف من عوائلهم.
قرار الحكومة الأخير حول رفع أسعار المشتقات النفطية، أحدث فوضى كبيرة في أجور المواصلات، فضلا عن خلق حالة من الإرباك بين المواطنين في سوريا بسبب اضطرارهم لاستخدام “التكاسي” وسيارات النقل الصغيرة بأجور مرتفعة للوصول إلى أعمالهم وأشغالهم.

