مساء الاثنين الفائت، شكّلت كلمات الأمين العام لـ”حزب الله”، حسن نصرالله، الشعرة التي قصمت بينه وبين أتباعه داخل لبنان وخارجها؛ فبعد حثّه للدولة اللبنانية على فسح المجال لمن يرغب من اللاجئين السوريين في التوجه صوب أوروبا، قائلا إن هذا سيؤدي إلى نتيجة حتمية، وهي أن الدول الأوروبية ستأتي خاضعة إلى بيروت، لتقول ماذا تريدون لإيقاف هجرة اللاجئين، ليكون أبرز ما تم تداوله هو أن زعيم ما تسمى “المقاومة” وصل لدرجة الإفلاس في خطاباته، وبات يحرّض على ابتزاز أوروبا.

عندما نتعامل مع كلمات الأمين العام لـ “حزب الله” اللبناني، نجد أنها عادة ما تكون محط أنظار العديد من المتابعين والمؤيدين للحزب في لبنان وخارجها، لا سيما بعد اكتسابه لشعبية كبيرة عقب حرب عام 2006، التي خاضها ضد الجيش الإسرائيلي، فعادة ما تحمل كلماته في طياتها التصميم والتحدي، والتي يراها البعض عبارة عن بيانات استراتيجية تحمل رسائل وتوجيهات هامة؛ ولكن في الآونة الأخيرة، بدأت كلمات نصرالله، تخسر تأثيرها على بعض مريدي “حزب الله”، وبات السؤال الذي يطرح نفسه هو؛ لماذا بات كلامه غير مقنع.

قد يكون هذا السؤال يطرح موضوعا محوريا، إذ إن تأثير كلمات قادة الأحزاب والجماعات السياسية على مؤيديهم له أهمية بالغة في تحديد مسار السياسة والتوجهات في الدول، وبالنظر إلى الحالة الحالية في لبنان والمنطقة، يمكن أن تكون هذه الظاهرة مفتاحا لفهم الديناميات السياسية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة، خصوصا أن “حزب الله” عاش لسنوات عديدة على شعار المقاومة والدفاع عن الأمة والمصلحة الوطنية، وقد تجلى ذلك في خطب وكلمات نصرالله، التي كانت تثير الحماس والولاء لدى مؤيديه، إلا أن هذا الإلهام بدأ يتراجع، وكلامه بات يفقد جاذبيته السابقة.

خطابات نصرالله.. بلا معنى

منذ عام 2000، وظّف نصرالله، التكرار في خطاباته لتعزيز ودعم ايديولوجيته واستراتيجياته السياسية، إحدى تلك الاستراتيجيات هي توليد الأمل من خلال الفعل المقنع المتمثل في تكرار العبارات الإيجابية والأزواج الدلالية، مما يخلق شعورا بالأمل والوطنية والانسجام بين الجمهور. 

أيضا استخدم نصرالله استراتيجية الوعيد التي يشير من خلالها إلى تهديد الأعداء للمصلحة الوطنية اللبنانية، مشددا على أهمية الوحدة من أجل هزيمة العدو؛ ولتنفيذ هذه الاستراتيجية، لجأ إلى تكرار المفاهيم والمصطلحات الأساسية التي تتمتع بقوة عاطفية ومقنعة، وهذا الأسلوب الذي اعتمده قائد “حزب الله” ليس فقط للارتقاء بأسلوبه اللغوي، ولكن أيضا لخدمة أغراض أيديولوجية مختلفة، وللتأثير على جمهوره وإقناعه.

لكن منذ انخراط الحزب اللبناني في الحرب السورية والعراقية واليمنية، واستغلال نصرالله، لأية مناسبة حتى لو كانت غير مهمة من أجل طرح خطابات، تبين أن الحزب الذي كان يدّعي المقاومة وكان يرفض الدخول في متاهات السياسة الداخلية اللبنانية، بات رأس حربة للمحور الإيراني– السوري في لبنان، وأن هدفه الأول والأخير خدمة أغراض هذا المحور وأهدافه عن طريق تكريس لبنان ساحة” للصراعات الإقليمية، إذ يستطيع النظامان في إيران وسوريا استخدامها لتحسين شروط التفاوض مع أميركا وإسرائيل.

لم تعد خطب حسن نصرالله تنطلي على أحد مهما رفع صوته وأصبعه مهددا، حيث تحوّل حسن نصرالله، من خلال خطابه الأخير إلى زعيم ميليشيا لبنانية، يحاول عبر سلاح هذه الميليشيا ابتزاز الدولة اللبنانية خصوصاً واللبنانيين عموما لتحقيق مكاسب تصب في خدمة النظامين السوري والإيراني والتوصل إلى توازن سياسي مختلف في البلد.

حسن نصرالله، استخدم بلده وأهله وقودا من أجل تمكين الآخرين تصدير أزماتهم الداخلية إلى الخارج، والانصياع لقواعد اللعبة الديمقراطية، بعد أن اعتبر أنه انتصر على إسرائيل في حرب 2006، وأن ذلك الانتصار يعني أن عليه الآن توظيف سلاحه في تغيير قوانين اللعبة السياسية الداخلية في الداخل وأصولها، خصوصا أن الأكثرية الساحقة من اللبنانيين تشعر بأن البلد عاد ثلاثين سنة إلى الخلف.

استمرار للنهج ذاته

مستوى الاستياء ومنسوب الغضب ارتفع عند معظم اللبنانيين منذ انفجار المرفأ عام 2020، والذي حول العاصمة إلى مدينة منكوبة، وعلى الإثر عاد اللبنانيون للمطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي والقضاء على الفساد وإنهاء المحسوبيات، وكانت صورة زعيم “حزب الله”، من بين أولئك السياسيين الذين علّقت رؤوسهم بحبل مشنقة رمزي من قبل المحتجين الغاضبين، وذلك في تحرّك حمل عنوان “علقوا المشانق”.

الحزب الذي يحظى بدعم إيراني خاص، لاقى انتقادات جمّة في الداخل اللبناني، حتى من قبل البيئة الحاضنة له، بعد تضاءل الخدمات الاجتماعية التي يقدمها لجماعته، وهي الخدمات التي تفوّقت على جهود الحكومة غالبا، في ظل تقلص القوة الشرائية جراء فقدان الليرة لأكثر من 80 بالمئة من قيمتها.

خطاب زعيم “حزب الله” قبيل الانفجار بشهرين، والذي وصف بـ”خطاب الطَّماطم والخيار”، كان مؤججا بشكل لا يوصف، خاصة بعد دعوته لللبنانيين إلى “جهاد” زراعي وصناعي وتجاري، في حين كان الأولى به، وفق الصحفي، أحمد عبدالعزيز الجارالله، “إيقاف زراعة المخدرات وتصنيعها وتهريبها، والسماح لأصحاب الأرض بزراعة الغلال التي يعتاشون منها بكرامة وعزة نفس طالما زعمها”.

الصحافي، نيكولاس بلانفورد،  وهو مؤلف كتاب “محاربو الله”، لفت إلى أن “حزب الله” كان فعّالا في تنفيذ الأجندة التوسعية الإيرانية خلال أكثر من عقدين من الزمن، وهو الذي شارك في المعارك الدائرة في سوريا لدعم الجيش السوري، إلى أنه دخل في مستنقع السياسة اللبنانية، إذ بات “دولة داخل دولة”، له شبكة علاقات عالمية خاصة.

نتيجة لذلك، لم يعد يخفَ على الكثير من مؤيدي الحزب وحتى مقاتليه، أن الفساد ضرب الحزب في الداخل، لا سيما وأن قادته باتوا منخرطين بتشكيل ثروات مالية بطرق غير مشروعة، وهو ما أظهرته التحقيقات والتقارير الصحفية وكشوفات لائحات العقوبات الغربية، في حين أن المخصصات المالية المقدمة لمقاتلي الحزب الذين يموتون خارج طريق القدس، تقلصت إلى أكثر من النصف.

اختفاء الأيديولوجية في خطابات نصرالله السياسية

التساؤل عن سبب تراجع شعبية حسن نصرالله بين أتباعه، والعوامل التي تؤثر على مقنعية خطاباته الأخيرة، بعد أن كان الملايين يرون في نصر الله قائدهم وزعيمهم وشخصيتهم المحورية، وبدأت تظهر بوادر تشقق في صفوف هذه الجماهير، الإجابة عنه بنظر الصحفية والباحثة في الشأن السياسي، أية عويس، باتت واضحة ولا تحتاج إلى البحث أو التحقيق.

نتيجة للأزمات التي تضرب لبنان على كافة المستويات، والتطورات التي تشهدها المنطقة على صعيد الصراعات والتحالفات، تشير عويس خلال حديثها لـ”الحل نت”، إلى أن الكثير من أتباع “حزب الله” أصبحوا يشكّكون في كفاءة حزبهم في إدارة شؤون لبنان، أو في قدرته على حماية مصالح لبنان في المنطقة، أو في مصداقية خطاب نصرالله ومواقفه من القضايا المحورية.

الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في لبنان، كان السبب الأبرز لكشف زيف أحزاب “المقاومة” وفقا لعويس، إذ يعاني لبنان من أزمات خانقة في مختلف المجالات، من انهيار العملة والتضخم والفقر والبطالة، إلى انقطاع الكهرباء والماء والمحروقات والأدوية، إلى تفشي جائحة “كورونا” وانفجار مرفأ بيروت وغياب حكومة فاعلة، وفي هذا السياق، قد يشعر بعض أتباع “حزب الله” بخيبة أمل أو استياء من عدم قدرة الحزب على تحسين ظروفهم المعيشية أو حماية مصالحهم الوطنية.

يرى هؤلاء أن كلام نصرالله لا يتناسب مع حجم المشاكل التي يعيشونها، أو أنه لا يقدم حلولا عملية أو ملموسة لها، كما قد يتساءلون عن دور الحزب في تشكيل حكومة جديدة، أو علاقته بالفئات والقوى السياسية الأخرى في لبنان، أو موقفه من المطالبات بإجراء إصلاحات شاملة وإنهاء الفساد والطائفية.

محاولة نصرالله منذ عام 2011 إبراز دوره في محور “المقاومة” ضد المشروعات التي تستهدف المنطقة سواء في سوريا والعراق واليمن ولبنان، بات يراه اللبنانيون عموما ومؤيدوه خصوصا وفق عويس، بأنه يعزل لبنان عن بيئته العربية والدولية، وأنه يجره إلى صراعات لا يمتلك مقدرة على حسمها أو تحمل تبعاتها، كما يخشون من التورط في حروب لا تخدم مصالح لبنان، أو من التعرض لعقوبات أو عزلة أو تهديدات، فضلا عن أن الهمّ الوحيد للمواطن اللبناني حاليا هو كيف يعيش يومه متنعما بأدنى المقومات الأساسية، ويصرف على بيته دون الحاجة لمتابعة الدولار وهبوط العملة المحلية والخوف من غلاء الأسعار اليومي.

بحسب المتابعات الحالية، فإن تميُّز حسن نصرالله سابقا بشخصية قيادية وخطابية قوية، يجيد استخدام اللغة والمفردات والأمثلة والحجج لإيصال رسالته إلى جمهوره لم يعد يؤثر، فمع خروجه المتكرر بات المؤيد للحزب يشعر بالملل والضجر وحتى الإحباط من كثرة خطابات نصرالله، أو من تكرار مواضيعها أو عدم تطابقها مع تطلعاته أو احتياجاته، بل أصبح أكثرهم يشككون في بعض المعلومات أو المزاعم التي يطرحها، أو يخالفون رأيه في بعض المسائل.

هل تجاوز “حزب الله” خطوطه الحمراء؟

الأزمة السورية تشكل تبعا لحديث عويس، أحد أبرز التحديات التي يواجهها “حزب الله”، فقد دخل في حرب ضروس ضد المعارضة السورية والجماعات المسلحة، دفاعا عن الرئيس السوري بشار الأسد، مما أثار انتقادات من قبل بعض أتباعه، خصوصا في ظل استمرار المعاناة والدمار في سوريا، والخسائر التي يتكبّدها الحزب من قتلى وجرحى، كما أثار تدخل الحزب في سوريا ردود فعل عِدائية من قبل بعض الدول والقوى الإقليمية والدولية، التي فرضت عقوبات وضغوطات على “حزب الله” وحلفائه.

بالمقابل، فإن الصراع مع إسرائيل الذي يشكل هوية وشرعية “حزب الله” كحركة “مقاومة”، بدأ في السنوات الأخيرة تظهر بعض التغيرات في المشهد الإقليمي، مثل التطبيع بين إسرائيل عبر صفقة ترسيم الحدود البحرية، والذي تبين أن الحزب لا يمكنه المواصلة في دوره كـ “مقاومة” كونه انتقل إلى حزب يريد دولة، وهذا أثر على مصداقية كلام نصرالله عندما يتحدث عن مواجهة إسرائيل أو تحقيق الانتصارات أو دعم فلسطين.

“حزب الله” حسب إشارة عويس، تجاوز خطوطه الحمراء في التحالفات السياسية والعسكرية، بل لم يحافظ على موقفه المبدئي من دعم “المقاومة” ضد إسرائيل، وذهب نحو التحالف العلني مع إيران وسوريا والحركات الشيعية في المنطقة، ليثبت أنه قوة مستقلة يريد إدارة البلاد.

هذه التوجهات، فضحت بعد اتهام “حزب الله” بالتورط في تفجيرات واغتيالات ضد سياسيين وصحافيين لبنانيين، وبالانتهاك للسيادة اللبنانية بإقامة دولة موازية تخضع لإيران، كما اتُّهم الحزب بالإرهاب لارتباطه بأعمال عنف ضد دول أجنبية، وبالفساد لضلوعه في تهريب المخدرات وغسيل الأموال، وهذه الاتهامات أضعفت صورة “حزب الله” كحركة “مقاومة” شعبية، وأثارت رفضا من قِبل بعض المجتمعات المحلية التي تعاني من نقص في الموارد والخدمات.

أسلوب الأمين العام لـ “حزب الله” تغيّر بمرور الوقت، فقد أصبح أكثر طيشا وتسرّعا في خطاباته ومقابلاته، ففي بداية توليه المنصب عام 1992، كان نصرالله يستخدم لغة متشددة ومحرضة وأسلوب لغوي متين يطرب الآذان، لكن مع مرور الوقت، أصبح نصرالله يتفوه بأمور محلية وبيئية واقتصادية والرد على أحاديث السوشيال ميديا، وغيرها من الأمور التي خفضت من مستوى القبول والاحترام له، وهنا تقول عويس، “كثرة الخطابات عن السابق، كشفت ضيق تفكيره، وحتى من يكتب له الخطابات لم يعد يستطيع على مواكبته بالتنسيق اللغوي”.

من المعلوم، أنه لا يوجد أمين عام جديد لـ “حزب الله”، فحسن نصرالله ما زال يشغل هذا المنصب منذ عام 1992، ولم يعلن الحزب عن أي خطط لتغيير قيادته أو تعيين خلف لنصرالله، وقد أكد نصرالله في خطاباته ومقابلاته الأخيرة على استمرارية دور “حزب الله” في المشهد السياسي والعسكري في لبنان والمنطقة، وعلى التزامه بالتحالف مع إيران وسوريا والحركات الشيعية في المنطقة.

إلا أن ذلك بلا شك سيُفقد الحزب شعبيته ومصداقيته في لبنان، خاصة بين الشيعة الذين يشعرون بالإحباط من تورّطه في الحرب السورية وتجاهله للمطالب الاجتماعية والاقتصادية للشعب اللبناني، خصوصا وأن خطابات نصرالله لم تعد تأتي بأيّ جديد، بل باتت مجرد تسجيل مواقف.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات