الحرب السورية، التي دخلت عامها الثاني عشر، خلّفت آلاف الضحايا والجرحى والمفقودين، وأوجدت مشكلة إنسانية وأمنية كبيرة، فالعديد من الأُسر السورية لم تستطع دفن موتاها بكرامة، أو حتى معرفة مصيرهم أو مكان قبورهم، وفي ظل هذه الظروف المأساوية، تظهر بعض الظواهر الغريبة والمخجلة، التي تنمّ عن انعدام الضمير والإنسانية لدى بعض الجهات التي تستغل الحرب لتحقيق مكاسب مادية زائلة، ومن هذه الظواهر، محاولات بعض عناصر “الميليشيا” الإيرانية للاستيلاء على المقابر السورية لاستخراج الذهب.
في مناطق متفرقة من العالم، تدور الصراعات وتتجلى الانتهاكات والجشع بأشكال متعددة، لكن ما يحدث حاليا في مناطق جنوب وغرب دمشق يكشف عن واحدة من أكثر القضايا تعقيدا وتجاوزا، إنها محاولات للاستيلاء على المقابر السورية بهدف استخراج الذهب والموارد الثمينة، هذا الموضوع ليس مجرد حادثة فردية أو تجاوز عابر، بل يمثل نقطة تحول مهمة تتعلق بالأخلاق والإنسانية واحترام القوانين الدولية.
السيطرة على الموتى السوريين
في حديثه مع “الحل نت”، قال أحمد المهدي، صاحب محل لبيع الحُلي والمجوهرات في سوق الحميدية، “أنا أعمل في هذا المجال منذ 30 سنة، وأعرف قيمة الذهب وجودته، ولكن في الآونة الأخيرة، بدأت ألاحظ بعض الأشخاص يأتون إلى محلّي بحلي ذهبية غريبة، لا تشبه تصاميمنا أو عاداتنا، وعندما أسألهم عن مصدرها، يقولون إنهم اشتروها من بعض الجنود الإيرانيين، الذين يزعمون أن هذه الحلي من المقابر”.

يولا، من سكان حي جوبر في دمشق، والتي ذكرت لـ”الحل نت”، مدى شعورها بالغضب والإهانة بسبب انتهاك حرمة الموتى، ذكرت “أنا فقدت زوجي وابني في الحرب، ودفنتهما في مقبرة قريبة من بيتي، وكان زوجي يحب الذهب، وكان يرتدي خاتما ذهبيا كان هدية من والده، وكان ابني يرتدي سلسلة ذهبية كانت هدية من خطيبته”. وتضيف يولا، “عندما دفنتهما، تركت ذاك الحلي على أجسادهم، كعلامة على حبي لهم، ولكن بعد فترة، سمعت أن بعض الميليشيات الإيرانية تقوم بالتنقيب عن الذهب في المقابر، وأنهم يسرقون حلي الموتى، فذهبت إلى المقبرة لأتأكد من قبور زوجي وابني، فوجدتهما مفتوحَين، ولا أثر للحلي الذي كان على أجسادهم”.
لا توجد إحصائيات رسمية عن كمية الذهب الموجودة في المقابر السورية، لكن محمود، المتطوع داخل ميليشيا “أبو الفضل” المدعومة من إيران، بيّن لـ”الحل نت”، أن هناك تورّطٌ لبعض الضباط الإيرانيين في استغلال جنودهم للاستيلاء على المقابر في دمشق وريفها من أجل التنقيب عن الذهب، والخطة تتضمن توزيع الجنود على مجموعات صغيرة، وإعطائهم أدوات وآلات للحفر والكشف عن المعادن، وإرسالهم إلى المقابر في ساعات متأخرة من الليل، وإجبارهم على البحث عن الحلي الذهبية في القبور، وجمعها وتسليمها للضباط، مقابل نسبة بسيطة من الربح.
علاوة على ذلك، يذكر علي المتطوع ضمن “الميليشيات” الإيرانية، أنه وجميع العناصر مجبرون على العمل ضمن “الميليشيات” الإيرانية في مقبرة بريف دمشق، مضيفا “إذا رفضت، سأتعرّض للعقاب أو القتل”.
تحقيق مكاسب طائفية في سوريا
هذه المحاولات تثير تساؤلات حول دوافعها وأسبابها، خصوصا أن إيران، كداعم للحكومة السورية، لديها مصالح عديدة في سوريا، واحدة من هذه المصالح تتعلق بالموارد الثمينة، بما في ذلك الذهب والمجوهرات والكنوز التي يمكن العثور عليها في المقابر السورية، ويُعتقد أن “الميليشيات” الإيرانية تسعى للاستيلاء على هذه الموارد بهدف تمويل أنشطتها.

محاولات “الميليشيات” الإيرانية للاستيلاء على المقابر تثير قلقا كبيرا بين السكان المحليين في دمشق وريفها، فالمقابر تُعتبر أماكن مقدّسة للعائلات السورية، وتمثل رمزا للذاكرة والهوية الوطنية، وإذا تم انتهاك هذه المقابر، فإن ذلك يُعد انتهاكا جسيماً لحرمة الأموات وقد يثير غضب الشعب السوري ويزيد من التوترات في المنطقة.
من الواضح أن محاولات “الميليشيات” الإيرانية للاستيلاء على المقابر تستغل المأساة الإنسانية في سوريا، فضلا عن أن بعض هذه “الميليشيات” تستخدم بوابات المقابر من أجل جمع الأتاوات من الزائرين، أو في بعض الحالات كما في مقبر بلدة ببيلا، تسعى لإنشاء مقام جديد، بحجة أن هناك ولي.
وليس هذه المرة الأولى التي تستولي فيها “الميليشيات” الإيرانية على المقابر، فمنذ أن عملت هذه الميليشيات على تثبيت أقدامها في سوريا بشكل عام، وفي محافظة دير الزور بشكل خاص، عبر نشاطها العسكري والاجتماعي والاقتصادي والإغاثي، استغلّت الأوضاع المادية المتردّية للمدنيين، وعملت من أجل ذلك حتى وإن تطلب الأمر تزوير حقائق تاريخية أو حديثة.
“ميليشيات” إيران خلال عام 2022، باشرت ترميم قبور قديمة في منطقة الجبل عند مدخل دير الزور الجنوبي، وادعت بأنها قبور لصحابة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، في سعي منها للسيطرة على مدينة دير الزور الخالية من المزارات أو القبور الشيعية بشكل كامل.
مصادر محلية أفادت بزيارة عناصر من ميليشيات “الحرس الثوري” الإيراني، ما أطلقوا عليه “قبور السادة” مؤخرا، تلبية لأوامر الحاج أميري، قائد “الحرس الثوري” الإيراني بدير الزور، لافتة إلى وجود مفرزة تابعة لـ “الفرقة الرابعة” بمحيط المقبرة بغرض حمايتها، وعدم السماح للأهالي بالاقتراب منها، وأكدت أن هذه الخطوة اعتبرت تمهيدا لبناء مزار يحج إليه الإيرانيون في دير الزور.
نقص التمويل
بحسب الباحث في الشأن الإيراني، صالح حميد، فإن استمرار الحرب السورية على مدى سنوات طويلة أثّر بشكل كبير على الاقتصاد والموارد في البلاد، وللعديد من الجماعات و”الميليشيات” المتورطة في الصراع، من ضمنها “الميليشيات” الإيرانية، واجهت تحديات تمويلية كبيرة.

طبقا لحديث حميد لـ”الحل نت”، فإن نقص الأموال والموارد المالية أصبح أمرا مشتركا بين هذه المجموعات، مما دفع بعضها إلى البحث عن مصادر إضافية لتمويل أنشطتها، واحدة من هذه المصادر المحتملة هي البحث عن الذهب في المقابر أو استغلال المقابر في أمور دينية وطائفية.
الذهب يُعتبر من الموارد الثمينة التي يمكن العثور عليها في المقابر والمناطق التاريخية في سوريا، ويمكن استخراج الذهب من التّحف والأواني القديمة والمجوهرات والكنوز التي يمكن أن توجد في هذه المناطق، ويمكن لـ “الميليشيات” البحث عن هذا الذهب وبيعه بأسعار عالية في السوق السوداء أو استخدامه كمصدر لتمويل أنشطتها وشراء الأسلحة والمعدات.
استيلاء “الميليشيات” الإيرانية على المقابر في سوريا يمكن أن يزيد من تعقيد الأوضاع في البلاد، فالنزاعات حول الموارد الطبيعية قد تؤدي إلى تصاعد التوترات والصراعات الداخلية، مما يزيد من معاناة الشعب السوري، وإشعال حرب طائفية جديدة.
إن قضية الاستيلاء على المقابر السورية لاستخراج الموارد الطبيعية تأتي في سياق حروب مستمرة وصراعات طويلة أضرت بالمدنيين وألحقت أضرارا هائلة بالبنية التحتية والموروث الثقافي والاقتصادي للبلاد، ويؤكد حجم هذه الجريمة، التي تمارس بشكل سري ومنظم من قبل عناصر نافذة في الميليشيات الإيرانية.
- محمد بن سلمان: ندعم الحكومة اليمنية لبسط سلطتها على اليمن
- رويترز: محادثات سرية جمعت مسؤولين سوريين و”حزب الله” في تركيا
- جدل حول حصر القبول في كليات ومعاهد التعليم العالي السورية بـ”الطلاب الذكور”
- مطالبات حقوقية بتعويض ضحايا التدخل العسكري الروسي في سوريا
- تعز تحت الهجوم.. القوات الحكومية تصد محاولة “حوثية” لتطويق المدينة

