منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وتداعيتها الجيواستراتيجية على قمة العالم، بدا التعاون بين إيران وروسيا يأخذ منحى أكثر وضوحاً ويصل إلى حدود قصوى، لا سيما بعد ظهور المسيرات الإيرانية في الحرب ضد كييف. لم يكن هذا الدور المتنامي والخفي، في البداية، قبل الكشف عنه، سوى محطة ينتقل بعدها الطرفان إلى مستوى من العلاقات الاستراتيجية بينما تتسع نطاقاتها بين التجاري والأمني والسياسي والإقليمي، على أساس من العداء للغرب والولايات المتحدة.

هذا العداء الذي يباعد بين موسكو، من جهة، والقوى الغربية وواشنطن من جهة أخرى، وتفاقم بعد غزو كييف، شكل المتن السياسي للتحالف بين نظامي “الولي الفقيه” وفلاديمير بوتين بميراث الأخير السوفيتي الذي ما زال يحتفظ بكتل أجهزته الأمنية والاستخبارية الصلبة بينما لم تشهد التفكيك ذاته وقد زلزل الكيان الاشتراكي تسعينات القرن الماضي.

انعطافة جديدة بين روسيا وإيران

الانعطافة الجديدة في العلاقات بين الطرفين تزيل سنوات من الخصومة والتشكك وقد اعتبر علي الخميني الذي أسّس الجمهورية الإسلامية الإيرانية عقب الإطاحة بالملكية الإيرانية، موسكو البلشفية “نظاماً ملحداً” يقوّض “ثورة الملالي” ونفوذ “الجمهورية الإسلامية”. 

ربما، بوتين لم يبتعد عن السياسات السابقة أو يتحرر منها كلياً، لكن الظروف المتغيرة في الساحة الدولية وفي ظل سيادة القطب الأميركي من دون المنافس التقليدي في فترة الحرب الباردة، أعطى الأولوية للاعتبارات البراغماتية على حساب الأيدولوجية، مع الأخذ في الاعتبار أن موسكو وطهران جمعتهما بعد سقوط جدار برلين علاقة وطيدة من الناحية الأمنية، تمثلت في التعاون الخفي والمعلن بخصوص ملاحقة القوى الإسلامية (السنية) الراديكالية التي كانت تطوق أطراف “الاتحاد السوفيتي” السابق وفي القوقاز وآسيا الوسطى.

الاصطفاف البراغماتي بين الطرفين أساسه الرغبة في تجاوز العزلة الدولية بفعل العقوبات والصدامات العنيفة مع النظام العالمي، والرغبة في الالتفاف على هذه المعضلات، ثم الحصول على موارد عديدة وسلاح وتوفير أسواق، فضلاً عن الدور الدبلوماسي الذي يؤديه الطرفان في مجلس الأمن لدعم مصالحهما السياسية والإقليمية، وكذا الدفاع عن سجلاتهما التي تحفل بجرائم حقوقية جمّة.

إذاً، لم يكن مباغتاً ما طالب به وزراء خارجية “الدول السبع” (جي 7) طهران بضرورة “التوقف عن مساعدة الجيش الروسي”. كما دعوا كافة الدول بحظر توريد المكونات لبرامج إنتاج الطائرات من دون طيار الإيرانية، والتي “تهدف إلى دعم المجهود الحربي الروسي”. لكن موسكو وطهران أعلنتا رفضهما للاتهامات بخصوص الحصول على مسيرات إيرانية في الحرب الأوكرانية. وقال الناطق بلسان “الكرملين” ديمتري بيسكوف، إن تلك التقارير “مزيفة”، مشيراً إلى أن الجيش الروسي يستعين بـ”طائرات محلية”.

كما رفض الناطق بلسان الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، بيان مجموعة السبع. وقال في بيان رسمي: “لقد أكدنا مراراً وتكراراً أننا لم ننقل طائرات بدون طيار إلى روسيا لاستخدامها في الصراع في أوكرانيا”. وتابع: “على عكس إيران، فإن أولئك الذين يوجهون الاتهامات، بما في ذلك الولايات المتحدة، يستفيدون من استمرار الحرب في أوكرانيا. أولئك الذين يتهمون إيران، دون أن يدركوا ذلك يسيرون ضد الشعب الأوكراني”.

بيد أن وكالة “رويترز” للأنباء أكدت على لسان 6 مصادر، أن النظام في طهران قام بتزويد موسكو بأعداد هائلة من صواريخ “أرض – أرض” البالستية، بما يعكس تنامي التعاون العسكري بين البلدين في ظل العقوبات الغربية ضدهما، فيما نقلت الوكالة عن 3 مصادر إيرانية قولهم، إن روسيا حصلت على نحو 400 صاروخ من إيران، ومنها الصواريخ البالستية القصيرة المدى من طراز “فاتح 110″، كصاروخ “ذو الفقار” المتنقل، الذي يحدد الخبراء إمكانياته المتطورة في إصابة أهداف لمسافات تصل لنحو 300 و700 كيلومتر.

وبحسب أحد المصادر الإيرانية، فإن أولى شحنات الأسلحة بدأت، مطلع العام الماضي، وذلك بعد إنهاء اتفاق تم إتمامه بين مسؤولين عسكريين وأمنيين روس وإيرانيين في البلدين. ونقلت الوكالة عن مسؤول عسكري إيراني، أنه “كانت هناك 4 شحنات على الأقل من الصواريخ، وسيكون هناك المزيد في الأسابيع المقبلة، من دون تقديم مزيد من التفاصيل”.

حاجة روسيا للمسيرات الإيرانية

مسؤول إيراني، لم يتم الكشف عن هويته، ذكر أن بعض الصواريخ تم إرسالها لموسكو عن طريق السفن عبر بحر قزوين، والبعض الآخر جواً”، مردفاً أنه “سيكون هناك المزيد من الشحنات”، لافتاً إلى أنه “ليس هناك أي سبب يدعو لإخفاء الأمر، بمقدورنا تصدير الأسلحة إلى أي دولة نريد”.

وثمة تصريح سابق للناطق بلسان مجلس الأمن القومي في “البيت الأبيض”، جون كيربي، تخوّف فيه من اقتراب حصول موسكو على صواريخ باليستية قصيرة المدى من إيران، ناهيك عن صواريخ مماثلة تم الحصول عليها عملياً من كوريا الشمالية. ونقلت “وكالة الأنباء العالمية” عن مسؤول أميركي قوله إن واشنطن “رأت أدلة على أن المحادثات تتقدم بشكل نشط، لكن لا يوجد مؤشر بعد على تسليم شحنات”.

في حديثه لـ”الحل نت”، يوضح الباحث المختص في العلاقات الدولية، الدكتور سامح مهدي، أن العلاقات بين طهران وموسكو تشهد “طفرة منذ الحرب الروسية الأوكرانية، الأمر الذي يكاد يختلف عن المراحل كافة التي سبقتها، وأبرزها الحرب في سوريا والتي شهدت اصطفاف كل منهما لناحية دعم نظام بشار الأسد من السقوط. لكن الشاهد أن موسكو وطهران ظاهر وجودهما في دمشق هو التعاون لكن الخفي والعملي هو التنافس وربما الصراع بل والصدام أحياناً بين مكوناتهما العسكرية”. 

بوتين ورئيسي – (سبوتنيك)

“ولم يعد خافياً على أحد أن التعاون العسكري بمعنى بيع الأسلحة، تحديداً المسيرات، والمساهمة في تطويرها، لم يحدث سوى في أعقاب غزو موسكو لكييف. بالتالي ظل التعاون بينهما محدوداً. كما غضت موسكو الطرف عن الاستهدافات الإسرائيلية التي تطاول مواقع الحرس الثوري في سوريا وكان رد فعلها عادياً”.

وفق الباحث المختص في العلاقات الدولية، فإن احتياج بوتين إلى طهران بات ملحاً، وتحديداً فيما يخص المسيرات، لافتاً إلى أن “حذر موسكو القديم من حيازة إيران للسلاح النووي قد تبدد، وارتفع نطاق التعاون لما هو استراتيجي، وشمل مجالات حيوية عديدة، مثل اتفاقية أمن المعلومات، فضلاً عن مساعدة موسكو النظام الإيراني في الحصول على اليورانيوم المخصب الذي سبق وحصلت عليه من إيران في السابق بعد تدشين خطة العمل المشتركة، وذلك في ذروة الحرب الروسية الأوكرانية، الأمر الذي ينذر باحتمالية تطور العلاقات لدرجة تعاون علماء النووي الروس في تطوير قدرات إيران النووية ومشروعها الذي تزعم أن لا أغراض عسكرية له”.

ومع تلبية موسكو احتياج إيران من اليورانيوم المخصب، لا يستبعد الباحث ذاته، أن يلعب الخبراء الروس في المجال النووي والعسكري من تطوير “الأسلحة الإيرانية المختلفة وعقد صفقات مختلفة سرية تتصل بالصواريخ الباليستية”، مشيراً إلى أنه في حقيقة الأمر يكاد أن يكون “أبو النووي الإيراني هو العالم الروسي فياتشيسلاف دانيلينكو الذي له دور خفي تم الكشف عنه مؤخراً في تطوير القدرات النووية الإيرانية. وهذا الدور بمقدوره أن يرجح أو بالأحرى ينفي الأغراض السلمية المزعومة لمشروع طهران النووي بل هو عسكري حتماً”.

تغيير ديناميات الصراع

يقول “مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية“، إنه “رغم حرص إيران حالياً على توثيق علاقاتها مع روسيا، في سياق ما يسمى بسياسة “التوجه شرقاً” التي تتبناها حكومة الرئيس إبراهيم رئيسي منذ وصوله إلى السلطة في آب/ أغسطس 2021، فإن ذلك لا ينفي أنها حريصة أيضاً على عدم وضعها في موضع الحليف، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء عاملين أساسيين”.

العامل الأول، عام ويرتبط بالاتجاهات الرئيسية للسياسة الخارجية الإيرانية، التي تقوم على أن “التحالف” مع قوة أخرى بقدر ما يمكن أن يعزز من موقع الدولة في مواجهة خصومها، فإنه في الوقت نفسه يفرض عليها خيارات محددة ترتبط بالالتزامات التي يتضمنها هذا التحالف، وهو ما يتناقض مع حرص إيران باستمرار على توسيع هامش الخيارات المتاحة أمامها للتعامل مع التطورات التي تطرأ على الصعيدين الإقليمي والدولي إن لم يكن لاستحصال أكبر قدر من المكاسب الممكنة عبرها فعلى الأقل لتحييد أية مخاطر قد تنجم عنها. وفي رؤية طهران، فإن ضغوط هذا التحالف المفترض تتزايد في حالة ما إذا كانت الدولة الحليفة قوة رئيسية على الساحة الدولية”.

العامل الثاني، وفق “مركز الأهرام”، خاص ويتصل مباشرة بالعلاقات مع روسيا، التي تعتبرها إيران أقرب إلى “شريك الضرورة” الذي تفرضه الظروف التي تمر بها إيران، والضغوط والعقوبات التي تتعرض لها من جانب الدول الغربية، بسبب اتساع نطاق الخلافات العالقة بين الطرفين والتي تتضمن البرنامجين النووي والصاروخي والحضور الإقليمي والموقف من إسرائيل وغيرها. 

هذا التوصيف المحدد لاتجاهات السياسة الخارجية الإيرانية وللعلاقات بين إيران وروسيا ربما يفسر، إلى حد ما، بعد الظواهر والتطورات التي تشهدها تلك العلاقات والقضايا الرئيسية في هذا الجانب من السياسة الإيرانية، على غرار تزايد التحذيرات داخل إيران من عواقب “وضع كل البيض في سلة روسيا والصين”، وحالياً تصاعد الدعوات لإجراء مفاوضات شاملة مع الولايات المتحدة الأميركية، كنا يقول “مركز الأهرام”.

بالعودة للباحث المختص في العلاقات الدولية سامح مهدي، فإن أسئلة عديدة يمكن طرحها في سياق التعاون والتحالف المتين والاستراتيجي بين طهران وموسكو والذي يرجح أن تصنع “الاعتبارات الجيوسياسية والسياق الدولي” حدود تطوره وقفزاته النوعية، حيث إن أي تحول من طراز حصول إيران على صواريخ “إس-400″، أو المقاتلات الروسية “سوخوي” المتطورة، وكذا الألغام البحرية، والصواريخ المضادة للسفن، فضلاً عن تطوير روسيا القدرات السيبرانية لإيران، كلها أمور من شأنها “تغيير ديناميات الصراع وتغيير موازين القوى”، وفق ما يضيفه الباحث في العلاقات الدولية.

“الأزمة والخطورة الحقيقية في مستوى التعاون، تتجاوز امتلاك الأسلحة إلى امتلاك الخبرة والمعرفة التقنية بشأن الأسلحة المتطورة، والتكنولوجيا العسكرية التي تتعدد استخداماتها محلياً وخارجياً. فاقتراب إيران من العتبة النووية هو تحصيل حاصل بعد امتلاكها المعرفة التكنولوجية النووية التي تمكنها من توسيع مشروعها. ورغم ذلك، تبقى مخاطر التعاون مع روسيا في جهة تطوير الرؤوس الحربية النووية، وقد سبق لموسكو أن ساهمت كذلك في بناء مفاعلات نووية إيرانية وإمدادتها بالطاقة اللازمة والموارد المطلوبة كما حدث في مفاعل بوشهر”، يقول سامح مهدي مُختتماً.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات

الأكثر قراءة