تعطي حركة الإسلام السياسي وشيوعه في البلدان الأوروبية انطباعاً عن أن الإسلام يختزل العرب والمسلمين في الإطار الذي يقدمه الإسلام السياسي، خاصة أن تنظيمات الإسلام السياسي في الدول الأوروبية دائمة الحركة والاحتكاك، وذلك لرغبتهم في دعوة هذه المجتمعات للإسلام أو الحفاظ على روابطهم الاجتماعية والدينية حسب زعمهم، على خلاف المهاجرين بهدف العمل أو التعليم، الراغبين في الاندماج داخل المجتمع أكثر من فرض رؤيتهم، ويفهمون جيداً طبيعة الاختلاف بين المجتمعات.

الإسلاموفوبيا

ظهر مصطلح الإسلاموفوبيا (Islamophobia) في الجدل السياسي والإعلامي البريطاني عام 1997؛ ويشير إلى حالة الهلع والخوف من الإسلام، واعتباره تهديداً صريحاً للدولة وللثقافة الأوروبيَين. ويأتي تعريف منظمة “الأمم المتحدة” للإسلاموفوبيا بأنها حالة “الخوف من المسلمين والتحيّز ضدهم والتحامل عليهم بما يؤدي إلى الاستفزاز والعِداء والتعصب بالتهديد وبالمضايقة وبالإساءة وبالتحريض وبالترهيب للمسلمين ولغير المسلمين، سواء في أرض الواقع أو على الإنترنت”، ويُعدّ تخصيص منظمة “الأمم المتحدة” ليوم دولي لمكافحة كراهية الإسلام، وهو يوم 15 آذار/ مارس دليلاً كافياً على انتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا.

ظهر مصطلح الإسلاموفوبيا (Islamophobia) في الجدل السياسي والإعلامي البريطاني عام 1997؛ ويشير إلى حالة الهلع والخوف من الإسلام- “الصورة من الإنترنت”

ويقدم تقرير “SETA” لعام 2015 تصريحاً واضحاً عن أن الإسلاموفوبيا تعمل “من خلال بناء هوية “إسلامية” ثابتة، تُنسب بعبارات سلبية وتعمّم على جميع المسلمين. في الوقت نفسه، الصور المعادية للإسلام مائعة وتتنوع في سياقات مختلفة حيث يخبرنا الإسلاموفوبيا أكثر عن الإسلاموفوبيا أكثر مما يخبرنا عن المسلمين/ الإسلام”.

وإذا كان التقرير يعترف بأن الإسلاموفوبيا يقدّم صورة تختلف عن واقع المسلمين في البلدان الأوروبية، فإن السؤال عن مساهمة المسلمين في هذه البلدان لبناء هذا التصوّر أمرٌ ضروري، فمن غير المنطقي أن يكون المفهوم قد أُنشئ في الفراغ، وإن كان ذلك فلا يمكن له أن يصنع حالة الهلع والخوف هذه داخل هذه المجتمعات من الفراغ، فما هي غير صدى لأفعال ودعوات قامت بها جماعات الإسلام السياسي لتصدّرها المشهد في السياق الأوروبي، واحتكاكها بالسياسات الأوروبية وظهورها في المجال العام.

ومن ناحية أخرى لعبت السياسات الأوروبية في نشأة وتضخم الإسلاموفوبيا، وهذا ما طرحه الباحث والأكاديمي السوري الفرنسي خلدون النبواني لـ”الحل نت” قائلاً: ساهم التركيز على الإسلام السياسي بوصفه إسلاماً راديكالياً يحمل السلاح ويرفض الآخر، والتأكيد على أن الإسلام السياسي يمثّل خطر على حرية الآخرين على حياة الناس، وعلى المسلمين في أوروبا في تضخم حالة الإسلاموفوبيا، ومن ثم أصبح الإسلام السياسي في واجهة الحرب على الإسلام بوصفه المدخل الأساسي لمعاداة الإسلام، وكيف يمكن أن يكون مدخلاً أساسياً لمواجهة هذا الدين الآخر القادم على أوروبا، ولكن استوطن فيها وأصبح يمثّل خطراً على هوية دينية خفية، ولكنها موجودة.

الإسلام السياسي وصدارة المشهد

تهتم الإدارات السياسية عادة بانتظام حركة الاجتماع وعدم وجود حالات انقسام أو عنف اجتماعي في محيطها، وهذا ما يجعل معظم الدول التي تستضيف مهاجرين وفق متطلباتها وحاجاتها إلى الموارد البشرية، تعمل على اندماج الوافدين من مجتمعات ذات ثقافات مختلفة في بناءها الثقافي والاجتماعي، وتُعد أولى العقبات التي اكتشفتها هذه التنظيمات حركات الإسلام السياسي؛ وذلك لامتلاكها تاريخ متخيل تسعى إلى فرضه على هذه المجتمعات ودمجها فيه، دون الانتباه للطبيعة البشرية المختلفة التي تفضي إلى الاختلاف الثقافي والاجتماعي، ويُعد هذا سبباً أيضاً في عدم قابليتها في الاندماج داخل المجتمعات المسلمة نفسها.

ويتضح عدم اندماج هذه الجماعات في سلوكها؛ ابتداء من اقامة الطقوس الدينية في المجال العام دون الانتباه لتعارضه مع القانون الأوروبي، ودعواتهم لإقامة الخلافة في بريطانيا كما فعل “حزب التحرير” على سبيل المثال، وما تعبر عنه هذه المحاولات من رغبة في دمج هذه المجتمعات دخل إطارها الثقافي والعقائدي، الذي هربت منه إلى هذه الدول، وما يمثله هذا من تهديدٍ واضح على ثقافة هذه المجتمعات التي ترى ميزتها في الفردانية واحترام الحقوق والحريات، وما يعنيه هذا من تحديد لحقوق الآخرين بأن يكونوا كذلك، وسلبهم لحرية اختيار اختلافهم.

ويُعد خرق القوانين الأوروبية من إقامة الشعائر الدينية في المجال العام، وحركات الأسلمة المعتادة من جماعات الإسلام السياسي، سبباً كافياً لتصدر هذه الجماعات المشهد داخل الحراك الأوروبي ويجعلها تمثّل تهديداً على هذه المجتمعات، ويزداد التهديد في خطابات جماعات الإسلام السياسي للمسلمين، وتصريحاتهم للصحافة وارتباطه بما يقومون به تحت نظر استخبارات الدول الأوروبية، حيث تدعو الجماعات الاسلامية إلى “الجهاد” وتحث الشباب للسفر إلى الشرق الأوسط العربي للقتال هناك.

وحثّ الشباب على الجهاد يمثّل تهديداً أمنياً دفع معظم الدول الأوروبية للسعي نحو الإشراف على عملية تعيين أئمة المساجد وتدريبهم، واتخاذ ما يمكن أن يطلق عليه الإجراءات الاحترازية التي تعبّر عن خوفهم من الجاليات المسلمة في هذه الدول وما يمكن أن تمثّله من تهديد على هذه المجتمعات، خاصة في حال خضوعها لعملية الأدلجة التي تقوم بها جماعات الإسلام السياسي.

الإسلام السياسي وبناء صورة المسلمين بأوروبا

في تصريح للباحث السوري المقيم بكندا أحمد اليوسف خصّ به “الحل نت” أكد على أن الإسلام السياسي له دور كبير في بناء صورة الغرب عن الإسلام، وذلك عبر إعلانه حالة الخصومة الحضارية مع الغرب الأوروبي، وحالات الجهاد والعنف التي تقوم بها هذه الجماعات ومنها العنف الرمزي من خلال الاعتداء على المجال العام من خلال إقامة الشعائر في الأماكن العامة، وتعطيل حركة المجتمع الداخلية، ووضع هذا عقبات أمام الجاليات المسلمة، حيث رسخت هذه الجماعات صورة عنيفة عن الإسلام جعلت المسلمين مطالبينَ أكثر من غيرهم بنفي العنف عنهم، وإثبات إدانته على كافة الأوجه، وجعل تعاطفهم في العديد من الأحيان ما ينظر إليه على أنّه تعاطفٌ انحيازي أكثر مما هو إنساني.

ضحايا الإسلام السياسي في البلدان العربية معروفة، فكلما كان هناك تسيساً للدين كلما كانت هناك كوارث.

وحسب تصريح للباحث والأكاديمي السوري الفرنسي خلدون النبواني وجّهه لموقع “الحل نت”، فالإسلام السياسي له مستويات عديدة، فحين يكون الحديث باسم الإسلام السياسي ومواجهة خطر الإسلام السياسي، وهو يمثّل خطر حقيقي سواء في أوروبا أو في أي مكان عربي إسلامي، وضحايا الإسلام السياسي في البلدان العربية معروفة، فكلما كان هناك تسيساً للدين كلما كانت هناك كوارث، ويتم أيضاً التمييز بين مستويات الإسلام السياسي، فـ”حزب الله” على سبيل المثال حين تم اتهامه تم الفصل بين الجناح العسكري والجناح السياسي وتم تبرئة الجناح السياسي إلى حدّ ما لصالح الجناح العسكري، ولكن يظل بالعموم الواجهة السياسية الإسلام السياسي المدخل لمحاربة خطر الإسلام السياسي على أوروبا وعلى الثقافة الأوروبية.

وأردف النبواني، أن “الاستغلال الأوروبي للإسلام السياسي هو كلمة حق يُراد بها باطل؛ هناك خطر يمثله الإسلام السياسي دون أي شك في أي مكان وجد فيه، مثله مثل أي تسييس للدين، ولكنه أيضاً يمثل المدخل لمحاربة الإسلام المطلق بوصفهِ دين يعتبرونه ليس مستوطناً في أوروبا حتى البلدان العلمانية، فحين يتحدثون عن الأصل الديني في فرنسا يتحدثون عن أصل مسيحي، أو يهودي، وكأنهم ينسون أن هذا الأصل جاء من نفس المكان الذي جاءت منه هذه الديانات؛ أي من الشرق الأوسط سواء كانت المسيحية أو اليهودية”.

والواقع أن حالة الإسلاموفوبيا لديها ما يبررها من عمليات الإرهاب والعنف المتتالية حول العالم، واتضح هذا للعالم بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر التي نبّهت العالم لخطر الجماعات المسلحة، ولكنها في الوقت عينه تعمل على الخلط بين تيارات الإسلام السياسي وجموع المجتمعات المسلمة، ليصبح كل مسلمٍ إرهابي إلى أن يثبت العكس، وللإعلام الأوروبي دور أيضاً في تضخيم حالة الإسلاموفوبيا إلى هذا الحد، في الوقت الذي لا يمكن أن نبرأ فيه الإسلام السياسي وجرائمه من صياغة هذه الصورة عن الإسلام.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات