في بلد غارق في الظلام، يبدو أن تجارة الضوء باتت وسيلة التجار لامتصاص آخر ما في جيوب السوريين، فسوريا، تلك الأرض الغنية بثروات الطاقة، تشهد صراعاً خفياً على “ذهب العصر الحديث”: الكهرباء.

مع ازدياد شحّ الكهرباء وانقطاعها المتكرّر، تحوّلت تجارةُ الضوء إلى كنز مُربح، يجذبُ التجار من مختلف أنحاء البلاد. فمن شواحن الهواتف إلى الليدات والبطاريات، وصولًا إلى ألواح الطاقة الشمسية، تتنافس الشركات والمستثمرون على الاستحواذ على حصة من هذه السوق المزدهرة.

ولكن، ما أسرار تجارة الضوء؟ وهل تستغلّ بعض الجهات هذه الأزمة لتحقيق أرباح فاحشة على حساب معاناة الشعب؟

خبايا تجارة الكهرباء في سوريا

مع ازدياد شحّ الكهرباء في سوريا، اتّجه الكثير من المواطنين إلى تركيب ألواح الطاقة الشمسية لإنارة منازلهم والتخلّص من حالة العتمةِ.

وفي سبيل تشجيع هذا الاتّجاه، قدّمت الحكومة قروضا من دون فوائد لتركيب الطاقة الشمسية، تتراوح قيمتها بين 20 و35 مليون ليرة سورية، بأقساط شهرية تتراوح بين 100 و250 ألف ليرة.

لكنّ ما لم تُعلنه الحكومة هو أنّ هذه القروض أصبحت فرصة ذهبية للتجار لتحقيق أرباح فاحشة على حساب حاجة الناس للكهرباء.

فقد استغلّ بعض التجار هذه الأموال الهائلة التي تمّ ضخّها عبر صندوق الطاقة المتجدّدة، واستثمارها في مشاريع تركيب الطاقة الشمسية، مُحقّقين بذلك أرباحاً خيالية.

ولكنّ هذه الأرباح لم تأتِ من فراغ، بل من خلال استغلال احتياجات الناس وظروفهم الصعبة. فقد فرض بعضُ التجار شروطاً مُجحفة على الراغبين في تركيب الطاقة الشمسية، كتقديم دور المستفيد على المنصة الإلكترونية لصندوق الطاقة المتجدّدة بمبلغ يصل إلى نصف مليون ليرة.

وإضافةً إلى ذلك، فإنّ فواتير التركيب تُكتب بخطّ اليد، ممّا يُتيح مجالا واسعا للتلاعب بالأسعار وتحقيق أرباح غيرِ مشروعة.

ويزداد الأمر سوءاً عندما يُقدّم بعضُ التجار عرضاً مُغرِيا للراغبين في الحصول على القرض دون تركيبِ الطاقة الشمسية، مقابل رشوة مالية كبيرة تُدفع لأصحاب شركات التركيب. وهذه الممارسات المُشبوهة تُهدّد بانهيار مشروعِ الطاقة الشمسية في سوريا، وتُحوّله من مشروع لإنقاذ المواطنين من أزمة الكهرباء إلى أداة لتحقيق أرباح فاحشة على حسابِهم.

ضوء الأغنياء

بينما تُضيء الأمبيرات منازل الأغنياء في سوريا، يظلّ الفقراء غارقين في ظلمة العتمة، يُصارعون ارتفاع أسعار الإضاءة البديلة وشحّها.

فمع انقطاع الكهرباء المتكرّر، اتّجه الكثير من السوريّين إلى استخدام “الأمبيرات” أو “نور الأغنياء” لإنارة منازلهم. لكنّ هذه الحلول، على الرغم من فعاليتها، تبقى باهظة الثمن بالنسبة للفقراء، ممّا يُفاقم من معاناتهم ويُؤكّد على اتّساع الهوّة بين الطبقات الاجتماعية.

ففي حينِ يُمكن للأغنياء الاستثمار في نظام الأمبيرات الذي أثار الجدل مؤخرا، وتحقيق الاكتفاء الذاتيّ من الكهرباء، يضطرّ الفقراء إلى شراء الليدات والمدّخرات الصغيرة من سوق الكهرباء في دمشق.

لكنّ أسعار هذه المنتجات ارتفعت بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة، ممّا جعل من الصعب على الفقراء توفير الإضاءة الأساسية لمنازلهم.

فمثلاً، تُكلّف إنارة ليد واحد في المنزل لمدة عام كامل نحو 240-250 ألف ليرة سورية، دون احتساب تكلفة الشاحنِ.

ويزداد الأمر سوءا مع بطاريات الأمبيرات، حيث تُكلّف بطارية 14 أمبير، التي تُتيح إنارة 3 ليدات، حوالي 400 ألف ليرة في العام. ولكنّ هذه المدخرات لا تدوم طويلا، حيث تُصبح إضاءتها ضعيفة بعد الأسبوع الأول من الاستخدام.

وتحتاج العائلة في الحدّ الأدنى إلى مدّخرتين من قياس 14 أمبير في العام، أي بحدود المليون ليرة سورية، مع احتساب تكاليف الشواحن. وإذا ما أضفنا إلى ذلك ارتفاع أسعار الوقود، فإنّ تكلفة تشغيل “نور الأغنياء” تصبح باهظة للغاية بالنسبة للفقراءِ.

فساد يُعيق الاستثمار

اللجنة الاقتصادية في رئاسة مجلس الوزراء أصدرت توصية تنصّ على فرض ضميمة على ألواح الطاقة الشمسية المستوردة بقيمة 25 دولارا لكل لوح، من أجل “دعم وتشجيع وحماية الصناعات الوطنية، وخاصة القطاعات التكنولوجية وذات التقانات الحديثة”.

بائع سوري يرتب التفاح في كشك لبيع الفاكهة وسط انقطاع مستمر في الكهرباء - إنترنت
بائع سوري يرتب التفاح في كشك لبيع الفاكهة وسط انقطاع مستمر في الكهرباء – إنترنت

في الأسواق السورية، تتجلى ملامح اقتصاد أسود من خلال تجارة المدّخرات المستعملة التي تشهد ازدهاراً لافتاً، حيث يصل سعر الكيلوغرام الواحد من البطاريات التالفة إلى 15 ألف ليرة سورية. وتتردد أصداء المبادرات الرامية لإعادة تدوير هذه البطاريات وإعادة طرحها في الأسواق كنموذجٍ لاقتصاد التدوير.

في هذا السياق، يُسلّط المهندس علاء الدين الهيب، الخبير المعتمد في مجال الطاقات المتجددة والبيئة، الضوء على ثروات سوريا الطاقية الكامنة، مُعرباً عن استغرابه للظلام الذي يخيّم على البلاد رغم غناها بمصادر الطاقة المتنوعة. ويُلاحظ أن أسعار الكهرباء في سوريا تفوق تلك في الدول المجاورة، وتبقى الأسباب موضع تساؤل.

ويُشير الهيب، إلى تنوع مصادر الطاقة في سوريا، من الشمس والرياح، إلى إمكانيات إعادة تدوير النفايات الصلبة كما يحدث في السعودية، وذلك ضمن مشروعات طموحة لإدارة النفايات وتوليد الطاقة الكهربائية. 

كما تُعد الطاقة المستخلصة من تحويل البلاستيك والمطاط إلى وقود سائل، وكذلك تلك الناتجة عن معالجة مياه الصرف الصحي، من الأمثلة البارزة على الابتكار في مجال الطاقة. وعلى الرغم من وجود مخزون كبير من السجل الزيتي الذي يُستخدم في توليد الكهرباء، والذي يُولّد منه 600 ميغاواط في الأردن، إلا أنه في سوريا يبقى هذا المورد الثمين دون استغلالٍ يُذكر.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات