إن مفهوم التجارب الزمنية عادة مايحددها الفعل الإنساني وفق السياق العام الذي يقوده بالأساس الجانب  السوسيوسياسي لمرحلة زمنية معينة والتي تتولد بالضرورة عن التجارب السابقة وتحددها الانتظارات المستقبلية مما يخلق تجربة جديدة ترسم عتبة تاريخية مغايرة عما كان سابقاً، أي نستحضر هنا مكوّنان زمنيان؛ الماضي والمستقبل وكيف يعمل الحاضر على إعادة بلورتهما بما يوافق المأمول أو المنتظر، إن هذه القراءة أو هذا المنظور الزمني للفاعلية البشرية في التاريخ تختلف بشكل تام عن التأويل العام الذي يؤطره الفكر التأصيلي عند جُلّ الجماعات الإسلامية، وهو تأصيل يضع الصيرورة التاريخية المنفتحة على أفق الإبداع البشري وفق صيرورة منغلقة على نفسها، مما يجعلنا نتساءل: ألا يعكس هذا التأويل نفياً لمفهوم الصيرورة الزمنية مما يعطل قيمة وقوة وكذا فاعلية الاجتهاد الذي يظل مقيّداً بشكل قبلي؟ أليست عملية رسم السقف الزمني في تجربة بعينها نفي وتقزيم لغيرها؟ ألا يعني ذلك أن هناك ترادف ما بين التجربة الزمنية والفاعلين فيها؟ 

يحضر مفهوم الزمن عند جلّ الحركات الدينية الإسلامية بما هو مسار دائري تراجعي نحو مركز محدد في التجربة النبوية الأولى وما تلاها من اجتهادات لا يعدو أن يكون مجهوداً للسير على نهجها أو على الأقل تجنّب الخروج عن قطرها الدائري، ففي الحقيقة هذا المسار الزمني هو مكتف بذاته ولا يحتاج لغيره، وهذا الاكتفاء بالضبط هو من يحقق قدسيته، هذا الاكتفاء هو شبه انغلاق أمام أي أفق مستقبلي أو توجه تقدمي خارج هذا المركز، مما يكسبه قدسية ترتبط بزمنيّته الكلية التي يقدمها النموذج الماضوي وهي قدسية ترسم ديمومة زمنية.

إذ لا يعتبر هنا التجربة الأولى تجربة لبداية بشرية إزاء نص ديني قد يترتب عنها توالي تجارب أخرى أو قد تنسل منها أو تتجاوزها أو تتساوى معها تجارب زمنية مختلفة لعدة مفهومية دينية وسياقية متجددة، بقدر ما تعبّر عن تجربة مقدسة وجب السير على غرارها قدر الإمكان، إذ نجد أنفسنا هنا إزاء معجم مفهومي خاص يعتبر فيه مفهوم الماضي بما هو أقوى لحظات الوجود الديني في التاريخ الإسلامي، أما الحاضر والمستقبل فما هو إلا لحظة تابعة لهذا الماضي دون أن ترقى لمرتبته، فالتجربة النبوية هي قمة التقدم الممكن مما يرسم دلالة تراجعية للمستقبل في ذهن المسلم يصل حد التدليل عليه من خلال النص الديني، فالتقدم في الزمن يرادف التراجع الديني والإيماني للمسلمين، بل إنها من علامات الساعة الموعودة، فنصير أمام منهجية دينية تلغي قيمة المستقبل وتوكل للحاضر مهمة تعطيل الوصول إليه، ومن ثمة تغيب قيمة الاجتهاد البشري خارج الاجتهاد البشري المسطر مسبقاً.

إنه أشبه بمسار دائري يدور حول البؤرة المركزية بماهية أفقه النموذجي والمستقبلي، هنا لا يوجد تكرار بقدر ما هي محاولات لاسترجاع المركز بما هو مقياس لكل سياق ولحظة زمنية بعده، مما يفقد الفعل الزمني قيمته ومعقوليته وكذا جدواه. 

إن الحركات الإسلامية تعيش ضمن نكران للواقع الذي تعيش وفقه وتنتفع من سياقه التقدمي، فهي في الغالب تحاول أن تقرأه من خلال سقف الأصل الديني للتجربة الزمنية الأولى. مما عمل على صبغ الأصل الديني بقدسية عملت على رفعه عن التاريخ أو إخراجه من التاريخ. الأمر الذي يجعل من التجارب الزمنية اللاحقة مجرد مراحل تراجعية وتقدميتها ترتهن بشكل أساسي بمدى قدرتها على استلهام التجربة الأولى، إذ يمثل الحاضر لحظة لاحتباس زمني. الأمر الذي يحصر عمل الحركات التأصيلية في رصد هذا المسار، عبر امتهان بشكل ممنهج وموجه مهنة إيقاف -قدر المستطاع- أي توجه قد يبتعد عن المركز المنشود، الأمر الذي يجعل المعركة الأساسية في غياب القدرة على مواجهة توجهات السلطة بشكل مباشر ومعلن، هي الدخول في معارك علنية مع جل التيارات التي تسير أو تستلهم المسار التقدمي في نموذجه الغربي. 

وهو ما يجعل أي عملية نقدية لهذا التوجه تعكس طابعاً سلبياً، لأنها لا تنتقد في عرفهم الوصاية التأويلية الممارسة من قبلهم على مفهوم الارشاد الديني في المجال الدنيوي، بل تنتقد الأصل الديني نفسه وتسعى بالنهاية لنفيه أو الخروج عليه والإتيان ببديل له، فيسهل بالتالي رمي كل المخالفين بالكفر والإلحاد أو توجيه لائحة تصنيفية سطحية تنطلق من زاوية أيديولوجية محضة هدفها الأول السعى للحد من الهروب أو الابتعاد عن الأصل الديني للتجربة الزمنية الأولى كما يقدمونها. 

نحن إذن، أمام فكر منغلق على ذاته يسلك طريق حجاب الجهل عن قصد هجومي يستبق أي إمكان لفتح أفق مستقبلي داخل الدائرة المغلقة سلفاً.

وبما أن الحاضر هو تجربة زمنية لا توافق توجهات هذه الجماعات التأصيلية فإن الوصاية الدينية تستوجب خلط وتوريط الكل، لنقل إنها أيديولوجيا لازمنية تحاول كل مرة التشويش على التوجهات المخالفة انطلاقاً من عملية تكفيرية ترفع سقف الاتهامات المعيارية مثل: الموازاة بين التنوير و الكفر والعلمانية والإلحاد.

ووجب التذكير هنا أن هذا المعجم المستعمل من طرف هذه التيارات هو في الغالب معجم وهمي لمفاهيم تم ملؤها بشكل تعسفي وأيديولوجي بما يخدم توجهات هذه الجماعات، فكأن هذه التوجهات تواجه التيار العلماني بما هو بديل عن السلطة وكأن العكس أيضاً صحيح، فلعدم قدرتها على مواجهة السلطة بشكل مباشر تعمل بالمقابل على اقتناص كل المعارك الوهمية مع التيارات المخالفة لها، باعتبار أنها توجهات تخرج عن المركز أو ترسم تجربة زمنية تخرق حدود الدائرة المتوافق عليها، فصفة المسلم ترادف الانتماء إلى هذه الدائرة وما عدا ذلك يسقط صفة الانتماء هذه.  

يبدو أن الحركات الإسلامية الأصولية تستغل بشكل وظيفي ومعياري جيد الالتباس المفهومي لبعض المفاهيم التي يتم حصرها غالباً في دلالة سلبية لاستعمالها كسلاح لشحد الوعي الشعبي ورفع منسوب التعاطف الجماهيري، وهو التباس ساهمت فيه حتى التيارات اليسارية نفسها، مما خلق معركة وهمية أساسها التواجد على طرفي النقيض، كأننا في خضم لعبة جوهرها الأساسي هو شد الحبل بين الطرفين، حد نفي الآخر أو تحقيق الغلبة عبر إفراغ الفضاء العمومي من الآخر المخالف، ما ينتج عنه إطالة عمر المعركة والإبقاء بالتالي على الصيرورة التاريخية في نمطها الدائري.

في المقابل أن المثير في الأمر هو ما تولده هذه المعارك من ردود أفعال لدى بعض التيارات المحسوبة على التنوير أو العلمانية حيث تدخل طواعية إلى دائرة التبرير وإعادة بناء الخطاب التنويري وفق القالب الإسلاموي، مما يفقد بالنهاية هذه التيارات مصداقيتها الشعبية ويعيد بريق حماة المقدس.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
3.8 5 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات