“بوصفي باحثة في السياسات الدفاعية وخبيرة في مكافحة الإرهاب، أشعر بالقلق من أن السودان يخاطر بالتحول إلى معقل لتنظيم القاعدة – وقاعدة محتملة لتنسيق الهجمات على الولايات المتحدة وحلفائها. فاستيلاء قوات الدعم السريع المحتملة على السلطة في السودان يمكن أن يعكس أفغانستان ما قبل 11 أيلول/ سبتمبر، حيث سهلت سيطرة طالبان صعود تنظيم القاعدة” هذا ما قالته الباحثة في سلوكيات الدولة والجهات الفاعلة غير الحكومية العنيفة، والحرب غير المتكافئة، والعنف السياسي، والجماعات المسلحة، والتطرف العنيف العابر للحدود الوطنية، والإرهاب، سارة هرموش، في تقرير نشرته مؤسسة “ذا كونفرسيشن” الأميركية عن انزلاق السودان في الحرب وتمهيد الأرضية لتنظيم “القاعدة” في السودان.

ويعد ما قدمته هرموش بمثابة إنذار خطر للولايات المتحدة الأميركية بشكل ٍخاص وللعالم أجمع بشكلٍ عام، فانخراط السودان في حالات العنف غير المعروفة نهايته وانزلاقه نحو حضور تنظيم “القاعدة” يعد نذيراً بحضور التنظيم الإرهابي في قلب الشرق الأوسط وفي دولة محورية، لها ثروات كبيرة ومساحات شاسعة وتضاريس تمكنها من تنفيذ مآربها، وهذا ما يجعلها خطراً على المستوى الإقليمي والدولي.

وللسودان أهمية تاريخية ومحورية بالنسبة لتنظيم “القاعدة”، وهذا ما أوضحته هرموش في تقريرها، واستندت في ذلك إلى التأكيد على أهمية السودان في خطط الجهاد العالمي التي رسمها أسامة بن لادن. وكان هذا واضحاً في تسجيلاته الصوتية ومذكراته الصادرة عام 2006 والتي أشار فيها إلى السودان كقاعدة عملياتية محورية.

وبدأت هرموش تقريرها المعنون بتحذير من أهم قادة تنظيم “القاعدة”، أبو حذيفة السوداني، حين قال في تشرين الأول/ أكتوبر 2022، “لقد حانت لحظة السودان فالفوضى هي فرصتنا لزرع بذور الجهاد”. وأوضحت أن هذه الكلمات كانت سابقة لأوانها عندما قالها أبو حذيفة، لكن بعد عام من الصراع والحروب الأهلية لا يبدو الأمر كذلك، وهي الآن تعبر عن مخطط يتم تنفيذه وبدأت بوادرها في الظهور.

مخطط “القاعدة” في السودان

“السودان بلد توفرت فيه (الشروط الموضوعية) لقيام حرب عصابات ناجحة بإذن الله تعالى. إضافة إلى أنه بلد شاسع المساحة، مترامي الأطراف، متنوع المناخ والتضاريس من جبال وغازات وصحاري، مما يتيح مجالاً واسعاً للحركة والمناورة” هذا ما قاله أبو حذيفة السوداني القيادي المعروف بتنظيم “القاعدة” في السودان نصاً في كتابه “الآن جاء القتال.. رسائل حرب إلى المجاهدين في السودان” المنشور في 19 من شهر تشرين الأول/ أكتوبر عام 2022، عن دار نشر “بيت المقدس” التي تعد أحد المنبر الإعلامية للتنظيم الإرهابي العالمي.

مسلحون من أنصار المقاومة الشعبية الداعمة للجيش السوداني في القضارف بشرق السودان-“أ.ف.ب”

وبحسب ما يعلنه أبو حذيفة السوداني في كتابه، فإن الفوضى هي البوابة التي سيمر من خلالها لإقامة خلافته المزعومة في السودان، فالفوضى وغياب القانون لهما العديد من المزايا للجماعات الجهادية، لأنها تمكنها من ارتكاب الجرائم والبقاء مع الإفلات من العقاب. ولا تظهر هذه الجماعات الإرهابية، وتطفو على السطح إلا في أوقات الحروب والنزاعات، أي بظل وجود الفوضى.

ووفقاً لما صرح به أبو حذيفة في كتابه، فإن حرب العصابات هي إحدى أهم أدواته في السودان، وهذا ما عبر عنه بقوله: “السودان بلد توفرت فيه (الشروط الموضوعية) لقيام حرب العصابات بإذن الله تعالى” وهذا يعني أن هذا هو رهانه الأول، ثم يأتي بعد ذلك اتساع مساحتها وتضاريسها التي تمكنه من عمليات الكر والفر. ويقف خلف هذا الكتاب إعلان تنظيم “القاعدة” بحلول ساعة السودان وهذا ما كان واضحاً في عنوان الكتاب “الآن جاء القتال” وكأنه يقول قد حانت لحظة السودان.  

وبحسب ما يعرضه هذا الكتاب من الحث على الجهاد والخطط الأولية لذلك، فإنه يضع التحريض على الفوضى وحرب العصابات كأولوية في خطته، والفوضى التي تسود السودان الآن، وحالات القتل والدمار الموجود على مسرح السودان اليوم، وحرب العصابات المنتشرة في كل أنحاء السودان. وتعطي هذه الأمور مؤشرات على أن تنظيم “القاعدة” حاضر بشكل واضح في هذه الفوضى، إن لم يكن بالجنود، فمن خلال التحالف مع التيارات الإسلاموية الموجودة في السودان، خاصة وأن الجماعات الإسلامية تلعب دوراً كبيراً في حرب السودان.

تعزيز حضور الجماعات الإرهابية بالسودان

في نيسان/ أبريل 2023، اندلع القتال في السودان بين الجيش السوداني و”قوات الدعم السريع” شبه العسكرية، الأمر الذي شكّل فراغاً في السلطة يتطلع المتطرفون إلى ملئه.

وفي الوقت نفسه، تعمل “قوات الدعم السريع” -وهي المجموعة التي تطورت وكانت في السابق متحالفة مع الرئيس السوداني السابق عمر البشير، المعروف بإيوائه لتنظيم “القاعدة”- على تعزيز قبضتها على مناطق استراتيجية مثل دارفور وجنوب الخرطوم.

والواقع أن كلاً من هذه الجماعة شبه العسكرية وقوات الجيش السوداني، متهمة بتجنيد مقاتلين إسلامويين، الأمر الذي يغذي المخاوف من أن الحرب الأهلية ــ بغض النظر عن المنتصر ــ سوف تثبت موطئ قدم للجماعات المتطرفة.

والمعهود من الجماعات الإرهابية وجودها ونشاطها في ظل الفوضى، ولها تاريخ حافل بصناعة الفوضى والنزاعات والحروب واستغلالهم، وهذا ما تسعى إليه “القاعدة” اليوم وأصبحت المؤشرات تذهب نحو حضورها في السودان، خاصة بعد سيطرة “قوات الدعم السريع” على مناطق استراتيجية بالسودان.

ووفقاً لتقرير قدمته وكالة “رويترز” بتاريخ 28 يونيو/ حزيران عام 2023 فحضور الإسلامويين في حرب السودان وتجنيدهم موجود داخل الجيش السوداني و”قوات الدعم السريع”. وذكر التقرير بأن: “ثلاثة مصادر عسكرية ومصدر مخابرات قالوا إن آلاف الرجال الذين عملوا كعناصر مخابرات في عهد الرئيس السابق عمر البشير ولهم علاقات بحركته الإسلامية يقاتلون إلى جانب الجيش في حرب السودان، مما يعقد الجهود. لإنهاء سفك الدماء في السودان”.

إن “الحصول على معقل سوداني يمكن أن يؤدي إلى تمكين الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة في جميع أنحاء اليمن والصومال ومنطقة الساحل، مما يؤدي إلى تفاقم الصراعات الإقليمية وتهديد طرق التجارة الحيوية في البحر الأحمر”.

الباحثة في شؤون الجماعات الإرهابية، سارة هرموش

وللأهمية المعروفة للسودان بالنسبة لتنظيم “القاعدة” فإن حضور التنظيم الواضح في الظروف الحالية لم يعد بعيداً كما كان قبل ذلك، خاصة أن ما يحدث في السودان يعد فرصة ذهبية لقيادات تنظيم “القاعدة” الإرهابي لتحقيق ما لم يتم تحقيقه في الشرق الأوسط. ويعكس مدى أهمية السودان بالنسبة للتنظيم، تخصيص بن لادن 12 مليون دولار من مجمل ميراث تركه يعادل 29 مليون دولار حسب ما تذكر وكالة “البي بي سي” وهو ما يقرب من نسبة 40 بالمئة من مجمل ما تركه.

هذا ما كشف عنه منشور صادر عام 2023 عن شخصية بارزة في تنظيم “القاعدة” يدعى إبراهيم القوصي بعنوان “شظايا من تاريخ القاعدة” أن بن لادن وجه استثماراً بقيمة 12 مليون دولار أميركي فقط للجهاد في السودان، مما يسلط الضوء على العلاقة المستمرة للمنطقة بأهداف “القاعدة”.

السودان مركزاً للإرهاب

وفي التقرير الذي تقدمه مؤسسة “ذا كونفرسيشن” والمعنون بـ”انزلاق السودان إلى الفوضى يمهد الطريق أمام تنظيم القاعدة للعودة إلى معقله التاريخي”، تقول الخبيرة في شؤون الإرهاب، سارة هرموش، إن “الحصول على معقل سوداني يمكن أن يؤدي إلى تمكين الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة في جميع أنحاء اليمن والصومال ومنطقة الساحل، مما يؤدي إلى تفاقم الصراعات الإقليمية وتهديد طرق التجارة الحيوية في البحر الأحمر”.

وشددت هرموش على جاهزية السودان لأن يكون مركزاً للإرهاب العالمي ويأخذ دور أفغانستان فيما يتعلق بتنظيم “القاعدة” ويعود إلى معقله التاريخي. وسيمكنه السودان من السيطرة على الملاحة والتجارة، والتواصل مع فروع المنظمة الأخرى في المنطقة. ويشير إلى اهتمام تنظيم “القاعدة” في اليمن مؤخراً بالأسلحة والمعدات البحرية، وهو ما يعطي إشارة، مع كل الإشارات الأخرى، نحو تحرك “القاعدة” إلى السودان في ظل اهتمام الولايات المتحدة بالحروب الأوروبية والشرق أوسطية.

فوضع السودان في أسفل قائمة الأولويات يجعل تنظيم “القاعدة” يعمل في السودان ويطور من أدواته وحضوره في غفلة من الولايات المتحدة الأميركية والقوى الدولية عنه، وخطر تواجد “القاعدة” في السودان ربما يتعدى خطر وجود “داعش”، أو سيطرته على أفغانستان، فموقع السودان وموارده وثرواته وتضاريسه واتساع مساحاته تجعل منه بؤرة تنطلق منها العمليات الإرهابية نحو العالم، ومخبأ متميز بالنسبة للجماعات الإرهابية.

وهذا ما أكد عليه أبو حذيفة السوداني في كتابه “الآن جاء القتال.. رسائل حرب إلى المجاهدين في السودان”، ويتضح أن تنظيم “القاعدة” ينظر إليه بعين الاعتبار، ويخطط لإقامة دولته الجديدة في السودان.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات