ثمة تصاعد ميداني ترتفع درجة حرارته كل ساعة، فيما بين “حزب الله” وإسرائيل على تخوم الجبهة اللبنانية، إذ تتحرك تل أبيب في خط تصاعدي منذ لحظة السابع من تشرين الأول/أكتوبر الفائت مع عملية “طوفان الأقصى”، واعتبار أن اجتثاث القوة العسكرية لحركة “حماس” و”حزب الله” هدفٌ استراتيجي، لن تحيد عنه حكومة الحرب في إسرائيل.

من خلال ذلك ألمحت الأخيرة غير مرّة بقدراتها الميدانية التي تمكّنها من استهداف الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله، واعتبرت أن تجاربها في استهداف القيادات النوعية لجماعات إيران وميلشياتها وقادة “الحرس الثوري” خيرُ دليل على جدّية حديثها، بيد أن صوت آخر يلفت أن الأمر كله لا يتجاوز معادلة الحرب النفسية التي يعمل عليها كل طرف من خلال نقطة شديدة الحساسية. 

السؤال الذي نناقشه في هذا التحليل: ما جدّية إسرائيل في استهداف حسن نصرالله، وهل باتت نهايته وشيكة؟

طاقم أمني مدرّب في روسيا

ذكر موقع “ايبوك” الإسرائيلي، أن حسن نصرالله غيّر مكانه بعد تلقيه تحذيراً من المخابرات الإيرانية بأن إسرائيل تنوي قتله. وأنه رفض عرضاً إيرانياً بالانتقال مؤقتاً إلى العاصمة الإيرانية طهران حتى نهاية الحرب.

صاحب متجر للهدايا التذكارية يعرض نظارات مزينة بصور حسن نصر الله، زعيم جماعة حزب الله الشيعية في لبنان، في ضاحية بيروت الجنوبية في 12 مايو 2016. (باتريك باز /أ ف ب)

جاء ذلك الحديث ليلفت بشكل أو بأخر عن مدى الاختراق الذي حققته تل أبيب في هيكل “حزب الله”، الأمر الذي يطرح سؤالاً عميقاً حول مدى حقيقة تلك التهديدات وهل تمثّل مساراً في إطار الحرب والضغوط النفسية المتبادلة بين الجانبين، ومقاربة معادلة الردع الاستراتيجي، أم أن الضغوط الميدانية قد تدفع آلة الحرب لنقطة الصدام العنيف من خلال تلك العمليات النوعية في العمق.

لا شك أن التقديرات الواقعية حول ما صرحت به إسرائيل نحو قدرتها على تنفيذ عملية اغتيال تطال زعيم “حزب الله” حسن نصرالله، تقع ما بين حدود الحرب النفسية والتهديد الجاد، خاصة أن ثمة مماثلات استهدفت قادة ميدانيين بارزين. بيد أن القرار السياسي الذي يدفع منحى التنفيذ خطوة للأمام هو محل الاشتباك والسؤال الحقيقي والموضوعي ونقطة الفصل الحقيقة في الأمر. 

في المقابل تتولى وحدة النخبة التابعة للأمن الداخلي لـ”حزب الله” حماية حسن نصرالله. وتمثل عناصر تلك الوحدة مجموعات فاعلة ومحترفة وتلقوا تدريبات وتأهيل خاص في مراكز تدريب متقدمة في روسيا وبلغاريا، وفي معسكرات “الحرس الثوري” الإيراني، حيث يصل عددهم لـ 150 رجل وهم مدرّبون بشكل أمني وعسكري متميز.

بينما طاقم الحماية الشخصي لأمين عام “حزب الله”، يأتي تعداده نحو 20 حارس أمن من ذوي الخبرة والقوة المخلصين الذين تم تدريبهم لهذه المهمة فقط، وهم يرتدون دائماً لباس موحد وسترات واقية. 

وفي الآونة الأخيرة، تم تعزيز الترتيبات الأمنية حول حسن نصرالله عقِب التحذيرات الإيرانية بأن إسرائيل تخطط لاستهدافه، وقد طلبت منه إيران الانتقال إلى العاصمة طهران لحمايته، بيد أنه رفض ذلك بشدة، بحسب ما تناقلته تقارير صحفية وإعلامية.

تساقط قادة “حزب الله”

نفذت إسرائيل، قبل أيام قليلة، عملية عسكرية نوعية استهدفت من خلالها القائد العسكري في “حزب الله” محمد نعمة ناصر الملقب بـ”الحاج أبو نعمة”، وذلك من خلال استخدام مسيّرة إسرائيلية طالت سيارته في منطقة الحوش بمدينة صور جنوبي لبنان. 

شاشة تلفزيونية في مخيم البرج للاجئين الفلسطينيين تبث خطاباً للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في 5 يناير/كانون الثاني 2024 في بيروت، لبنان. (تصوير مروان طحطح/غيتي)

وقد ذكر “حزب الله” في بيان له أن “الحاج أبو نعمة” من مواليد عام 1965 في بلدة حداثا جنوبي لبنان ونعاه بوصفه “شهيداً على طريق القدس”. يمثل ناصر/الحاج أبو نعمة، أحد القادة العسكريين البارزين ويضطلع بتوجيه العمليات العسكرية التي تستهدف الجيش الإسرائيلي من خلال الطائرات المسيّرة أو الصواريخ أو العمليات المركّبة، وكان يتولى قيادة “وحدة عزيز” المسؤولة عن القطاع الغربي.

يتمركز “حزب الله” نحو تقسيم قواته العسكرية في لبنان من خلال خمس وحدات تعمل ثلاثة منها في جنوب لبنان، وهي وحدات “بدر” و”نصر” و”عزيز”، وكانت كل وحدة منها تعمل على مستوى القطاعات الغربي والأوسط والشرقي. 

وتُكلّف كل وحدة بتنفيذ العمليات العسكرية فيها وذلك قبل التصعيد مع الجانب الإسرائيلي المرتبط ببدء العمليات العسكرية والميدانية على قطاع غزة. بل يُعتبر “الحاج أبو نعمة” ثاني أهم مسؤول عسكري في “حزب الله” تغتاله القوات الإسرائيلية. 

و باغتياله، تل أبيب رفعت سقف التصعيد والتوقعات، حيث شهد الحادي عشر من شهر حزيران/يونيو الفائت، اغتيال القيادي طالب سامي عبد الله الملقب بـ”الحاج أبو طالب” في بلدة جويا بقضاء صور، وهو قائد “وحدة نصر”، ويُعتبر من القادة العسكريين اللافتين الذين استهدفتهم إسرائيل من خلال عمليات ميدانية نوعية.

فكرة التنقل التكتيكي

يبدو منطقياً في تقدير البعض أنه من الناحية الأمنية، قد ترغب إسرائيل باستبدال سيناريو التصعيد العسكري المفتوح مع لبنان بلائحة أهداف منتقاة ومؤلمة لـ”حزب الله” مباشرة، وهو ما يحدث بالفعل خلال الشهور الأخيرة.

حزب الله يُقاتل كجيش نظامي أين المقاومة؟ (1)
أحد مؤيدي حزب الله الموالي لإيران يرفع ملصقًا يظهر جميع مقاتلي حزب الله الذين قتلوا بعد هجوم حماس المفاجئ على إسرائيل في 7 أكتوبر خلال تجمع بينما يبدو أن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله يلقي خطابًا متلفزًا لحزب الله. (مروان نعامني/ وكالة الأنباء الألمانية)

ويمكن تتبّع ترجيح هذا الخيار بالنظر إلى أهمية وخطورة لائحة مَن يسقطون في المواجهات، حيث تجد غالبيتهم من أبرز القياديين الميدانيين لـ”حزب الله” وعناصره وصولاً ربما إلى قرار تصفية رأس الهرم، أي حسن نصرالله نفسه، وهذا سيكون مفترق طرق في معادلة الردع ومسار الحرب فيما بين “حزب الله” وتل أبيب.

قالت مصادر سياسية لبنانية، إن هذا التطور الأمني في ما لو حصل وتم تنفيذه واقعياً على مسرح الإحداث في لبنان سيكون مقارباً لذات العمليات التي نفذتها إسرائيل ضد قيادات “الحرس الثوري”، سواء في لبنان أو سوريا. وتابعت المصادر التي تحدثت لـ” الحل نت”، وفضّلت عدم الكشف عن هويتها، أن هذا السيناريو قد يحظى على عكس سيناريو توسيع الحرب بتفهّم وغطاء أميركي.

ولفتت إلى أنه ينبغي ملاحظة أنه لا أحد يستطيع صراحة نفي هذه المعلومات أو يؤكدها، خاصة أن هذه المعلومات عالية الحساسية وترتبط بالمعلومات الاستخباراتية والأمنية عالية الدقة. 

بالتالي من الطبيعي في سياق الحرب الأمنية والنفسية بين إسرائيل و”حزب الله”، أن يقوم الأخير باتخاذ جملة من التدابير الأمنية، خصوصاً أن إسرائيل كشفت منذ بداية العمليات العسكرية في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، اختراقها لبنية المعلومات داخل ما يسمى بـ”محور الممانعة”، عبر تنفيذ عدد من العمليات النوعية شديدة الحساسية ضد قيادات لافتة سواء على مستوى الصف الأول في “الحرس الثوري” وكذا قيادات عليا في “حزب الله” بالجنوب اللبناني.

إلى ذلك، بدت إسرائيل بوضع متمكنة أمنياً من “حزب الله” بدليل قدرتها على تنفيذ عمليات نوعية، أدت إلى اغتيال عدد من كوادره بشكل محترف ومتقن.

مما يطرح سؤالاً صريحاً وكاشفاً، حول كيف تمكنت إسرائيل من اغتيال هؤلاء الكوادر رغم أنهم لا يحملون هواتف خلوية وينتبهون في كافة تنقلاتهم وتمتّعهم بخلفيات أمنية وتدريبات رفيعة المستوى على التّخفي، فضلا عن فكرة التنقل التكتيكي لهم ولحسن نصرالله.

تصفية نصرالله

أحد القيادات العسكرية اللبنانية، بيّن أن ما أُثير حول مكان أمين عام “حزب الله”، أعتقد أنه يدخل ضمن الحرب النفسية التي يشنّها جيش العدو على الحزب. وتابع في سياق تصريحاته التي خصّ بها “الحل نت”، قائلاً: “لا شك بأن ملاحقة إسرائيل للقادة الميدانيين والنجاح في اغتيالهم، يعتمد على التطور التكنولوجي الذي تتميز به”.

إسرائيل ثالث دولة في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا بعدد الشركات العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي وتطويره. وامتلاكها لأربعة برامج تجسّسيه بالذكاء الاصطناعي لتقييم الأهداف وتحديدها. 

لكن ذلك لا يكفي، إذ إن النجاح بذلك يحتاج إلى وجود القدرة البشرية والعنصر البشري في المكان والزمان المناسبين، لإتمام عملية الاغتيال وهنا يدخل دور العملاء، و أرجح المصدر أن هذا العامل غير متوفر في الدائرة المحيطة بأمين عام حزب الله”. لذلك “أرى أن كل ما أُثير من ضجة تدخل ضمن الحرب النفسية. لأن من يستطيع معرفة هكذا أمور وما يحدث داخل هذه الدائرة، لن ينقلوا الأخبار وما يحدث إلى خارجها”.

حسن نصر الله حزب الله لبنان إيران النظام الإيراني الحرس الثوري فيلق القدس إسماعيل قآاني إسرائيل لبنان
جندي إسرائيلي يرتدي رقعة على ظهر سترته الواقية تظهر زعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله كهدف، يقف أمام مدفع هاوتزر ذاتي الدفع في الجليل الأعلى في شمال إسرائيل. (تصوير جلاء مرعي/وكالة الصحافة الفرنسية)

جدير بالذكر أن جريدة “يديعوت احرونوت” أفادت بأن الموساد يحتفظ بمعلومات دقيقة حول مواقع حسن نصرالله، حتى عندما يغيّر أماكن تواجده ورغم معرفة نصرالله بهذه المعلومة إلا أنه يستمر في قيادة الحزب. 

رئيس الموساد السابق، يوسي كوهين، أكد بأن إسرائيل قادرة على تصفية حسن نصرالله في أي لحظة إذا تم اتخاذ القرار بذلك؛ ولكنها تتجنب ذلك حتى الآن. بل كشفت بعض التقارير الصحفية والإعلامية أن التحذيرات الإيرانية، جاءت بعد اغتيال قائد وحدة “ناصر” التابعة لـ “حزب الله” في جنوب لبنان، حيث أرسلت طهران مبعوثاً إلى لبنان فور وقوع الحادثة. والتقى المبعوث مع مقربين من زعيم “حزب الله” حسن نصر الله في اجتماع مغلق لينقل الأول مخاوف طهران من أن تمضي إسرائيل نحو تنفيذ عملية استهداف ضد نصرالله نفسه.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات