حرب النفط.. ماذا لو قررت إسرائيل الهجوم على منشآت إيران النفطية؟

منشآت إيران النفطية الهجوم الإيراني إسرائيل حرب النفط
منشآت إيران النفطية الهجوم الإيراني إسرائيل حرب النفط

تعهّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بأن إيران “ستدفع الثمن” بعد أن أطلقت طهران ما يصل إلى 200 صاروخ ضد إسرائيل ردّا على اغتيال رئيس حركة “حماس” إسماعيل هنية في طهران، ومقتل حسن نصر اللّه، زعيم “حزب الله”، ومسؤول عسكري إيراني كبير في بيروت وأعمال أخرى مرتبطة بإسرائيل في جميع أنحاء الشرق الأوسط. 

وكما حدث مع الغزو الروسي لأوكرانيا، فإن المزيد من الصراع قد يؤدي إلى زعزعة استقرار أسعار النفط وتعطيل سلاسل التوريد؛ خاصة بعد تقديرات بأن إسرائيل قد تهاجم المنشآت النفطية الإيرانية، وهنا نستبق الحدث بتساؤل: ما فُرص الهجوم الإسرائيلي على منشآت إيران النفطية، وما التداعيات المحتملة، وكيف يمكن أن تندلع حرب نفطية يتأثر بها العالم؟ 

الهجوم الإيراني والرّد الإسرائيلي

أطلقت إيران نحو 180 صاروخ باليستي على إسرائيل ليل الثلاثاء الماضي، في تصعيد كبير للصراع المستمر منذ عام بين إسرائيل وقوات إيران بالوكالة في المنطقة، فيما اعترض الجيش الإسرائيلي معظم الصواريخ بمساعدة القوات البحرية الأميركية. 

فيما قالت حكومة نتنياهو، إنها قررت الرّد عسكريا، لكنها لم تقرر كيفية ذلك؛ وسط تنامي تقديرات باحتمالات الرّد بأنه قد يكون عبر تنفيذ اغتيالات مستهدفة أو هجمات على الدفاعات الجوية؛ فيما رأت بعض التقديرات أن الهجوم على المنشآت النووية ليس ضمن الأهداف القريبة بعد أن رفضت إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن ذلك. 

تقارير إعلامية نقلا عن مسؤولين إسرائيليين، ذكرت أن تل أبيب قد تردّ على الهجوم الإيراني بضرب البنية التحتية الاستراتيجية، مثل منصات الغاز أو النفط، أو باستهداف المواقع النووية الإيرانية بشكل مباشر. 

تلك التكهنات، أتت عقِب هجمات إسرائيلية على منشآت تخزين النفط والبنية التحتية للطاقة في موانئ البحر الأحمر في اليمن ومحاولة هجومٍ بطائرات بدون طيار على حقل غاز “كاريش” الإسرائيلي في الأيام الأخيرة. 

كيف استقبلت إيران التهديدات الإسرائيلية؟

حالة من الارتباك عمت إيران عقب التهديد الإسرائيلي بضرب المنشآت النفطية، حيث ظهر إقبال شديد على شراء البنزين في المدن الإيرانية الكبرى وتعليق الرحلات الجوية التجارية في المجال الجوي الإيراني لمدة يوم كامل، وقال همايون فلكشاهي، المحلل النفطي البارز في شركة “كبلر” لبيانات التجارة العالمية ومقرها بلجيكا، إن أي ضربة إسرائيلية على البنية التحتية للنفط أو الغاز الإيرانية سيكون لها تأثير اقتصادي كبير على البلاد. 

في هذه الصورة المتداولة التي قدمها المكتب الصحفي للمرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي يقف المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي حاملاً بندقية أثناء إمامته لصلاة الجمعة في مسجد مصلى الإمام الخميني في 04 أكتوبر/تشرين الأول 2024 في طهران، إيران. (الصورة من المكتب الصحفي للمرشد الإيراني - غيتي)
في هذه الصورة المتداولة التي قدمها المكتب الصحفي للمرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي يقف المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي حاملاً بندقية أثناء إمامته لصلاة الجمعة في مسجد مصلى الإمام الخميني في 04 أكتوبر/تشرين الأول 2024 في طهران، إيران. (الصورة من المكتب الصحفي للمرشد الإيراني – غيتي)

وفي رسالة إلى إذاعة “صوت أميركا”، قال فلكشاهي إن إيران تحصل على معظم احتياجاتها من البنزين من النفط المنتج محليًا والذي تقوم بتكريره إلى منتجات بترولية. 

إيران تعتمد أيضًا بشكل كبير على عائدات صادرات الطاقة إلى كبار العملاء مثل الصين، وهي صفقة حافظوا عليها لسنوات في تحدٍّ للعقوبات الأميركية. ووفقًا لـ فلكشاهي، شحنت طهران ما معدله 1.54 مليون برميل من النفط الخام ومكثفات الغاز يوميًا خلال العام حتى الآن، في الوقت الذي لا تنشر إيران بيانات رسمية عن صادراتها من الطاقة كجزء من جهودها للالتفاف على العقوبات. 

طهران تعتمد على السياسة التي تُعرف باسم “الأسطول المظلم” أو “أسطول الظل” والتي تشير إلى السفن المتخفية التي تقوم بتهريب النفط، وبالتالي التحايل على العقوبات. ووفقًا لمنظمة “متحدون ضد إيران النووية” غير الربحية التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرّاً لها، فإن أسطول الظل الإيراني يتكون من 383 سفينة على الأقل. 

رد إيران على ضرب المنشآت النفطية

ضرب إسرائيل للمنشآت النفطية الإيرانية، سيدمر الاقتصاد الإيراني، فقطاع الطاقة في إيران بما في ذلك مصافي التكرير ومحطات الطاقة وغيرها من المرافق الحيوية، هي عمود الاقتصاد الإيراني، مما قد يفعها إلى رد عنيف. 

طهران، إيران - 4 تشرين الأول/أكتوبر: المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي يؤم صلاة الجمعة في مسجد مصلى الإمام الخميني لأول مرة منذ 4 سنوات. (الصورة من المكتب الصحفي للمرشد الإيراني/غيتي)
طهران، إيران – 4 تشرين الأول/أكتوبر: المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي يؤم صلاة الجمعة في مسجد مصلى الإمام الخميني لأول مرة منذ 4 سنوات. (الصورة من المكتب الصحفي للمرشد الإيراني/غيتي)

وبحسب تصريحات مسؤول إيراني لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية قال خلالها، إنه إذا هاجمت إسرائيل البنية التحتية الإيرانية، وخاصة البنية التحتية الاقتصادية الإيرانية، فإن إيران تستطيع إلحاق الضرر بمنصات الغاز في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وتستطيع إيران مهاجمة الصناعات العسكرية الإسرائيلية مثل “رافائيل”، ومحطات الطاقة الإسرائيلية، ومخازن النفط والبنزين الإسرائيلية في حيفا، مضيفا: “وأستطيع أن أشير بشكل خاص إلى مصافي النفط في حيفا وأشدود”. 

وقد يتصاعد الموقف بشكل خاص إذا شاركت الولايات المتحدة في الضربة الإسرائيلية. وفي هذه الحالة، بأن إيران، وبدعم من شبكتها من الحلفاء غير الحكوميين، “قد تقرر مهاجمة المصالح الأميركية في الشرق الأوسط”، بما في ذلك المنشآت العسكرية الأميركية في العراق وسوريا، بل وحتى تعطيل تدفق النفط والغاز العالمي عبر الخليج العربي والبحر الأحمر، حيث يقع مضيق هرمز وباب المندب على التوالي. 

أبو علي العسكري، أحد كبار مسؤولي كتائب “حزب الله”، إحدى المجموعات العديدة المشاركة في “المقاومة الإسلامية في العراق” التي تمولها طهران، قال: “إذا بدأت حرب الطاقة، فسوف يخسر العالم 12 مليون برميل من النفط يوميًا. وكما قالت كتائب حزب الله سابقًا، إما أن يتمتع الجميع بالثروة أو يُحرم الجميع”. 

وبالتوازي مع احتمالات ضرب حقول الغاز الإسرائيلية، صعّدت الصحف الإيرانية المتشددة من تهديداتها ضد إسرائيل، حيث أعدت قائمة طويلة من الأهداف المحتملة التي قد تضربها إيران حال هاجمتها إسرائيل، وقال مصدر في “الحرس الثوري” الإيراني لوكالة “تسنيم نيوز” الإيرانية: “إذا اتخذت إسرائيل أي خطوات فلن يكون هناك تردد في تنفيذ الضربة الانتقامية الإيرانية”، مضيفا أن عدة أنواع من الهجمات المضادة جاهزة للتنفيذ اعتمادا على طبيعة الرّد الإسرائيلي. 

فيما حددت صحيفة “همشهري” الصادرة في طهران، المقرّبة من المتشددين في إيران، أن إيران رصدت 35 موقع استراتيجي ضمن البنية التحتية الحيوية والمرافق العسكرية في إسرائيل، وتشمل الأهداف الرئيسية التي تم تحديدها محطة توليد الطاقة ذات الدورة المركبة في هاجيت ومحطة توليد الطاقة في أوروت رابين في حيفا، وكلاهما ضروريان لشبكة الطاقة في إسرائيل. بالإضافة إلى ذلك، تم تسليط الضوء على مصفاة “بازيان” للنفط، وهي الأكبر في إسرائيل، ومصفاة “أشدود” للنفط، وهي ثاني أكبر مصفاة، كنقاط حيوية في إنتاج وتوزيع الطاقة في البلاد. 

كما تم ذكر البنية التحتية للغاز في إسرائيل، حيث تم إدراج حقل غاز “تامار” وحقل غاز “ليفياثان” كأهداف محتملة، وتشمل الأهداف أيضا مواقع عسكرية، بما في ذلك قاعدة “نيفاتيم” الجوية وقاعدة “رامات ديفيد” الجوية، التي تُعد حيوية للدفاع الجوي الإسرائيلي. كما شملت القائمة مواقع مدنية مثل مطار “بن غوريون” الدولي في تل أبيب ومطار “رامون” في إيلات. 

ورغم الإعلان عن تلك الأهداف، إلا أنه من المستبعد أن تغامر إيران بضرب تلك الأهداف أو حتى أحدها، لأنها تدرك أن هذا سيعني أنها ستواجه إسرائيل والولايات المتحدة في حرب واسعة ولا أحد يريدها، ولكن يمكن فهم تلك التقارير إنّها نوع من التهديدات المعتادة عديمة الجدوى من إيران. 

الصحفي السياسي الأميركي، عدنان ناصر، بيّن لـ”الحل نت”، أنه يرجح ضرب إسرائيل لحقول النفط الإيرانية، حيث سوف يكون لذلك تأثير على سوق النفط وسيؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير، ولكن هذا لا يعني أنها ليست هدفاً محتملاً. ولكن فرص ضربها غير مرجحة.  

ناصر أشار إلى إنه في المستقبل القريب، سوف تركز إسرائيل على محاربة “حزب الله” الذي لا يزال يشكل التهديد الأكبر لها. 

المخاطر على أسواق النفط والغاز والشحن

لكن حال قررت إسرائيل ضرب البنية التحتية للطاقة في إيران، وردّ إيران بضرب منشآت الطاقة الإسرائيلية سواء من خلالها مباشرة أو عبر فصائلها في العراق أو اليمن، فإن هذا يعني عملياً بدء حرب نفطية في العالم، قد تسبب ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية، وفق ما ذكرته صحيفة “الغارديان” البريطانية. 

إدارة معلومات الطاقة الأميركية، لفتت إلى أن إيران مسؤولة عن نحو 2 بالمئة فقط من إمدادات النفط العالمية، لكن أسعار النفط تتحدد عالميا، ومجموعة صغيرة من البلدان لديها تأثير كبير عليها. 

إيران لم تعد لاعبا رئيسيا للنفط في العالم، هناك المزيد من البدائل. ومن بين المنتجين غير الأعضاء في “أوبك” دول مثل المكسيك، وكازاخستان، وأذربيجان، وماليزيا. وفي عام 2022، صدرت هذه الدول المنتجة غير الأعضاء في “أوبك” ما يعادل 16.5 مليون برميل يوميا مقارنة بـ 28.7 مليون برميل يوميا لـ “أوبك”. 

بينما أصبحت الصين الآن المشتري الرئيسي لإيران، ويقال إنها تحصل على خصم بنسبة 15بالمئة على النفط الذي توافق على شرائه مع تطبيق العقوبات الغربية. 

ومن ناحية أخرى، فإنه إذا ردت إيران على هجوم بتعطيل مضيق “هرمز” – الممر المائي الضيق القريب الذي يتدفق عبره ربع تجارة النفط البحرية العالمية – فإن أسواق النفط العالمية ستواجه نقطة اختناق كبرى، وإذا ما استخدم المصدرون طرقاً تستغرق وقتاً أطول، ولكن الضرر الذي قد يلحق بأسعار النفط قد يكون كبيراً وطويل الأمد، لأن الطرق البديلة التي تربط بين مواقع الإنتاج الرئيسية والدول الغربية ليست كثيرة، فيما يمر عبر مضيق هرمز ما يقرب من 30بالمئة من تجارة النفط العالمية. 

وفي السياق، قال محللون نفطيون لدى “إس آند بي جلوبال كوموديتي إنسايتس” في مذكرة، إن “الهجوم الذي شنته إيران من خلال ضربات صاروخية على إسرائيل من شأنه أن يصعد الصراع القائم بين إسرائيل وحزب الله وإسرائيل وحماس، ومن المرجح أن يعرض بعض البنية التحتية النفطية الإسرائيلية على الأقل، بما في ذلك 287 ألف برميل يوميا من طاقة التكرير الإسرائيلية، لخطر أكبر”. 

إن أي تأثير على البنية التحتية للغاز في إسرائيل نتيجة لصراع أوسع نطاقا مع “حزب الله” من شأنه أن يخلف آثارا إقليمية ومحلية، حيث تعد إسرائيل منتجًا مهمًا للغاز ومصدرًا إقليميًا، حيث وصل الإنتاج إلى مستوى قياسي بلغ 24.7 مليار متر مكعب في عام 2023، وفقًا لبيانات وزارة الطاقة الإسرائيلية المنشورة في أيار/مايو الفائت. 

وكتبت “كابيتال إيكونوميكس”، تمثل إيران نحو 4 بالمئة من إنتاج النفط العالمي، لكن الاعتبار المهم سيكون ما إذا كانت المملكة العربية السعودية ستزيد إنتاجها إذا تعطلت الإمدادات الإيرانية. وتضيف زيادة بنسبة 5 بالمئة في أسعار النفط نحو 0.1 بالمئة إلى التضخم الرئيسي في الاقتصادات المتقدمة، بحسب صحيفة “دويتش فيليه”. 

سارة شريف

سارة شريف

مُحللة شؤون خارجية وباحثة دكتوراه في الإعلام السياسي

1 1 صوت
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم